صحافة

«البجعة السوداء» التي تقضّ مضاجع أمريكا والكيان الصهيوني

البجعة

عدد كبير من القوانين الطبيعية التي نأخذها كمسلمات، هي في الواقع ناتجة عن عملية استقراء للواقع. فالعالِم أو الفيلسوف يدرس أو يلاحظ موضوعاً ما على مدار فترة طويلة من الزمن، فإذا تكررت النتيجة نفسها لفعل ما، يبني عليها نظريته العلمية. وتختلف وجهات نظر الفلاسفة والعلماء حول سؤال ما إذا كان الاستقراء ينتج علماً واقعياً، لكن الجميع يتفق على أن بناء النظرية يحتاج إلى الاستقراء وملاحظة موضوع ما لفترة طويلة، أما تفنيد النظرية وتكذيبها فيحتاجان إلى مخالفة واحدة فقط.

والمثال المشهور على ذلك هو ما يُسمى بنظرية «البجعة السوداء». وقد استُمد المصطلح من الاعتقاد القديم السائد في أوروبا بأن كل طيور البجع بيضاء اللون، نظراً إلى عدم مشاهدة أي لون آخر منها طوال عصور طويلة. لكن هذا المفهوم تغيّر كلياً في القرن السابع عشر بعد اكتشاف البجع الأسود في أستراليا، مما أثبت خطأ القاعدة المطلقة، وجعل رؤية بجعة سوداء رمزاً للحدث المفاجئ الذي يقلب التوقعات. وقد وصف هذه النظرية الكاتب اللبناني الأصل نسيم نيكولاس طالب في كتابه «البجعة السوداء»، وطبّقها على أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001، والأزمة الاقتصادية التي ضربت العالم عام 2008.

في السياسة، نذكر ما نُقل عن رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق آرييل شارون، عندما كانت المقاومة في غزة تقصف المستوطنات المحيطة بها بالصواريخ عام 2001. يومها رفعت قيادة الأركان الصهيونية خطة لإنهاء عمليات القصف بشكل جذري. وفي اجتماع المجلس الوزاري، شرح رئيس الأركان تلك الخطة بتفاصيلها، وقد أقنع الجميع بصوابيتها وفعاليتها. لكن شارون، صاحب الخبرة العسكرية الطويلة، وبعد أن أشاد بالخطة، سأل رئيس الأركان: ماذا لو قمت بتنفيذ هذه الخطة بحذافيرها ونجحت في ذلك، وفي اليوم التالي لانتهاء العملية قامت إحدى الفصائل الفلسطينية بإطلاق صاروخ واحد على إحدى المستوطنات؟

هنا تبددت الحماسة للعملية. لقد أضاء لهم شارون على «البجعة السوداء» التي لم يشاهدوها. إن نظرية إنهاء القصف تحتاج إلى جهد كبير وعمل متواصل لتحقيقها، لكن صاروخاً واحداً يمكنه إسقاط كل هذه الخطة.

تبدو الأمور شبيهة بما يجري حالياً من حروب في المنطقة، إذ إن الكثير من الأهداف التي وضعتها أمريكا والكيان الصهيوني يمكن نسفها بفعل واحد ومحدود. فما يتبجح به ترامب يومياً من تأمين الملاحة وحركة السفن في مضيق هرمز، ينهار أمام إصابة صاروخ إيراني لناقلة نفط واحدة. وهذا الأمر تدركه الدول التي طلب ترامب مساعدتها في تأمين فتح المضيق. فالكل يعلم أنه لو حضرت عشرات القطع البحرية العسكرية لفتح المضيق، وبمواكبة يومية، فإن كل ذلك الجهد يمكن أن يتهاوى بمجرد استهداف ناقلة واحدة. لذا نجد أن كثيراً من المواقف ربطت المشاركة في عملية تأمين المضيق بوجود اتفاق مع إيران.

ويمكن قياس ذلك على كثير من النقاط في الحرب على إيران. فمهما علا صوت ترامب وقادة الدول العربية بالقدرة على توجيه ضربات قاسية إلى إيران، فإن صاروخاً واحداً أو طائرة مسيّرة إيرانية تستهدف مركزاً أو قاعدة أو عاصمة في تلك الدول، قد تهدم جزءاً كبيراً مما بنوه من منظومات الأمن والردع في المنطقة.

وفي اليمن، حصل الأمر نفسه. فبالرغم من الضربات القاسية التي تعرض لها اليمن من البحرية الأمريكية والطائرات الصهيونية لثنيه عن مساندة غزة، فإن صاروخاً يمنياً واحداً يسقط في كيان الاحتلال، أو طائرة مسيّرة يمنية تضرب إيلات، كفيل بكشف حدود قدرتهم على ردع اليمن عن مواصلة دعمه لغزة.

وفي لبنان، لن يختلف الأمر عن ذلك. فبالرغم من كل الدمار، وكل ما يُعلن عن تأمين المستوطنات أو إحكام السيطرة على المنطقة الصفراء المحتلة، فإن تفجير عبوة في قوة صهيونية، أو إطلاق صاروخ واحد على إحدى المستوطنات، أو استهداف مركز عسكري صهيوني بطائرة مسيّرة داخل فلسطين المحتلة، يمكن أن ينسف جانباً مهماً من المنظومة الأمنية التي يتغنى بها نتنياهو ووزير دفاعه ورئيس أركانه، ويعيدهم إلى نقطة الصفر، كما يقال.

وحتى لو افترضنا أن المقاومة اضطرت، تحت أقسى الظروف، إلى التخلي عن سلاحها، وأن السلطة اللبنانية قبلت بالشروط الأمريكية والصهيونية، فإن ذلك لن يضمن الأمن لمستوطنات العدو الصهيوني. لأن هذا التصور يقوم على افتراض أساسي مفاده أن أحداً لن يتمكن لاحقاً من استهداف هذه المستوطنات. غير أن ضربة محدودة بوسائل متاحة يمكن أن تهدم هذه الاستراتيجية، ولا تستطيع منظومات الاحتلال أن تضمن عدم حدوث ذلك.

فمفهوم «البجعة السوداء» سيبقى هاجساً يلاحق المستوطنين، فضلاً عن القادة الصهاينة، لأن منظومة الردع مهما بدت محكمة تبقى عاجزة عن ضمان السيطرة الكاملة على كل الاحتمالات.

وهذا الأمر لا يغيب عن تفكير القادة الصهاينة، ولذلك لا يقدمون أي تنازل في مفاوضاتهم المباشرة مع السلطة اللبنانية، لأنهم يعرفون أنها غير قادرة على تنفيذ كل ما قد تتعهد به. وهم يضغطون من أجل إعلان تخلّي المقاومة عن سلاحها، علّ ذلك يخفف من هواجسهم وخوفهم من انهيار ما بنوه خلال السنوات الثلاث الماضية بضربة واحدة، تُفشل مشروعهم وتكشف هشاشة رهاناتهم أمام مستوطنيهم.

ولهذا أيضاً يسعون إلى وضع الجيش اللبناني تحت إمرتهم العسكرية، سواء عبر المفاوضات المباشرة، أو من خلال قوات أوروبية أو دولية يجري استقدامها خلال الأشهر المقبلة.

وهنا يُسجّل لقيادة الجيش اللبناني وعيها لهذا المخطط الصهيوني الأوروبي الأمريكي، فهي ترفض العمل المباشر مع الجيش الصهيوني، وتربط التعاون مع أي قوات أوروبية أو دولية بأن تكون هذه القوات تحت مظلة الجيش اللبناني وليس فوقها.

ولن يكون هناك هدوء فعلي في المنطقة إلا بالتوصل إلى تفاهم مع إيران والمقاومة في لبنان، وستسقط محاولات فرض الأمن بالقوة. وقد لخّص المبعوث الأمريكي إلى سوريا ولبنان، توم برّاك، هذا الواقع بقوله: «إن المفاوضات والتسويات الجادة في لبنان لن تنجح، ولن تحقق أي حل دائم في ظل غياب حزب الله وإيران عن طاولة المفاوضات».

ويبقى السؤال: من سيطلق «البجعة السوداء» من قفصها؟ ومتى؟



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: www.alalam.ir

تاريخ النشر: 2026-09-09 20:09:00

الكاتب:

تنويه من موقع “wakalanews“:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
www.alalam.ir
بتاريخ: 2026-09-09 20:09:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews“، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

wakalanews.com — متابعة الخبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى