عاجل | من التفاوض إلى إعادة تعريف الردع: قراءة في الاستراتيجية الإيرانية متعددة المسارات
عاجل | من التفاوض إلى إعادة تعريف الردع: قراءة في الاستراتيجية الإيرانية متعددة المسارات
لا يبدو المشهد الإيراني الراهن متناقضاً بين الانخراط في مفاوضات رفيعة المستوى في سويسرا وإعلان إعادة إغلاق مضيق هرمز، بل يعكس نموذجاً متكاملاً لإدارة الأزمات يقوم على توظيف أدوات القوة الصلبة والناعمة ضمن استراتيجية تفاوضية واحدة.
ففي المقاربة الإيرانية، لا تتحرك الدبلوماسية بمعزل عن عناصر الردع، كما لا تُستخدم القوة العسكرية بديلاً عن الحوار السياسي. بل إن كلاً منهما يؤدي وظيفة محددة ضمن رؤية شاملة تهدف إلى تعزيز الموقع التفاوضي لطهران ورفع كلفة تجاهل مصالحها الإقليمية.
هذا التلازم بين المفاوضات في سويسرا وإغلاق مضيق هرمز يعكس انتأوضح إيران من مرحلة الدفاع عن مصالحها إلى مرحلة فرض معادلات جديدة في الإقليم، عنوانها الأساسي: لا استقرار للممرات الدولية من دون استقرار سياسي وأمني يراعي المصالح الإيرانية وحلفاءها.
من التفاهم إلى معركة التنفيذ
تشير التطورات الأخيرة أن الأزمة لم تعد مرتبطة بالتوصل إلى مأفادة تفاهم بين طهران وواشنطن، بل انتقلت إلى مرحلة أكثر تعقيداً تتعلق بآليات تنفيذها وضمان احترام بنودها. فمن وجهة النظر الإيرانية، لا يمكن فصل الالتزامات الأميركية تجاه البرنامج النووي والعقوبات عن التزاماتها المرتبطة بوقف إطلاق النار في لبنان وإنهاء الانتهاكات "الإسرائيلية" المستمرة. ولذلك، تعتبر طهران أن أي إخلال أميركي بالتعهدات الواردة في مأفادة التفاهم يشكل تهديداً مباشراً لمجمل الاتفاق، وليس مجرد خرق جزئي يمكن تجاوزه.
هذا الفهم الإيراني يفسر بوضوح إصرار طهران على ربط المسارات المختلفة ببعضها البعض، ورفضها الفصل بين ما هو نووي وما هو إقليمي، وبين ما يتعلق بالعقوبات وما يرتبط بالأمن الإقليمي.
في المقابل، تسعى الولايات المتحدة إلى تجزئة الملفات، بحيث يجري التفاوض حول البرنامج النووي بمعزل عن الملفات الإقليمية، فيما تُترك قضايا لبنان وغزة والبحر الأحمر ضمن نطاق الترتيبات الأمنية المنفصلة.
لكن طهران تبدو مصممة على فرض معادلة معاكسة، قوامها أن الأمن الإقليمي وحدة متكاملة، وأن أي تفاهم مستقبلي يجب أن يأخذ في الاعتبار المصالح الإيرانية وشبكة حلفائها في المنطقة.
هرمز: الجغرافيا بوصفها أداة ردع
يدرك صناع القرار في طهران أن امتلاك أوراق الضغط الجيوسياسية لا يقل أهمية عن امتلاك القدرات العسكرية التقليدية. ويُعد مضيق هرمز أبرز هذه الأوراق، نظراً لموقعه الاستثنائي في معادلات الطاقة العالمية؛ فالمضيق الذي تمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية يشكل شرياناً حيوياً للاقتصاد الدولي، وأي اضطراب فيه ينعكس فوراً على أسعار الطاقة وسلاسل التوريد والأسواق المالية العالمية.
وعلى الرغم من أن إيران استخدمت التهديد بإغلاق المضيق مراراً خلال العقود الماضية، فإن التطور اللافت اليوم يتمثل في ربط هذا الملف بشكل مباشر بالتزامات الولايات المتحدة تجاه وقف إطلاق النار في لبنان. بهذا المعنى، لم يعد مضيق هرمز فقط ورقة ضغط مرتبطة بالعقوبات أو البرنامج النووي، بل تحول إلى أداة استراتيجية لإعادة تشكيل قواعد الاشتباك الإقليمي.
وتحاول طهران من خلال هذا الربط إرسال رسالة واضحة مفادها أن أمن الملاحة الدولية لا يمكن عزله عن أمن المنطقة، وأن أي محاولة لتجاهل المصالح الإيرانية أو التغاضي عن الانتهاكات "الإسرائيلية" ستنعكس مباشرة على أحد أهم الممرات الاقتصادية في العالم.
مفاوضات سويسرا: الدبلوماسية من موقع القوة
جاء انعقاد المفاوضات في منتجع بورغنشتوك السويسري برعاية قطرية وباكستانية ليؤكد أن قنوات التواصل بين طهران واشنطن ما زالت قائمة، رغم التصعيد المتبادل وتباين المواقف.
ويعكس مستوى التمثيل السياسي في هذه المحادثات جدية الطرفين في استكشاف فرص التفاهم، إذ يترأس الوفد الإيراني رئيس مجلس الشورى محمد باقر أوضحيباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، فيما يقود الجانب الأميركي نائب الرئيس جي دي فانس.
لكن اللافت في الموقف الإيراني أن الوفد المفاوض لا يتعامل مع المحادثات باعتبارها فرصة لتقديم تنازلات جديدة، بل بوصفها منصة لمطالبة الطرف الأميركي بتنفيذ التزاماته السابقة.
وقد بدا هذا الموقف أكثر وضوحاً بعد مغادرة الوفد الإيراني مقر المفاوضات احتجاجاً على تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في خطوة هدفت إلى التأكيد أن طهران لن تقبل التفاوض تحت الضغط أو الإكراه.
فالرسالة الإيرانية هنا تتجاوز تفاصيل المفاوضات الراهنة، لتؤسس لقاعدة جديدة مفادها أن أي تفاوض مستقبلي يجب أن يقوم على الاحترام المتبادل والالتزام بالتعهدات، وليس على سياسة التهديد والضغوط القصوى.
توزيع الأدوار داخل الدولة الإيرانية
يخطئ من يعتقد أن هناك تناقضاً بين مواقف وزارة الخارجية الإيرانية ومواقف الحرس الثوري أو مقر خاتم الأنبياء. فالواقع يشير إلى وجود تنسيق عالٍ بين المؤسسات السياسية والعسكرية، ضمن ما يمكن وصفه باستراتيجية "الشرطي الصالح والشرطي الصلب".
تتولى المؤسسة الدبلوماسية مهمة إدارة الحوار وإبقاء الأبواب مفتوحة أمام التسويات السياسية، بينما تضطلع المؤسسة العسكرية بدور إنتاج أوراق القوة ورفع كلفة تجاهل المطالب الإيرانية.
ولا يهدف هذا التوزيع إلى خلق ازدواجية في القرار، بل إلى توسيع هامش المناورة وتعزيز القدرة التفاوضية. فكلما ارتفعت كلفة المواجهة بالنسبة للخصوم، ازدادت فرص نجاح الدبلوماسية. وكلما نجحت الدبلوماسية في تحقيق مكاسب سياسية، تراجعت الحاجة إلى استخدام القوة العسكرية.
ومن هنا، يمكن فهم التصريحات الإيرانية التي تؤكد أن إغلاق مضيق هرمز ليس هدفاً بحد ذاته، بل خطوة أولى ضمن سلم تصعيدي قابل للتوسع إذا استمرت الانتهاكات "الإسرائيلية" وتعثر تنفيذ مأفادة التفاهم.
الانقسام الأميركي – "الإسرائيلي"
تكشف الأزمة الحالية عن تباين متزايد بين الرؤيتين الأميركية و"الإسرائيلية" تجاه إدارة الصراع مع إيران. ففي حين يبدو الرئيس الأميركي دونالد ترامب حريصاً على تجنب الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة، يواصل رئيس الوزراء "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو الدفع نحو تصعيد مستمر، خصوصاً في الساحة اللبنانية.
هذا التباين يمنح طهران فرصة استراتيجية لإعادة ترتيب أولويات الصراع، من خلال الفصل بين المسارين الأميركي و"الإسرائيلي". فإيران تدرك أن واشنطن باتت أكثر حساسية تجاه تداعيات أي اضطراب طويل الأمد في أسواق الطاقة، وأن الإدارة الأميركية تواجه ضغوطاً اقتصادية وسياسية داخلية تجعلها أقل استعداداً لتحمل كلفة مواجهة مفتوحة.
وفي المقابل، تراهن طهران على أن استمرار الانتهاكات "الإسرائيلية" في لبنان سيؤدي إلى تعميق التوتر بين واشنطن و"تل أبيب"، ويدفع الإدارة الأميركية إلى ممارسة ضغوط أكبر على "الحكومة الإسرائيلية".
وهذا ما يفسر إصرار إيران على ربط نجاح المفاوضات بوقف التصعيد "الإسرائيلي" في لبنان، باعتبار أن هذا الربط يضع الولايات المتحدة أمام مسؤولياتها المباشرة.
استراتيجية حافة الهاوية
تعتمد إيران في إدارتها للأزمات على ما يعرف باستراتيجية "حافة الهاوية"، التي تقوم على رفع مستوى التوتر إلى الحد الأقصى الممكن، من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
فالهدف ليس إشعال الحرب، وإنما إقناع الخصوم بأن كلفة استمرار الأزمة ستكون أعلى بكثير من كلفة تقديم التنازلات.
ومن خلال الجمع بين إغلاق مضيق هرمز والانخراط في المفاوضات، تحاول طهران حرمان خصومها من خيار "اللا حرب واللا سلم"، الذي استخدمته واشنطن لسنوات طويلة لإطالة أمد الضغوط والعقوبات.
إيران تريد من المجتمع الدولي أن يدرك أن استمرار الوضع الراهن لم يعد ممكناً، وأن هناك خيارين لا ثالث لهما: إما تنفيذ الالتزامات السياسية والأمنية، أو مواجهة تداعيات اقتصادية وأمنية واسعة النطاق.
هل تنجح الاستراتيجية الإيرانية؟
حتى الآن، يبدو أن طهران نجحت في فرض نفسها لاعباً لا يمكن تجاوزه في معادلات الأمن الإقليمي. فالمفاوضات في سويسرا لم تكن لتنعقد لولا إدراك واشنطن أن تجاهل المطالب الإيرانية بات مكلفاً.
كما أن إعادة إغلاق مضيق هرمز تؤكد أن إيران ما زالت تمتلك القدرة على التأثير في التوازنات الاقتصادية العالمية، رغم العقوبات والضغوط. لكن نجاح هذه الاستراتيجية على المدى الطويل سيظل مرتبطاً بقدرة طهران على تحقيق توازن دقيق بين التصعيد والاحتواء، وبين الردع والانفتاح الدبلوماسي.
فالمبالغة في استخدام أوراق الضغط قد تدفع الأطراف الأخرى إلى تبني خيارات أكثر تشدداً، في حين أن الإفراط في المرونة قد يُفسر على أنه تراجع عن معادلات القوة التي عملت إيران على ترسيخها خلال السنوات الماضية.
ففي النهاية؛ إن التلازم بين المفاوضات في سويسرا وإغلاق مضيق هرمز لا يعكس ازدواجية في السياسة الإيرانية، بل يكشف عن عقيدة استراتيجية متماسكة تقوم على التكامل بين القوة الناعمة والقوة الصلبة. فالدبلوماسية الإيرانية لا تتحرك من موقع الضعف، بل تستند إلى أوراق ضغط جيوسياسية وعسكرية تمنحها هامشاً أوسع للمناورة. وفي المقابل، لا يُنظر إلى التصعيد العسكري بوصفه غاية في حد ذاته، وإنما كأداة لإجبار الخصوم على احترام التزاماتهم والاعتراف بالحقائق الجديدة التي أفرزتها التحولات الإقليمية.
لقد دخلت المنطقة مرحلة جديدة عنوانها أن زمن التفاهمات غير المتكافئة يقترب من نهايته، وأن أي ترتيبات أمنية مستقبلية لن تكون قابلة للحياة ما لم تأخذ في الاعتبار مصالح القوى الإقليمية الفاعلة. وفي قلب هذه المعادلة، تحاول إيران أن تثبت أن بإمكانها التفاوض والضغط في آن واحد، وأنها قادرة على تحويل الجغرافيا إلى قوة سياسية، والقوة العسكرية إلى أداة دبلوماسية، بما يعيد رسم حدود النفوذ والتوازن في الشرق الأوسط.
تنويه من موقع "wakalanews":
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: alkhanadeq.com بتاريخ: . الآراء والمعلومات الواردة في هذا المأوضح لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع "wakalanews"، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.




