صحافة

“شرفٌ لا ندّعيه”.. المقاومة العراقية تنفي الاتهام السعودي حول استهداف “بترولاين”

يبدو الاتهام السعودي الذي وُجّه جزافاً إلى مجموعات عراقية بشأن المسؤولية عن الهجوم النوعي الذي استهدف خط أنابيب النفط السعودي شرق-غرب المعروف أيضاً باسم “بترولاين”، نموذجاً جديداً للعبثية السياسية والعسكرية التي تنتهجها السلطة السعودية في التعامل مع تطورات المنطقة، ولا سيما عندما تجد نفسها أمام تطورات ميدانية أقل ما يمكن وصفها به هي الهزائم الساحقة، مثلما حصل منذ أيام من انهيار للميلشيات التابعة لها في الساحل الغربي لليمن أمام القوات المسلحة التابعة لحكومة صنعاء، وهو الحدث الذي بات الإعلام السعودي يصفه ب، “صدمة خسارة الساحل الغربي”.

فبدلاً من تقديم أدلة ملموسة، أو الإعلان عن نتائج تحقيقات مهنية وشفافة، عن الجهة التي نفّذت عملية استهداف خط الأنابيب المهم هذا، سارعت الجهات السعودية إلى توجيه أصابع الاتهام نحو العراق ومجموعاته المقاومة، في خطوة لا يمكن فصلها عن سجل طويل من سياسة الهروب إلى الأمام وإلقاء المسؤوليات على الآخرين.

والأهم في هذه القضية أن المقاومة الإسلامية في العراق نفسها خرجت ببيان واضح وصريح نفت فيه مسؤوليتها عن العملية، مستخدمة عبارة شديدة الدلالة حين أكدت أن الاتهامات المتعلقة باستهداف المنشآت الحيوية السعودية يوم الجمعة الماضي هي “شرفٌ لا ندّعيه”. وهذه العبارة وحدها كافية لوضع حد لمحاولات الاستثمار السياسي في العملية، إذ إن الجهة التي يجري اتهامها لم تلجأ إلى لغة المراوغة أو البيانات الغامضة، بل أعلنت بوضوح أن العملية ليست من تنفيذها، مع تأكيدها على موقفها الثابت في مساندة الشعب اليمني ضد ما يتعرض له من عدوان وحصار سعودي.

وجاء في بيان المقاومة العراقية، الصادر في 12 أيلول/سبتمبر 2026، أنه “في الوقت الذي نبارك فيه للشعب اليمني الأبي انتصاراته الميدانية المتواصلة ضد القوات السعودية ومرتزقتها”، فإن المقاومة تؤكد أن الاتهامات الموجهة إليها “شرفٌ لا ندّعيه”، معربة في الوقت نفسه عن استغرابها من تسرّع الحكومة العراقية في تبنّي هذه المزاعم “دون الاستناد إلى أدلة موثوقة أو تحقيقات ملموسة”.

وهنا تكمن النقطة الأكثر خطورة. فالمطلوب من الحكومة العراقية، برئاسة علي الزيدي، ألا تتعامل مع الرواية السعودية بوصفها حقيقة نهائية لمجرد صدورها عن الرياض، وألا تتحول إلى طرف يكرّس اتهامات لم تثبت صحتها بعد. إن الدولة العراقية، التي يفترض أنها تتعامل مع قضايا الأمن والسيادة بمنطق التحقيق والأدلة، لا يمكن أن تبني موقفاً سياسياً أو أمنياً على ادعاءات خارجية مجردة، خصوصاً عندما تكون تلك الادعاءات صادرة عن دولة تملك سجلاً طويلاً من التدخل العسكري والأمني والسياسي في شؤون المنطقة، في قمته، دور المملكة السعودية في دعم العمليات الانتحارية والإرهابية ضد الشعب العراقي خلال فترة الاحتلال الأمريكي.

وبالعودة الى بيان المقاومة العراقية، فإنه لم يكتف بنفي المسؤولية، بل أعلن بوضوح الاستعداد للمشاركة في أي لجنة تحقيق حكومية من أجل الوصول إلى الحقيقة، بدلاً من “الانسياق وراء الروايات المشبوهة”. وهذا الموقف يضع الكرة في ملعب الحكومة العراقية، لأن الطريق الطبيعي للتعامل مع مثل هذه الاتهامات ليس التسليم بالرواية السعودية، بل فتح تحقيق مستقل وطلب الأدلة الفنية والاستخبارية التي تستند إليها الرياض، والتدقيق فيها بعيداً من الضغوط السياسية والإقليمية.

كما أن بيان المقاومة أشار إلى أن تكرار سياسة إلقاء التهم وصرف الأنظار “لا يعدو كونه محاولة فاشلة للتغطية على الهزائم المتلاحقة التي تتكبدها القوات السعودية وأدواتها على أيدي أبناء اليمن الأباة”. ومن هنا، لا يمكن قراءة الاتهامات بمعزل عن المشهد اليمني والتطورات الميدانية المتواصلة فيه، حيث تبدو الرياض معنية، في كثير من الأحيان، بتوسيع دائرة المسؤولين عن إخفاقاتها وإعادة توجيه الأنظار نحو أطراف أخرى.

والأكثر مفارقة أن السعودية، التي تسارع اليوم إلى اتهام الآخرين بالقيام بعمليات تستهدف منشآتها، هي نفسها التي كانت من أوائل من فتحوا أبواب الحروب والاعتداءات العبثية في المنطقة خدمة للمشاريع الأميركية والإسرائيلية. فالحروب لا تبدأ من فراغ، والسياسات العدوانية لا يمكن فصل نتائجها عن مسبباتها. وقد ساهمت الرياض، على مدى سنوات، في تغذية صراعات المنطقة والانخراط في مشاريع استهدفت دولاً وشعوباً وقوى مقاومة، قبل أن تتحدث اليوم عن ضرورة الأمن والاستقرار واحترام المنشآت الحيوية.

وفي هذا السياق، ينبغي للحكومة العراقية ألا تنسى الجريمة السعودية التي وقعت في تموز/يوليو الماضي، خلال إحياء مناسبة أربعين الإمام الحسين عليه السلام، عندما استُهدفت مواقع للحشد الشعبي، ما أدى إلى ارتقاء عدد من الشهداء وسقوط جرحى. فكيف يمكن لحكومة الزيدي أن تتعامل مع الاتهامات السعودية وكأنها صادرة عن طرف محايد لم يعتدِ على العراق ولم يشارك في استهداف قواه؟ وكيف يمكن تجاوز دماء العراقيين ثم الانتقال مباشرة إلى تبنّي روايات الجهة نفسها دون أدلة قاطعة؟

إن موقفاً عراقياً مسؤولاً -يجب أن تأخذه حكومة الزيدي- لا يعني الدخول في مواجهة مفتوحة مع السعودية، ولا يعني أيضاً تبنّي رواية أي طرف آخر من دون تحقيق، لكنه يقتضي قبل كل شيء حماية السيادة العراقية من أن تتحول إلى مادة قابلة للتوظيف في الصراعات الإقليمية. فاتهام مجموعات عراقية بعملية كبيرة من دون دليل لا يسيء إلى تلك المجموعات وحدها، بل يضع العراق كله في دائرة الاستهداف والضغط. وعليه فإن الواجب الوطني والسيادي يفرض على بغداد التمسك بالحقيقة المستندة على الأدلة الحسية وليس الروايات الجاهزة، وبالتحقيق لا بالاتهامات. أما المقاومة العراقية، فقد حدّدت موقفها بوضوح عندما قالت إن الهجوم هو “شرفٌ لا تدّعيه”، وأعلنت استعدادها للمشاركة في أي تحقيق يكشف الحقيقة. وعليه، فإن أي تسرع في تثبيت المسؤولية قبل ظهور الأدلة ليس سوى خدمة للرواية السعودية، وقد يفتح الباب أمام زج العراق في مخططات وأزمات، حذّر منها بيان المقاومة باعتبارها جزءاً من مخططات صهيو-أميركية لا تخدم إلا أعداء العراق وشعبه.


المصدر الأصلي: alkhanadeq.com

wakalanews.com — متابعة الخبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى