صحافة

صعود وسقوط الحزب اليهودي العربي

صعود وسقوط الحزب اليهودي العربي

 


المصدر: هآرتس
بقلم: عوفر اديرت


👈ما الذي يفعله لواء متقاعد من الجيش الاسرائيلي ومحامي عربي اسس حركة يسارية وطنية؟ في العام 1984، عند تاسيس الحركة عرضت القائمة التقدمية للسلام النقاط الرئيسية لرؤيتها في اعلانات نشرتها في الصحف. “محاولة فريدة في نوعها لتاسيس قوة يهودية – عربية مشتركة، متجذرة عميقا في المجتمع الاسرائيلي، بين اليهود والعرب على حد سواء”، هكذا وصفت الاعلانات الحزب الجديد، “60 مرشح يهودي و 60 مرشح عربي – المعسكر القومي المزدوج”

بعد ذلك تم تقديم زعماء القائمة، محمد ميعاري وماتي بيلد. وجاء في الاعلان: “في ستينيات القرن الماضي كان ميعاري عضو في جماعة “الارض”، وفي ذلك الحين كان ماتي بيلد جنرال في الجيش الاسرائيلي وعضو في هيئة الاركان العامة. سيرتان ذاتيتان تمثلان منصة امل. الامل الوحيد”.

تجاهل الاعلان الاشارة الى انه قبل عشرين سنة منعت المحكمة جماعة “الارض” من الوصول الى الكنيست، وقررت انه “لن يدعم ولن يعترف أي نظام حر بحركة تقوض النظام نفسه”. وتجاهل الاشارة الى ان بيلد، وهو عسكري وحاصل على شهادة الدكتوراة في الأدب العربي، كان من اشد المؤيدين لحرب الايام الستة، بل وشغل منصب الحاكم العسكري في قطاع غزة. وجاء في الاعلان: “نحن نناضل من اجل حل وسط تاريخي بين عرب فلسطين ويهود اسرائيل. الحل الوسط الوحيد الذي قد يكون مقبول على اليهود والعرب هو تحويل الخط الاخضر، حدود الرابع من حزيران 1967، الى حدود دولية معترف بها بين اسرائيل ودولة فلسطين”. ايضا اعرب الاعلان عن التطلع الى انشاء معسكر سلام مشترك في اسرائيل يكون يهودي – عربي، وعربي – يهودي.
كان الشيوعيون رواد الشراكة اليهودية – العربية في انتخابات الكنيست. دخل حزب ماكي، الحزب الشيوعي الاسرائيلي، الى الكنيست الاولى وحتى الخامسة بممثلين يهود (بمن فيهم مئير فلنر، وهو احد الموقعين على وثيقة الاستقلال)، الى جانب عرب (توفيق طوبي واميل حبيبي). ولكن الخلافات الايديولوجية ذات الطابع القومي التي تناولت موضوع الصراع الاسرائيلي – العربي تسببت بانقسام الحزب. وفي العام 1977، استعدادا لانتخابات الكنيست التاسعة، تاسس حزب حداش الى جانب الاعضاء العرب في الحزب. وقد ضم في صفوفه يهود ايضا مثل تشارلي بيتون من حزب الفهود السود، وبعد ذلك تمار جوجانسكي ودوف حنين وعوفر كسيف. ولكن الطابع الشيوعي لحزب الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة (حداش) جعل الكثير من الناخبين ينفرون.
أما القائمة التقدمية للسلام، التي نشطت في الاعوام 1984 – 1992، فقد سعت الى تقديم توجه مختلف. وجاء في اعلانات الحزب: “قوة مشتركة ومستقلة، لا تخضع لأي سلطة، سواء محلية أو اقليمية أو دولية”. وكان من بين اعضاء الحزب الصحافي اوري افنيري، رئيس تحرير صحيفة “هعولام هزيه” الاسبوعية، الذي تم وضعه في المكان الـ 120 الرمزي في القائمة. وقد اثارت لقاءات اعضاء القائمة مع ممثلي م.ت.ف، في ايام كان هذا فيها غير قانوني، انتقادات من اليمين، واتهامات بانهم كانوا مبعوثين لياسر عرفات. وفي حزيران 1984، قبل بضعة اسابيع على الانتخابات، استدعى وزير الدفاع في حينه موشيه آرنس اعضاء القائمة لاستجوابهم بهدف توضيح موقفهم من الاعتراف بالدولة وحدود الرابع من حزيران 1967، وموقفهم من الارهاب ومن م.ت.ف. وقد اطمأن للاجابات التي حصل عليها. وقد اعترف بيلد وقال: “في بعض الاجزاء، اتخذ الحوار طابع استجواب الشرطة. وكان للاستجواب طابع عنصري واضح”. مع ذلك ورغم موافقة وزير الدفاع بقيت الطريق الى صناديق الاقتراع مسدودة. فقد استبعدت لجنة الانتخابات المركزية القائمة – الى جانب استبعاد قائمة كاخ – ولم يتم الغاء قرار الاستبعاد الا بعد تقديم التماس للمحكمة العليا. وبعد تمهيد المحكمة العليا الطريق امامها الى الكنيست، تم ارسال جدعون ليفي لتغطية المؤتمر الصحفي الذي عقدته القائمة التقدمية. وكتب عن اطلاقها: “كان هناك حديث عن ثورة في دولة اسرائيل”. للمرة الاولى تمثيل متساوي بين اليهود والعرب، مسار جديد ومنصة جديدة وتوجه جديد… العرب واليهود ممثلون بالتساوي”. واوضح عطا الله منصور، مراسل الشؤون العربية في “هآرتس” بانه: “للمرة الاولى منذ قيام الدولة اختفت القوائم العربية الخالصة. وتعتبر المحاولة غير المسبوقة لتشكيل قائمة عربية – يهودية ابتكار ثوري”. وفي مقابلة مع جدعون ليفي قال ميعاري: “هذا يعتبر تغيير يخيف المؤسسة الامنية الاسرائيلية. هم يخشون أي خطوة نحو تعاون يهودي – عربي نزيه ومحترم”.
في ذروة قوتها في انتخابات 1984 تمكنت القائمة التقدمية من ايصال عضوين الى الكنيست، بيلد وميعاري، ولكن بسرعة بدأت المشاكل في الظهور. ونقل عن “هآرتس” قولها “توجد مشكلات في القائمة التقدمية. وقد تصاعد التوتر بالفعل. لقد قاموا بتشكيل القائمة بدون أي برنامج تقريبا، باستثناء القضية الفلسطينية. والان يجب عليهم معالجة الكثير من المشكلات المعقدة”.

ولم يمر وقت طويل حتى ظهر مثال واضح. ففي العام 1985، وجه بيلد استجواب لوزير الداخلية يوسف بورغ: لماذا لا يفتحون شواطيء للعراة؟. الناخبون العرب لم يتقبلوا المبادرة بنفس الحماسة، وتساءلوا، حسب “هآرتس”، اذا كانوا قد صوتوا لصالح القائمة “لانشاء جمعية للعراة هنا”.

في العام 1988 ترشح الحزب من جديد للكنيست. وقال ميعاري في اعلان حملته الانتخابية: “هذه قريتي، أنا ولدت هنا وعائلتي عاشت هنا لاجيال”. وقد التقطت له صورة الى جانب اشجار الصبار في المكان الذي كانت توجد فيه قرية البروة في شرق عكا حتى العام 1948، عندما استولى عليها الجيش الاسرائيلي في حرب الاستقلال. وقال ميعاري: “كان عمري ثماني سنوات عندما تم طردنا من القرية واصبحنا لاجئين في وطننا”. المذيع قدمه بالقول “شخص فخور، ابن الوطن، ناضل من اجل شعبه”. وجاء في البيان ايضا “عرف الاهانة وعانى من الاعتقال وتم تقييد حركته، لكنه لم ينكسر ولم يلين ولم يستسلم للكراهية”. واستمر البث بتقديم زميله بيلد، وجاء في البيان عنه: “شخص مناضل، احد قادة البلماخ، جنرال في الجيش الاسرائيلي وعضو في هيئة الاركان العامة”، مع صورة له بالزي العسكري خلفه، والى جانبه صورة رئيس الحكومة دافيد بن غوريون. واوضح البيان مفسرا تحوله: “وفاء لمبادئه انفصل عن المؤسسة الاسرائيلية وانضم للنضال من اجل السلام”. وقال بيلد: “الحوار بين اليهود والعرب في اسرائيل، وبين اسرائيل والشعب الفلسطيني والشعوب العربية الاخرى أمر مهم جدا، لانه بدون هذا الحوار أنا لا أرى أي مستقبل لدولة اسرائيل”.

وقال المذبع، لقد تعاون بيلد وميعاري ورفعا راية النضال المشترك، كل واحد منهما متجذر في شعبه، ويسيران معا نحو السلام والمساواة. وفي مقطع آخر في الاعلان تحدث حاييم هنغبي، عضو آخر في القائمة، واوضح بقوله “لا يمكن حل أي مشكلة ثقافية او اجتماعية في داخل اسرائيل بدون حل القضية الفلسطينية، الذي يعني اقامة دولة فلسطينية الى جانب دولة اسرائيل”. بدأ الاعلان برموز السلام: حمامة بيضاء ومصافحة حارة وقوس قزح ملون.

في اعلان انتخابي آخر للقائمة بدأ بعبارات مسيئة وجهها نشطاء من اليمين لاعضائها، حيث هتفوا “ارحلوا، يا م.ت.ف، ارحلوا أيها الخونة”. وصرحت عضوة الكنيست غيؤولا كوهين من حزب النهضة: “هذا حزب يحصل على الاوامر مباشرة من م.ت.ف، من عرفات، لا شك في ذلك”. لم يسلم بيلد، الذي ظهر في الاعلان من الانتقادات، فوصل كوهين بالمجنونة وقال ان دعايتها سخيفة.

ومن الشخصيات الاخرى التي ظهرت في الاعلان الانتخابي للحزب المخرج ايال سيفان، الذي اعلن فيه بانضمامه للقائمة التقدمية للسلام لحل ما وصفه بـ “المشكلة الاسرائيلية التداولة في الاخبار: السلام الاسرائيلي – الفلسطيني”. واوضح سيفان للناخبين المحتملين بان “الشراكة بين اليهود والعرب المستقلين في مواقفهم والذين توحدوا من اجل السلام تمنحني الشعور بالامان. فرغم الخلافات وصعوبة النقاشات، الا انهم يسيرون معا، وهذا يعني امكانية تحقيق السلام. اضافة الى ذلك، المباديء التي يتبنوها واضحة ومباشرة، خلافا للاحزاب التي تتلعثم بالكلام”.

في هذا الاسبوع، بعد مرور 38 سنة، قال سيفان لـ “هآرتس”: “كان عمري 24 سنة في حينه، لكن أنا لا اعتقد ان موقفي السياسي تغير. اذا كان هناك أي تغيير فهو ازديادة شدة مواقفي المناهضة للصهيونية. الآن لن اشارك في اي حملة انتخابية لأي حزب في اسرائيل. لقد خاب املي في امكانية التاثير على المجتمع الاسرائيلي في الداخل. مع ذلك انا غير متاكد من ان التغيير قد حصل لي شخصيا. فمنذ ان اصبحت اسرائيل والمجتمع الاسرائيلي اليهودي اكثر فاشية اصبحت مواقفي تميل اكثر لليسار”. في انتخابات 1988 دافعت المحكمة العليا من جديد عن القائمة ورفضت التماس ضد عدم استبعادها من قبل لجنة الانتخابات. هذه المرة انتخب ميعاري للكنيست بشكل مستقل، وبسبب ازدياد شدة مواقفه انسحب الاعضاء اليهود من الحزب. ووصل الخلاف مع الاعضاء اليهود الذروة في فترة حرب الخليج في 1991، عندما اعرب ميعاري عن دعم الرئيس العراقي صدام حسين. وقال ميعاري لصحيفة “حداشوت”: “أنا ضد تدمير العراق وضد العدوان الامريكي. لست من الذين يرقضون على الاسطح، ولست رادار يوجه الصواريخ نحو تل ابيب، لكن أنا أتفهم من يفعل ذلك. هم مضطهدون ويفرغون ضغط 23 سنة من الاحتلال”.



ردا على هذه الاقوال كتب هنغبي له في رسالة وداع:


“حقيقة اختيار كل واحد منا طرف مختلف في حرب الخليج تلزمني باستخلاص كل الدروس، والا فاني اكون قد خنت ضميري. هذا انسحاب كامل من هيكل حزبي يدعم الطاغية والاستبداد، اللذين آمل بشدة هزيمتهما”. ميعاري رد على اعلان الانسحاب بقوله: “ليغفر الله له”.

 

لم يستمر الحزب لفترة طويلة.

ففي العام 1992 لم يتجاوز نسبة الحسم وانتهى نشاطه، خلافا لحزب الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة (حداش)، الذي ما زال قائما. ما زالت اعلانات حداش الانتخابية عالقة في العقول حتى بعد مرور سنوات. ففي العام 1988 ظهر الممثل محمد بكري في واحد منها واقتبس بياليك: “هل تعتقدون انني لا افهم اللغة العبرية؟ من يقول ترانسفير لا يخيفني. هل أبدو لكم انسان أو مشكلة ديمغرافية فقط؟”. في العام 1992 نشرت حداش اعلان انتخابي بعنوان “الخفة التي لا تطاق”، ظهر فيه يهودي يعيش في عزلة في اسرائيل، ويعلن “أنا انسان حر، يهودي حر في ارضي الحرة”. وعلى انغام ترنيمة “نور، نور، نور”. هو لا ينفعل من كونه مجبر على ارتداء سترة واقية وخوذة والتسلح بقنابل وصواريخ عندما يريد الخروج من البيت، الى أن ينهار.

 

في 2022 رافق الحملة الانتخابية لحداش شعار “اليهود والعرب يرفضون ان يكونوا اعداء”.

في انتخابات 2026، يوجد امام من يؤيدون الشراكة بين العرب واليهود عدة خيارات. فاذا الى جانب حزب حداش المخضرم، يخوض حزب جديد الانتخابات، حزب “مكان للجميع”، وهو حزب يهودي – عربي برئاسة رولا داود والون ليغرين. وينص برنامجه الانتخابي على “هذا المكان هو وطننا جميعا، يهود وعرب، الذين يحبون هذه البلاد ويرفضون التخلي عنها ويؤمنون بان فيها مكان للجميع”. يأتي يوآف سيغلوفيتش في المكان الثاني بعد منصور عباس في حزب “راعم”.

يقدم حزب “معك يا اسرائيل” الجديد الذي اسسه عوفر فنتر ويوسف حداد شراكة يهودية – عربية، لكن من نوع مختلف. ففي حملتهما الانتخابية في الوسط العربي يؤكد المرشحان على انهما لا يستهدفان هوية الفلسطينيين الانتخابية، بل الذين يعتبرون انفسهم اسرائيليون وطنيون. وكتب حداد مؤخرا في الفيس بوك: “لقد حان الوقت للعرب الاسرائيليين، الفخورين بعربيتهم واسرائيليتهم أن يكون لهم وطن سياسي! لقد حان الوقت ليكون في الكنيست ممثلون عرب لا يعملون من اجل قطاع غزة وجنين ورام الله، بل من اجل الناصرة وشفا عمر ورهط. سنثبت ان كل من يريد ان يكون جزء من هذه البلاد ويحبها، هو جزء لا يتجزأ من المجتمع الاسرائيلي، بغض النظر عن الاصل والدين. اما الذي يروج للانفصال والاضرار بالبلاد من الداخل، فسنرسله الى مزبلة التاريخ”


 

https://t.me/wakalanewsOfficial

 

https://www.facebook.com/wakalanewsPage

wakalanews.com — متابعة الخبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى