“درع أخيل”: كيف تحوّلت اليونان إلى ساحة اختبار للصادرات العسكرية الإسرائيلية؟
وقّعت وزارتا الدفاع الإسرائيلية واليونانية في 31 آب 2026 صفقة عسكرية بقيمة تقارب ثلاثة مليارات يورو، أي أكثر من عشرة مليارات شيكل، لإقامة منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات في اليونان تجمع بين وسائل الكشف والاعتراض والقيادة والسيطرة لمواجهة الصواريخ والطائرات والمسيّرات. وحملت الصفقة اسم “درع أخيل”، في إحالة إلى أحد أبطال الأساطير اليونانية، بما يختزل دلالة الحماية ويعكس هدفها المركزي في تحصين الدفاعات الجوية اليونانية. ووصفت وزارة الدفاع الإسرائيلية الاتفاق بأنه أكبر صفقة تصدير دفاعي في تاريخ العلاقات بين البلدين، ومن أكبر الصفقات في تاريخ “إسرائيل” عمومًا، فيما تعوّل أثينا عليها لتحديث دفاعاتها وحماية جزرها ومواقعها الحيوية في مواجهة القدرات الصاروخية والمسيّرات التركية.
من شراكة محدودة إلى منظومة دفاعية متكاملة
يعود التعاون العسكري المؤسسي بين الدولتين إلى العام 1994، حين وقّعتا اتفاقًا شمل التدريبات المشتركة في شرق المتوسط وتبادل تدريب الضباط والتعاون في الصناعات الدفاعية، إلا أن العلاقة ظلت محدودة خلال التسعينيات في ظل الشراكة الوثيقة التي كانت تربط “إسرائيل” بتركيا آنذاك. وبدأ مسار التوسع يتبلور مع مناورة “Glorious Spartan” الجوية المشتركة عام 2008، ثم تسارع بعد تدهور العلاقات الإسرائيلية التركية عام 2010، مدفوعًا بثلاثة عوامل متداخلة: تراجع العلاقة مع أنقرة الذي دفع إسرائيل إلى البحث عن شركاء ومساحات تدريب جديدة في شرق المتوسط، والأهمية العملياتية لليونان بمجالها الجوي وتنوّع تضاريسها الملائمة للطيران بعيد المدى، إضافة إلى اكتشافات الغاز التي عززت التنسيق بين “إسرائيل” واليونان وقبرص في مجالي الطاقة والأمن. ووصفت أثينا عام 2011 تطوير علاقاتها العسكرية مع إسرائيل بأنه “خيار استراتيجي”، قبل أن تعيّن إسرائيل ملحقًا عسكريًا مقيمًا فيها عام 2014، ويوقّع الطرفان عام 2015 اتفاقًا ينظم تبادل وجود قواتهما خلال التدريبات المشتركة. ومنذ 2021 توسعت الشراكة لتشمل تحديث تدريب الطيارين اليونانيين عبر صفقة بلغت 1.65 مليار دولار تتولى بموجبها “إلبيت سيستمز” توفير طائرات التدريب وصيانتها لعشرين عامًا، تلتها صفقة صواريخ “سبايك” بنحو 370 مليون يورو عام 2023، ومنظومات المدفعية الصاروخية “PULS” بنحو 650 مليون يورو في نيسان 2026.
وامتدت مفاوضات صفقة “درع أخيل” نحو ثلاث سنوات، بدءًا من عرض “رفائيل” منظومة “سبايدر” على سلاح الجو اليوناني في نيسان 2024، مرورًا بإحالة هيئة الأركان طلبات عروض لمنظومتي “باراك MX” و”سبايدر” في تشرين الثاني من العام نفسه بقيمة قُدّرت حينها بملياري يورو، وصولًا إلى إقرار مجلس الأمن القومي اليوناني عقود الشراء في 23 تموز 2026 بقيمة قاربت 3.5 مليارات يورو قبل أن تستقر الصفقة النهائية عند نحو ثلاثة مليارات. وتقوم المنظومة على خمسة مكونات متكاملة: “مقلاع داود” من “رفائيل” ليشكل الطبقة العليا لاعتراض الصواريخ الباليستية، و”باراك MX” من الصناعات الجوية الإسرائيلية ليوفر الطبقة الوسطى بصواريخ اعتراضية متعددة المديات تصل إلى 150 كيلومترًا، و”سبايدر” المتنقلة لتوفير الطبقة الدفاعية المنخفضة، إلى جانب رادارات “MMR” لكشف الأهداف الجوية والقذائف، ومنظومة قيادة وسيطرة تطورها “رفائيل” لربط بيانات الكشف بوسائل الاعتراض. وستُدمج هذه الشبكة بمنظومات “باتريوت” اليونانية القائمة عبر قدرات ذكاء اصطناعي تساعد على اختيار وسيلة الاعتراض الأنسب لكلفة التهديد، لا سيما في مواجهة أسراب المسيّرات الرخيصة. كما وقّع الطرفان اتفاقًا مكملًا بقيمة 26 مليون يورو لتوريد منظومات “درون دوم” لحماية المواقع الاستراتيجية، على أن تتولى الشركات الإسرائيلية أعمال التوريد والتطوير كمقاولين من الباطن ضمن اتفاق حكومي بين الوزارتين، يشمل نقل المعرفة والتكنولوجيا وإشراك نحو اثنتي عشرة شركة يونانية بأعمال تتجاوز 700 مليون يورو، أي ما يقارب ربع قيمة المشروع، على أن يستغرق التنفيذ نحو خمسة وثلاثين شهرًا.
حسابات الأطراف وأبعادها الإقليمية
قدّمت القيادة الإسرائيلية الصفقة بوصفها امتدادًا لشراكتها مع اليونان وقبرص، إذ ربطها رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بتعزيز التحالفات الإقليمية والثقة بالصادرات الدفاعية، بينما تحدث وزير الدفاع يسرائيل كاتس عن مصالح استراتيجية مشتركة في مواجهة جهات تسعى إلى زعزعة استقرار المنطقة. وربط مسؤولون في وزارة الدفاع الاتفاق باستراتيجية أوسع تستخدم الصادرات العسكرية لتقوية الصناعة والاقتصاد وتوسيع الإنتاج وتجديد المخزونات لخدمة احتياجات الجيش الإسرائيلي نفسه، فيما رأى كتّاب إسرائيليون في اختيار دولة عضو في حلف الناتو للمنظومات الإسرائيلية مكسبًا سياسيًا يوازن الضغوط الدولية التي تواجهها إسرائيل، واضعين الصفقة إلى جانب صفقات مماثلة مع ألمانيا وفنلندا كدليل على أن المصالح الأمنية الأوروبية تتجاوز دعوات المقاطعة السياسية والأكاديمية والثقافية.
أما أثينا فربطت الصفقة بحاجتها إلى حماية جزرها وقواعدها من احتمال ضربات افتتاحية في أي مواجهة، وتأمين نقل التعزيزات إليها من البر اليوناني. وبرر رئيس الحكومة كيرياكوس ميتسوتاكيس اللجوء إلى إسرائيل بسرعة التوريد، مقارنًا ذلك بحاجة شراء بطاريات “باتريوت” جديدة إلى أربع أو خمس سنوات بسبب قيود الإنتاج الأوروبي المحدود، فيما تندرج الصفقة ضمن برنامج أوسع لتحديث القوات اليونانية بمقاتلات وسفن ومنظومات من مصادر متعددة، مع تركيز خاص خلال المفاوضات على قدرة اليونان مستقبلًا على صيانة المنظومات والوصول إلى شيفرتها المصدرية دون حسم هذا الحق نهائيًا.
وربطت التغطيات الإسرائيلية المشروع بالخلافات اليونانية التركية حول الجزر والمجالات البحرية وتنامي الصناعات العسكرية التركية، معتبرة القدرات الجديدة وسيلة لتعزيز الردع اليوناني أمام الصواريخ الباليستية والمسيّرات الهجومية التي تطورها أنقرة. وأشار باحثون إسرائيليون إلى أن تركيا تنظر تقليديًا إلى اليونان وقبرص باعتبارهما تهديدًا لأمنها القومي، وأنها تعدّ التقارب الإسرائيلي اليوناني القبرصي خطوة استفزازية. ويتقاطع هذا التنافس مع مصالح الطاقة في شرق المتوسط، من مشروع الربط الكهربائي الثلاثي وخط غاز “إيست ميد” إلى الممر الاقتصادي بين الهند وأوروبا، إضافة إلى التحركات التركية في ليبيا وملف ترسيم الحدود البحرية مع سورية. وبذلك تندرج صفقة “درع أخيل” ضمن تنافس أوسع على التوازنات الإقليمية، قد تمهد لمشتريات يونانية إضافية ولمساعٍ إسرائيلية لتصدير منظومات مماثلة إلى ست دول أخرى، أربع منها أوروبية، في ظل تزايد الاهتمام بهذه القدرات بعد ما أظهرته الحرب الأوكرانية من قدرة المسيّرات الرخيصة على إلحاق أضرار كبيرة.
المصدر الأصلي: alkhanadeq.com




