الرياض تحت النار: مأزق محمد بن سلمان

الرياض تحت
ليست أخطر ما في الصواريخ التي يطلقها أنصار الله أنها تصل إلى الرياض، بل أنها تضرب المعادلة التي يقوم عليها مشروع محمد بن سلمان: أمنٌ يجذب الاستثمار، واستقرارٌ يصنع النفوذ، واقتصادٌ يسعى إلى التحرر من الارتهان للنفط. فعندما يتحول المطار الدولي إلى هدف متكرر، لا تعود المسألة مجرد إخفاق دفاعي، بل تصبح اختباراً لقدرة الدولة على حماية النموذج الذي تريد تقديمه للعالم.
الهجمات التي استهدفت مطار الملك خالد الدولي في أكتوبر 2026، وأوقعت قتلى ومئات المصابين وفق التقارير الواردة، أعادت الحرب اليمنية إلى قلب الأمن السعودي. والأخطر أنها جاءت في توقيت تسعى فيه الرياض إلى ترسيخ موقعها مركزاً عالمياً للأعمال والاستثمار، ما يجعل التداعيات تتجاوز الخسائر المباشرة إلى الثقة بقدرة المملكة على ضمان الاستقرار.
تكشف التطورات الميدانية فجوة بين الأهداف العسكرية المباشرة والغاية الاستراتيجية النهائية. فاستعادة المناطق التي خسرها حلفاء الرياض لا تعني بالضرورة إنهاء قدرة أنصار الله على تهديد الأراضي السعودية، كما أن توسيع العمليات لا يضمن تفكيك قدراتهم الصاروخية والمسيّرة. وهنا تتحدد المعضلة: هل تسعى الرياض إلى استعادة مواقع جغرافية، أم فرض معادلة ردع جديدة، أم الوصول إلى تسوية تعيد تشكيل ميزان القوى في اليمن؟
هذه الأهداف متداخلة، لكنها ليست متطابقة. فالتقدم الميداني المحدود قد يعزز الموقف التفاوضي من دون أن ينهي التهديد، بينما قد يفضي التصعيد المفتوح إلى استنزاف طويل لا تتناسب كلفته مع نتائجه. وتجربة الحرب الممتدة منذ عام 2015 تؤكد أن التفوق المالي والتقني لا يتحول تلقائياً إلى حسم سياسي، وأن امتلاك أدوات الحرب لا يعني بالضرورة امتلاك شروط إنهائها.
لكن الضغط الأكثر حساسية لا يتوقف عند خطوط المواجهة؛ إنه يمتد إلى الاقتصاد الذي يشكل جوهر طموحات الرياض. فالمطار ليس منشأة للنقل فحسب، بل بوابة إلى مركز الأعمال والسياحة الذي تسعى المملكة إلى بنائه. وعندما تصبح المخاطر الأمنية عاملاً في حسابات المستثمرين وشركات الطيران والمؤسسات الدولية، يتحول التهديد العسكري إلى كلفة استراتيجية تمس صورة الدولة وقدرتها على استقطاب رؤوس الأموال.
وتكشف الهجمات، بالتزامن مع الاستعدادات لمؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» في 26 أكتوبر، التناقض بين تسويق المملكة بوصفها وجهة عالمية وبين المخاطر التي تطال منشآتها الحيوية. فالسعودية مطالبة بحماية بنية اقتصادية واسعة، فيما يستطيع أنصار الله، بإمكانات أقل، إحداث أثر يتجاوز حجم الموارد المستخدمة في الهجوم، عبر استهداف نقاط حساسة في منظومة الأمن والحركة والاتصال. وهذه هي معادلة الاستنزاف: ليس ضرورياً أن يهزم الخصم خصمه عسكرياً كي يرفع كلفة مشروعه الاقتصادي والاستراتيجي.
أمام هذا الواقع، لا يضمن توسيع العمليات العسكرية إنهاء التهديد، فيما قد يمنح التفاوض تحت ضغط الهجمات أنصار الله مكاسب سياسية واقتصادية تعزز اعتقادهم بفاعلية هذا الأسلوب. ويزداد التعقيد مع ارتباط المواجهة بحسابات إقليمية ودور الولايات المتحدة في التعامل مع إيران. لذلك، لا يكمن التحدي في الاختيار المبسط بين الحرب والتفاوض، بل في تحديد هدف سياسي قابل للتحقق، وربط التصعيد بمخرج واضح، وأي تسوية بضمانات تمنع إعادة إنتاج التهديد.
في المحصلة، لا تُقاس المعضلة السعودية بقدرتها على استعادة الأرض وحدها، بل بقدرتها على منع تحول الأمن إلى كلفة دائمة على الاقتصاد والطموح الدولي. فاعتراض الصواريخ ضرورة، واستعادة المواقع قد تكون خطوة عسكرية، لكن أياً منهما لا يشكل استراتيجية مكتملة من دون تسوية مستدامة ومعادلة ردع قابلة للحياة. والسؤال الذي يواجه الرياض ليس كيف تربح الجولة المقبلة فحسب، بل كيف تمنع الجولة التالية من أن تصبح جزءاً دائماً من معادلة الأمن والاستثمار.
هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة رأي الموقع
المصدر الأصلي: alkhanadeq.com





