عاجل عاجل | التفاهم الإيراني - الأميركي: 5 فخاخ على طريق التنفيذ
العرب والعالم

حملة تحريض ضدّ ريما حسن: محبّو إسرائيل يخشون الصوت الفلسطيني

أثارت زيارة ريما حسن إلى القصر الفيدرالي في بيرن، جدلاً سياسياً واسعاً، كاشفةً حجم قلق أصدقاء إسرائيل في أوروبا من حضور الصوت الفلسطيني داخل المؤسّسات التمثيلية، ومن اتّساع دائرة التضامن مع الفلسطينيين في الغرب.

لندن | أثارت زيارة النائبة الأوروبية الفرنسية من أصل فلسطيني، ريما حسن، إلى القصر الفيدرالي السويسري – مقرّ البرلمان والحكومة الفيدرالية – في بيرن منتصف حزيران الحالي، جدلاً سياسياً واسعاً، ما زال يتفاعل داخل الأوساط الحزبية والإعلامية في سويسرا. وجاءت الزيارة، التي خُصّصت لبحث الوضع الإنساني في غزة، ونهج تجريم التضامن مع الفلسطينيين، ودور البرلمانات الأوروبية في حماية العمل الحقوقي، بدعوة من عضو مجلس الولايات السويسري، كارلو سوماروغا، رئيس «مجموعة الصداقة البرلمانية السويسرية – الفلسطينية». ورافق حسن ريمي باغاني، رئيس بلدية جنيف السابق، المعروف بمشاركته في مبادرات تضامنية مع غزة، إلى جانب ناشطين سويسريين شاركوا في أساطيل بحرية حاولت كسر الحصار المفروض على القطاع.

ومنذ الإعلان عن الزيارة، انتقدت أحزاب يمينية ومحافظة، إلى جانب جماعات مؤيّدة لإسرائيل، استقبال النائبة الأوروبية داخل القصر الفيدرالي. ورأت هذه الأطراف في دعوة عضو البرلمان الأوروبي عن حزب «فرنسا الأبية» اليساري خطوة استفزازية، مستندةً إلى مواقف حسن الصريحة من السياسات الإسرائيلية، وإلى الإجراءات القضائية التي تواجهها في فرنسا على خلفية منشورات وتصريحات مرتبطة بالقضية الفلسطينية. أمّا منظّمو اللقاء، فقد قدّموا الزيارة باعتبارها فرصة للاستماع إلى نائبة أوروبية مُنتخَبة وحقوقية فلسطينية الأصل، تنخرط منذ سنوات في الدفاع عن قضايا اللجوء وفلسطين والقانون الدولي. ودافع سوماروغا عن الدعوة، مشدّداً على الصفة التمثيلية لحسن كعضو في البرلمان الأوروبي، ومؤكداً أن النقاش مع صوت فلسطيني – أوروبي في هذه اللحظة يندرج في صميم العمل البرلماني، خصوصاً مع اتّساع الفجوة بين مواقف قطاعات واسعة من الرأي العام الأوروبي وبين الحكومات المتردّدة في اتّخاذ خطوات أكثر صرامة تجاه الحرب الإسرائيلية على غزة. ويعكس هذا الجدل معركة سياسية أوسع في القارّة الأوروبية؛ فالنائبة الفرنسية صارت رمزاً لجيل جديد من الأوروبيين ذوي الجذور المهاجرة، الذين يتأهّلون إلى المؤسّسات التمثيلية الأوروبية، لكنهم يحتفظون بلغة الحركة الحقوقية والشارع والذاكرة.

وُلدت حسن عام 1992 في مخيم النيرب للاجئين الفلسطينيين قرب حلب في سوريا، ثمّ انتقلت لاحقاً إلى فرنسا، حيث حصلت على الجنسية الفرنسية بعد سنوات من انعدام الجنسية. درست القانون الدولي في جامعة «بانتيون-سوربون»، وعملت في مجال قضايا اللجوء، ثمّ أسّست عام 2019 «مرصد مخيمات اللاجئين»، حيث اشتغلت على جمع بيانات ومعلومات ميدانية حول أوضاع اللاجئين في مناطق مختلفة من العالم. ومن شأن هذه الخلفية أن تمنح خطابها وزناً يتجاوز التضامن العام؛ فهي تتحدّث عن اللجوء بوصفه تجربة شخصية ومعرفة قانونية في آنٍ واحد، وعن فلسطين بوصفها قضية سياسية وذاكرة عائلية وجماعية. في انتخابات البرلمان الأوروبي عام 2024، ترشّحت وفازت على قائمة حزب «فرنسا الأبية»، لتصبح من أبرز الوجوه الأوروبية – الفلسطينية في السياسة الأوروبية. ومنذ ذلك الحين، ركّزت نشاطها على غزة، وحقوق الفلسطينيين، واللاجئين، واتفاقات الاتحاد الأوروبي مع إسرائيل، والدعوة إلى مُساءلة أوسع للسياسات الإسرائيلية ضمن إطار القانون الدولي.

تحرص حسن على ارتداء الكوفية الفلسطينية في المحافل العامّة والبرلمانية، متّخذةً منها علامة على الهوية. لكنّ ارتداءها إيّاها داخل البرلمان الأوروبي أثار خلافاً، واستدعى دعوات لها إلى نزعها قبل إلقاء كلمة في جلسة مفتوحة، وهو ما اعتبرته تقييداً لحقّها في حمل رمز وطني فلسطيني داخل مؤسّسة تمثّل شعوب أوروبا. أمّا زيارتها الأحدث إلى العاصمة السويسرية، فأتت في وقت تواجه فيه سلسلة من الإجراءات القضائية والإعلامية في فرنسا؛ ففي نيسان 2026، أُوقفت لفترة قصيرة على خلفية منشور على منصة «إكس» يتعلّق بكوزو أوكاموتو، أحد منفّذي هجوم مطار اللد عام 1972، ثمّ أُعلن مثولها أمام المحكمة في 7 تموز بتهمة «تمجيد الإرهاب عبر الإنترنت». وتنفي حسن الطابع الجنائي لمواقفها، وتموضع هذه الإجراءات في إطار مناخ أوسع يستهدف إسكات الأصوات المؤيّدة لفلسطين. كذلك، تعرّضت النائبة لحملة إعلامية على خلفية تسريبات تحدّثت عن العثور على مواد مُخدِّرة في حوزتها أثناء توقيفها، قبل أن تُسقِط النيابة العامة في باريس لاحقاً التحقيق المتعلّق بتلك القضية، بفعل انتفاء الأساس الكافي للاستمرار فيه.

في بداياتها، قُدّمت حسن في بعض الأوساط الفرنسية كنموذج للمهاجرة الناجحة: شابّة، وحقوقية، ومتمكّنة من القانون الدولي، وقادرة على مخاطبة المؤسّسات بلغتها. غير أن هذا الاحتفاء تبدَّل سريعاً بعد اندلاع حرب غزة واتّخاذ النائبة مواقف واضحة ضدّ السياسات الإسرائيلية، ليغدو كلّ عنصر في سيرتها موضع اشتباه: أصلها الفلسطيني، وخبرتها الحقوقية، وصوتها الإعلامي، وحضورها بين الشباب، ناهيك عن انتمائها إلى حزب يساري جذري. يرى مدافعون عنها أن ما تتعرّض له يتجاوز الخلاف السياسي المشروع، ويدخل في دائرة أوسع من الإسلاموفوبيا والعنصرية السياسية وتجريم التضامن مع فلسطين والفلسطينيين، تتعدّد الأطراف الفاعلة فيها من اليمين المتطرف، إلى الدوائر المؤيّدة لإسرائيل، وقطاعات من الإعلام المحافظ، كما أطراف سياسية ترى في صعود حزب «فرنسا الأبية» خطراً على توازنات الداخل الفرنسي. وفي المقابل، يرتبط صعود حسن بجيل شاب في أوروبا تابع وقائع حرب الإبادة في غزة مباشرة، وقرأ تقارير المنظّمات الحقوقية، ورأى ازدواجية المعايير في العقوبات والمواقف، وما فتئ يستخدم وسائل التواصل لكسر احتكار الإعلام التقليدي للسردية. ومن هنا، لا يبدو مُستغرَباً تصنيف مجلّة «بوليتيكو»، النائبة، ضمن الشخصيات الأكثر تأثيراً في أوروبا، في إشارة إلى حضورها المتزايد في النقاش العام، سواء لدى من يرون فيها صوتاً ضرورياً أو لدى من يعتبرونها شخصية مثيرة للجدل.

في لقاءاتها السويسرية، تحدّثت حسن عن غزة، وعن العمل الإنساني، وعن التضامن الدولي، وعن نمط سياسي آخذ في الاتّساع داخل أوروبا، عنوانه تحويل الدفاع عن الفلسطينيين إلى مادّة اشتباه، وملاحقة الناشطين قضائياً أو إعلامياً، وإلصاق تهم ثقيلة بكلّ من يطالب بوقف الحرب أو مُساءلة إسرائيل أو الاعتراف بحقوق الفلسطينيين. ومن هنا، جاء تركيز اللقاءات على مسألة تجريم التضامن الدولي، وعلى ضرورة حماية العمل المدني من الانتقائية السياسية. وإذ تنتظر حسن تالياً محطّاتٌ قضائية في فرنسا، وضغوط إعلامية مستمرّة، ومعارك سياسية داخل البرلمان الأوروبي وخارجه، فإن زيارتها إلى القصر الفيدرالي السويسري، التي مثّلت حلقة جديدة في مسار نضالها المستمرّ، نجحت في تثبيت الفكرة التي يحاول خصوم النائبة دفعها إلى الهامش: فلسطين صارت قضية حاضرة في قلب النقاش الأوروبي، والأصوات التي تحملها تواصل شقّ طريقها، مهما اشتدّت محاولات الحصار.

الكاتب سعيد محمد

26 حزيران 2026

المصدر: الاخبار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى