عاجل عاجل | إيران ستتقدم بشكوى للفيفا بشأن القيود المتكررة التي فرضتها الولايات المتحدة قبل مباراة بلجيكا
قضايا وآراء

إسرائيل والمناطق العازلة: بين العقيدة الأمنيّة وعقدة «الغيتو»

لم تعد المناطق العازلة في العقيدة الأمنيّة الإسرائيلية، خاصة بعد السابع من أكتوبر، مجرّد إجراء عسكري مؤقّت؛ فعلى امتداد أكثر من عقدين، أخذت هذه المناطق تتحوّل تدريجياً إلى أحد أكثر ملامح الجغرافيا السياسية الإسرائيلية ثباتاً. من جدار الفصل في الضفة الغربية الذي أطلقه آرييل شارون في عام 2002، إلى الحصار المفروض على قطاع غزة فالمنطقة العازلة لنسبة 60% التي يجري توسيعها داخله حتى اللحظة وسعي لتصل النسبة إلى 70%، مروراً بمشاريع ضمّ غور الأردن وبناء جدار جديد على الحدود الشرقية، ووصولاً إلى الأحزمة الأمنية التي يجري الحديث عنها في جنوب لبنان والمناطق العازلة التي تشكّلت داخل الأراضي السورية… تبدو الخريطة وكأنّها تعاد صياغتها وفق منطق واحد: خلق مسافات فاصلة دائمة بين الكيان ومحيطه.

عند النظر إلى كل واحدة من هذه السياسات على حدة، يمكن العثور دائماً على تبرير أمني مباشر لها، من وجهة نظره:
• جدار الضفة الغربية، جاء، وفق الرواية الإسرائيلية، لمنع العمليات المسلّحة، على الرغم من أنها محاولة للضم لكن باستنزاف وقضم.
• الحصار المفروض على غزة، ارتبط بمنع وصول السلاح إلى الفصائل الفلسطينية، والمنطقة العازلة تُقدَّم باعتبارها ضرورة لمنع تكرار هجمات 7 أكتوبر.
• السيطرة على غور الأردن، وترتبط، في الخطاب الإسرائيلي، بالحاجة إلى تأمين الحدود الشرقية عقب آلاف محاولات التهريب والتسلّل.
• وفي جنوب لبنان وسوريا، تُطرح المناطق الأمنيّة باعتبارها وسيلة لإبعاد التهديدات عن التجمّعات الاستيطانية الإسرائيلية.
غير أن تجميع هذه السياسات في إطار واحد يكشف نمطاً أوسع وأعمق من مجرّد ردود فعل على أخطار متفرقة. فالمسألة تتجاوز الأمن المباشر إلى إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة عبر شبكة متزايدة من الجدران والحواجز والمناطق العازلة والأحزمة الأمنيّة.

المشروع الصهيوني: الغيتو «عقيدة»

يثير الطرح أعلاه سؤالاً أساسياً، ومتكرّراً، ويجب تكراره: هل تمثّل هذه السياسات «مجرّد استجابة اضطرارية لبيئة إقليمية عدائية»، أم أنها تعكس توجّهاً أعمق متجذّراً في طبيعة المشروع نفسه؟ هنا رأى المفكّر الراحل، عبد الوهاب المسيري، أن المشكلة ترتبط ببنية المشروع الصهيوني ذاتها.

اعتبر المسيري أن إسرائيل نشأت كمشروع استيطاني إحلالي ارتبط منذ نشأته بوظيفة سياسية واستراتيجية تتجاوز حدود المكان الذي أُقيم فيه. ومن هذا المنظور، تصبح الجدران والمناطق العازلة جزءاً من آلية دائمة لتنظيم العلاقة مع المحيط. فكلّما تعمّق الاندماج تراجعت الحاجة إلى هذه الوظيفة، وكلّما تعاظمت الحاجة إلى الحفاظ على التمايز والانفصال، ازدادت أهمية الحواجز المادية والأمنيّة.
لهذا، فإن تفسير التوسّع المستمر في الجدران والأحزمة الأمنية باعتباره نتيجة مباشرة للتهديدات وحدها يبقى، بالسير في مزاعم هذه المقاربة، تفسيراً ناقصاً؛ لأن هذه السياسات تبدو مرتبطة أيضاً برؤية أوسع للعالم تقوم على إدارة المسافة مع المحيط أكثر مما تقوم على الاندماج فيه.

من هنا يكتسب مفهوم «الغيتو» دلالة تتجاوز معناه التاريخي التقليدي، كنموذج للعلاقة بين جماعة بشرية والعالم المحيط بها؛ علاقة تقوم على الجدران والعزل والخوف من الخارج.

تاريخياً، يشير مصطلح «الغيتو» إلى الأحياء التي كان يُجبر فيها المدنيون على السكن فيها داخل المدن… ولا يرتبط الأمر فقط باليهود وفق مزاعم المحرقة المُضخّمة. تُفصل الأحياء عن محيطها بأسوار وجدران عالية وأسلاك شائكة، وتخضع لحراسة مشدّدة، فيما تُقيّد حركة سكانها وتُعزل عن بقية المجتمع، تحت إشراف سلطات ومن دون سلطة حقيقية، وتخضع الحياة اليومية لرقابة صارمة.
لم يقتصر الغيتو، في تعريفات أكثر حداثة، على «التجربة اليهودية الأوروبية». وسّع «قاموس كامبريدج» دلالة المصطلح ليشمل أي منطقة معزولة أو مُهمّشة تتركز فيها أقليات أو جماعات سكانية معينة، وقد تكون نتاجاً للتمييز أو التفاوتات الاقتصادية أو السياسات الحكومية.

يكتسب المصطلح بعداً تفسيرياً جديداً في النقاشات المتعلّقة بالسياسات الإسرائيلية المعاصرة. فالقضية لم تعد تتعلّق بمكان مُغلق داخل مدينة، بل بظهور منظومات متكاملة من العزل الجغرافي والسيطرة الأمنيّة على امتداد مساحات واسعة من الإقليم.

الضفة الغربية: جدار الفصل

كانت أولى المحطات الكبرى في هذا المسار مع جدار الفصل في الضفة الغربية. ففي عام 2002 أطلق شارون مشروع الجدار الذي امتدّ مساره إلى نحو 670 كيلومتراً. وقد قُدّم المشروع بوصفه وسيلة لمنع العمليات المسلّحة من الضفة الغربية.
شكّل الجدار منشأة أمنية، وأداة لإعادة رسم الجغرافيا الفلسطينية. ومنها توغّل داخل الضفة الغربية، حتى أصبح الجدار أحد أبرز الرموز المادية لفكرة الفصل العنصري. ومع محاولات توسيع الجدار، رفعت إسرائيل من إجراءاتها؛ من بناء مستمر لجدران خرسانية إلى الضم وعزل القرى الفلسطينية.

كما شرع الجيش الإسرائيلي في عام 2025 في تنفيذ مشروع جدار فصل جديد في عمق منطقة الأغوار الشمالية، يُعرف إسرائيلياً بـ«الخيط القرمزي» (رمز ديني)، يمتدّ على طول 22 كيلومتراً وعرض 50 متراً، على بعد 12 كيلومتراً غرب الأردن، لعزل القرى الفلسطينية وقطع التواصل بينها وبين مناطق الرعي، بطريقة مشابهة لجدار الفصل في باقي الضفة الغربية المحتلة الممتدّ بمحاذاة الخط الأخضر، بحسب صحيفة «هآرتس».

واستناداً إلى وثيقة عسكرية إسرائيلية صادرة في أواخر آب 2025، عن قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي، اللواء آفي بلوط، فإن جدار الأغوار سيشمل طريقاً للدوريات العسكرية مع حاجز طبيعي وسواتر ترابية وقنوات، بعرض 10 أمتار ومساحة أمان 20 متراً على جانبيه، بذريعة حماية المستوطنين ومنع تهريب الأسلحة، باعتبار «الخيام والمنشآت والمباني الفلسطينية قرب المسار “نقاط ضعف عملياتية” تستوجب الإزالة».

وتكمل «هآرتس» أن مخطط الجدار الجديد المُصنّف بـ«المقطع ج» يُعدّ جزءاً من مشروع كامل لإقامة جدار فاصل بالأغوار على طول الحدود مع الأردن لفصل وعزل السكان الفلسطينيين في المنطقة، موضحة أن الجيش الإسرائيلي لم يقدّم بعد مخطّطاً متكاملاً لمساره، على الرغم من الطلبات المتكررة.

الأغوار: الجدار الشرقي للمشروع الإسرائيلي

إذا كانت غزة تمثّل النموذج الأكثر وضوحاً لسياسات الحصار والعزل، فإن غور الأردن يمثّل النموذج الأكثر استمرارية في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي. فمنذ الأيام الأولى التي أعقبت حرب يونيو 1967، لم يُنظر إلى الأغوار باعتبارها مجرّد منطقة حدودية أو شريط جغرافي يقع على أطراف الضفة الغربية، بل باعتبارها خط الدفاع الشرقي الذي يجب أن يبقى تحت السيطرة الإسرائيلية الدائمة، بغضّ النظر عن شكل التسويات السياسية المحتملة أو حدود الكيان الفلسطيني الذي جرى الحديث عنه في مراحل مختلفة.

تكمن أهمية غور الأردن في موقعه الجغرافي قبل أي شيء آخر. فالمنطقة تمتد على طول يقارب 120 كيلومتراً بمحاذاة نهر الأردن، ويراوح عرضها بين خمسة كيلومترات وخمسة وعشرين كيلومتراً، فيما تبلغ مساحتها نحو 2400 كيلومتر مربّع، أي ما يعادل ما يقارب 30% من المساحة الإجمالية للضفة الغربية. وإلى جانب موقعه بوصفه ممراً يربط فلسطين بالأردن والعالم العربي شرقاً، يمتلك الغور أهمية اقتصادية كبيرة نتيجة موارده المائية وأراضيه الزراعية الواسعة. ولهذا السبب لم يكن الصراع حوله يوماً مجرّد خلاف حدودي، بل كان جزءاً من الصراع على شكل الجغرافيا الفلسطينية نفسها.

بعد أشهر قليلة من انتهاء حرب 1967، طرح الوزير الإسرائيلي يغال آلون ما عُرف لاحقاً باسم «خطة آلون»، التي أصبحت واحداً من أكثر المشاريع تأثيراً في التفكير الإسرائيلي تجاه الضفة الغربية. لم تكن الخطة تقترح ضمّ الضفة الغربية كاملة، لكنها لم تكن تقبل أيضاً بقيام كيان فلسطيني متصل جغرافياً. فقد قامت فكرتها الأساسية على الاحتفاظ بغور الأردن والسفوح الشرقية للضفة الغربية تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة، مع منح الفلسطينيين نوعاً من الإدارة الذاتية داخل مناطق منفصلة لا تتجاوز نحو 40% من مساحة الضفة الغربية.
وبالنسبة إلى منتقدي الخطة، فإن أهميتها لا تكمن فقط في مضمونها السياسي، بل في المنطق الذي تستند إليه. فقد تعاملت مع الأرض الفلسطينية باعتبارها مجموعة من الوحدات التي يمكن فصلها عن بعضها وإعادة تنظيمها وفق الاعتبارات الأمنيّة الإسرائيلية. وبذلك وضعت الأساس المبكر لفكرة الكانتونات الفلسطينية المُحاطة بمناطق سيطرة إسرائيلية، وهي الفكرة التي ستعود بأشكال مختلفة خلال العقود اللاحقة.

ومع أن خطّة آلون لم تُطبّق بحذافيرها، فإن روحها بقيت حاضرة في السياسات اللاحقة. فقد تحوّلت الأغوار إلى واحدة من أكثر المناطق استهدافاً بالمشاريع الاستيطانية، وأصبحت السيطرة عليها محل إجماع واسع داخل قطاعات كبيرة من المؤسسة الأمنيّة والسياسية الإسرائيلية. وخلال السنوات التالية، لم يتوقّف الحديث عن ضرورة الاحتفاظ بها باعتبارها «الحاجز الأمني الشرقي» الذي يفصل إسرائيل عن محيطها العربي.

وفي السادس من كانون الثاني 2004، أعادت صحيفة «يديعوت أحرونوت» تسليط الضوء على هذا التوجّه عندما كشفت أن وزير الزراعة الإسرائيلي آنذاك يسرائيل كاتس يستعدّ لطرح خطّة جديدة لتوسيع الاستيطان في غور الأردن. وفي اليوم نفسه قام بجولة ميدانية في المنطقة للاطّلاع على مواقع التوسّع المُقترحة. لم تكن الخطة حدثاً منفصلاً، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من المشاريع التي تنظر إلى الأغوار باعتبارها مجالاً ينبغي تكريس السيطرة الإسرائيلية عليه بصورة متواصلة.

وبعد 15 عاماً تقريباً، عاد الملف إلى الواجهة بقوة أكبر. ففي العاشر من أيلول 2019، وقبل أيام قليلة من الانتخابات الإسرائيلية، أعلن بنيامين نتنياهو أن حكومته تعتزم ضمّ غور الأردن وشمال البحر الميت إذا حصل على تفويض جديد. وقد برّر خطوته بالحاجة إلى تأمين الحدود الشرقية، مؤكداً أنه تلقّى إشارات إيجابية من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. ورغم أن الضم لم يُنفّذ رسمياً بالشكل الذي أُعلن عنه آنذاك، فإن الفكرة نفسها بقيت حاضرة في الخطاب السياسي الإسرائيلي، وعادت للظهور في سياقات مختلفة خلال السنوات اللاحقة.
وفي السنوات الأخيرة، تطوّر النقاش خطوة إضافية مع طرح مشروع بناء جدار جديد على الحدود الأردنية يمتد عبر منطقة الأغوار. وقدّمت الخطة باعتبارها وسيلة لمنع تهريب الأسلحة والمقاتلين، لكنها حملت في الوقت نفسه بعداً سياسياً أعمق. فالجدار المقترح لا يفصل بين إسرائيل والأردن فقط، بل يكرّس عملياً تصوّراً للضفة الغربية يجعلها مُحاطة من الشرق بحاجز أمني دائم، تماماً كما تُحاط من جهات أخرى بالجدران والحواجز ونقاط التفتيش.

وبهذه الصورة، لم تعد الأغوار مجرد منطقة جغرافية ذات أهمية استراتيجية، بل أصبحت جزءاً من شبكة أوسع من الأحزمة الأمنيّة التي أخذت تتشكّل على امتداد المنطقة. فالفكرة التي بدأت بخطة آلون قبل أكثر من نصف قرن لم تعد تتعلّق فقط بالسيطرة على الأرض، بل بإعادة هندسة المجال الجغرافي نفسه عبر مناطق فاصلة وخطوط دفاع متعدّدة الطبقات. ومن هنا تبدو الأغوار حلقة مركزية في فهم التحوّل الأوسع الذي تشهده العقيدة الأمنيّة الإسرائيلية؛ انتقال تدريجي من إدارة الحدود إلى صناعة حدود جديدة، ومن الدفاع عن الجغرافيا إلى إعادة تشكيلها.
لكنّ الأغوار ليست سوى جزء من مشهد أكبر.

غزة: السجن الكبير

ظهرت التجربة الأكثر كثافة للعزل بكل أشكاله في قطاع غزة. فمنذ منتصف العقد الأول من الألفية الثانية، خضع القطاع لسيطرة مشدّدة على حدوده البرية والبحرية والجوية. وأحيط بمنظومة من الجدران الخرسانية والأسلاك الشائكة وأنظمة المراقبة الإلكترونية المتطورة، وصولاً إلى حساب السعرات الحرارية لكل شخص في القطاع. ومع اندلاع الحرب، انتقلت النقاشات الإسرائيلية من إدارة الحصار إلى إعادة تشكيل الجغرافيا نفسها.

أعلنت القيادة الإسرائيلية سعيها إلى إقامة منطقة عازلة إضافية داخل القطاع تضاف إلى الجدار الأمني القائم حوله منذ سنوات. كما أظهرت العمليات العسكرية وتدمير المناطق الحدودية اتجاهاً نحو توسيع المساحات الخالية من السكان على طول محيط غزة. ولم يتوقف الأمر عند المناطق العازلة التقليدي.

ظهرت خلال الحرب وما بعدها مقترحات تتحدّث عن «مدن إنسانية» داخل القطاع. تقوم هذه التصورات على تجميع أعداد كبيرة من السكان داخل مناطق محدّدة ومعزولة وخاضعة لرقابة أمنيّة وإدارية مشدّدة. وبينما تزعم إسرائيل أن هذه الخطط تهدف إلى حماية المدنيين وتسهيل إيصال المساعدات، إلا أنها تعيد إنتاج نموذج الجيوب السكانية المغلقة وتحدّ من حرية الحركة على نطاق واسع.
برز اسم رجل الأعمال الأميركي الإسرائيلي مردخاي كاهانا، مالك شركة «جي دي سي» للمقاولات العسكرية، التي ارتبط اسمها بخطط تتعلق بإدارة مرحلة ما بعد الحرب في غزة. وتشير التصوّرات التي نوقشت إلى إنشاء أحياء مُحاطة بالجدران تعتمد على تقنيات التعرف البيومتري إلى الوجوه، بحيث تُدار حركة السكان وتوزيع المساعدات عبر أنظمة رقابة متطوّرة. كما تتضمن الخطة مشاركة عناصر أمنيّين أميركيين وبريطانيين يمتلكون خبرة تمتد إلى 5 و20 عاماً في العراق وأفغانستان، إضافة إلى مسؤولين أمنيين إسرائيليين سابقين من «الموساد» ووحدة «اليمام».

وصف كاهانا رؤيته بأنها أقرب إلى «ميامي من دون ملعب غولف»، مليئة بالمساعدات والطعام والمدارس، لكن تحت إدارة أمنيّة صارمة؛ وهذا هو تفسير «الغيتو» الحديث حتى مع عدم تطبيق الفكرة فعلياً لما فيها من خسائر حقيقية على الكيان من جهة، والتكلفة الاقتصادية المرتفعة، إلا أنها تشكّل فكرة عن عقيدة إسرائيل العازلة لنفسها، ومحيطها، في بعد أمني، بل انتقامي.

حدود غزة: رفح وسيناء

لم تكن التحوّلات التي شهدتها الحدود المصرية مع قطاع غزة خلال الحرب أقل أهمية من التحوّلات التي جرت داخل القطاع نفسه. فبينما كانت الأنظار تتجه إلى العمليات العسكرية الدائرة داخل غزة، كانت منطقة الحدود الممتدة في شرقي سيناء تشهد بدورها عملية إعادة تنظيم أمنية واسعة النطاق، أثارت أسئلة حول طبيعة الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه المنطقة في أي ترتيبات مستقبلية مرتبطة بالقطاع وسكانه.

في 14 شباط 2024 نشرت مؤسسة «سيناء لحقوق الإنسان» تقريراً تحدّث عن أعمال بناء واسعة شرقي سيناء لإنشاء منطقة أمنيّة معزولة تمتد بين نقاط تقع جنوب مدينة رفح وحتى الحدود الدولية مع قطاع غزة. ووفقاً للتقرير، فإن المنطقة الجديدة تقع ضمن نطاق محصور يبدأ من قرية قوز أبو وعد جنوب رفح ويتجه شمالاً حتى البحر المتوسط، بالتوازي مع الحدود الفاصلة بين مصر وقطاع غزة.

وكان العنصر الأكثر لفتاً في هذه الأعمال هو إنشاء جدار إسمنتي يصل ارتفاعه إلى 7 أمتار، يمتد على طول المنطقة الحدودية الجديدة. ولم يقتصر الأمر على بناء الجدار نفسه، بل شمل إنشاء مساحة أمنيّة مُغلقة داخل نطاق سبق أن شهد خلال السنوات الماضية عمليات تهجير وإزالة واسعة للسكان المحليين في إطار الإجراءات الأمنيّة المصرية المرتبطة بالحرب شمال سيناء بعد عام 2013.

وتكتسب هذه التطورات أهمية إضافية إذا ما وُضعت في سياق الأفكار التي طُرحت خلال الحرب بشأن «المناطق الإنسانية» ومشاريع إعادة توزيع السكان داخل القطاع أو على أطرافه. فبينما كانت إسرائيل تناقش إنشاء مساحات مُغلقة ومُراقبة داخل غزة، كانت الحدود المصرية تشهد إنشاء منطقة أمنيّة جديدة مُحاطة بجدار ضخم في منطقة لا تبعد سوى أمتار قليلة عن القطاع المُحاصر، وأيضاً بقرار إسرائيلي.

بدت رفح وكأنها تتحوّل إلى نقطة التقاء بين رؤيتين أمنيتين مختلفتين في الشكل ومتقاربتين في النتيجة: الأولى تسعى إلى إعادة تنظيم السكان داخل غزة عبر مناطق عازلة ومراكز تجميع، والثانية تعيد تشكيل الحدود المحيطة بالقطاع عبر أحزمة أمنيّة ومناطق مُغلقة. وفي الحالتين، كانت الجغرافيا تخضع لعملية إعادة ترتيب واسعة فرضتها الحرب وتداعياتها.
لكن إذا كانت سيناء تمثّل الامتداد الجنوبي لهذه التحوّلات، فإن الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة شهدت بدورها مساراً أكثر وضوحاً في اتجاه بناء الأحزمة الأمنية.

جنوب لبنان: العودة إلى الليطاني

على امتداد العقود الماضية، ظل نهر الليطاني حاضراً في التفكير الأمني الإسرائيلي بوصفه أكثر من مجرد معلم جغرافي داخل الأراضي اللبنانية. فمنذ الاجتياحات الأولى للبنان، مروراً بتجربة «الشريط الأمني» التي استمرت بين عامي 1982 و2000، وصولاً إلى الحرب في عام 2026، ظل النهر يمثّل في المخيال العسكري الإسرائيلي خطاً دفاعياً مثالياً ينبغي أن يفصل بين إسرائيل وما تعتبره مصادر تهديد في الجنوب اللبناني، إضافة إلى أبعاد تلمودية، وطبيعية، وموارد مائية وغيرها.

في 4 آذار، أصدرت إسرائيل أوامر إلى جميع السكان الموجودين جنوب النهر بمغادرة المنطقة، في خطوة عكست طبيعة التصوّر الأمني الجديد الذي بدأ يتشكّل. ولم يكن الأمر يتعلق بقرى حدودية محدودة، بل بمنطقة واسعة تمثّل نحو 8% من مساحة لبنان الإجمالية، تمتد من الحدود اللبنانية-الفلسطينية المحتلة حتى النهر الذي يصبّ في البحر المتوسط على بعد نحو 30 كيلومتراً.

بالتوازي مع أوامر الإخلاء، شرعت القوات الإسرائيلية في إقامة تحصينات جديدة -مع وجود أكثر من 5 مواقع عقب حرب «سهام الشمال» عند البلدات الحدودية- داخل المناطق التي أخلاها سكانها. وقد برّرت إسرائيل هذه الإجراءات بكون المنطقة تمثّل قاعدة أساسية للأنشطة العسكرية المعادية، إلا أن التصريحات التي صدرت لاحقاً عن المسؤولين الإسرائيليين أظهرت أن الأمر يتجاوز مجرد التعامل مع تهديد آني أو ظرفي.

في الـ24 من آذار، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن الجيش دمّر خمسة جسور فوق نهر الليطاني، مؤكداً أن القوات ستسيطر على الجسور المتبقية وعلى المنطقة الأمنيّة الممتدّة حتى النهر. وفي اليوم نفسه، وصف المتحدّث باسم الجيش الإسرائيلي إيفي دوفرين الليطاني بأنه «الخط الأمني الشمالي»، موضحاً أن العمليات البرية تتوسّع لمنع أي تهديد مباشر للمستوطنات الإسرائيلية الشمالية.
في 25 آذار، قدّم بنيامين نتنياهو التعبير الأكثر وضوحاً عن هذه الرؤية عندما أعلن أن «إسرائيل تعمل على توسيع الشريط الأمني لمنع تهديد الأسلحة المضادة للدروع عن المستوطنات»، مضيفاً أن ما يجري عملياً هو «إنشاء منطقة عازلة أكبر».

تكشف هذه التصريحات عن تحوّل مهم في التفكير الأمني الإسرائيلي، إذ أصبح الهدف إنشاء فضاء جغرافي جديد يقع بين إسرائيل ومصادر «التهديد المحتملة»؛ أي إن الأمن لم يعد يرتبط بخط الحدود ذاته، بل بمسافة إضافية تفصل بين الحدود وبين الخصم.
وتزداد أهمية هذا التحوّل عند مقارنته بتجربة المنطقة الأمنيّة السابقة التي أقامتها إسرائيل في جنوب لبنان بين عامي 1985 و2000. في تلك المرحلة، ورغم الطابع العسكري للمنطقة، بقي السكان داخل قراهم وبلداتهم، وأُديرت المنطقة عبر قوى متحالفة مع إسرائيل، أبرزها جيش لحد (جيش لبنان الجنوبي). أمّا في التصوّرات المطروحة اليوم، فإن الحديث يدور عن مساحة واسعة يُراد لها أن تكون شبه خالية من السكان بعد عمليات تدمير وإخلاء واسعة النطاق، لإعادة تشكيل جزء كامل من الجغرافيا الجنوبية للبنان وفق متطلبات أمنيّة إسرائيلية.

في موازاة ذلك، ظهرت أصوات داخل النقاش الإسرائيلي ذهبت إلى أبعد من فكرة المنطقة العازلة نفسها، تمثّلت بقصف سد القرعون وتحويل المياه نحو مجرى النهر بدلاً من البحيرة الحالية، في طرح يعكس حجم التفكير الجيوسياسي الذي بات يرافق النقاش حول الجنوب اللبناني.

لم يتوقف التمدّد الأوسع لهذه السياسة عند لبنان. في سوريا، ومع التحوّلات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، بدأت تتشكّل منطقة عازلة جديدة تتجاوز في حجمها وأهميتها كثيراً كل ما سبقها، لتفتح فصلاً جديداً في تاريخ الأحزمة الأمنية الإسرائيلية في الشرق الأوسط.

سوريا: المنطقة العازلة تتمدّد

إذا كانت غزة تمثّل نموذج الحصار والعزل، والأغوار تمثّل الجدار الشرقي، وجنوب لبنان يمثّل عودة فكرة الشريط الأمني، فإن التطورات التي شهدتها سوريا منذ أواخر 2024 تكشف مرحلة مختلفة تماماً في مسار المناطق العازلة الإسرائيلية. فالمسألة هنا لم تعد مرتبطة بحدود قائمة أو مناطق «مُتنازع عليها» فحسب، بل بظهور واقع جغرافي جديد داخل دولة، تُعاد فيه صياغة الحدود الأمنيّة بصورة تتجاوز الترتيبات التي استمرت لعقود.

عقب وصول فصائل المعارضة إلى دمشق وسقوط النظام السوري، تحرّكت القوات الإسرائيلية بسرعة نحو المنطقة المنزوعة السلاح التي كانت قائمة منذ نحو 50 عاماً بموجب اتفاق فصل القوات الموقّع بعد حرب تشرين 1973. خلال ساعات قليلة، بدأت عملية برية واسعة النطاق أدّت إلى السيطرة على المنطقة المنزوعة السلاح والتقدّم إلى عمق مناطق إضافية في محافظتي القنيطرة ودرعا.
ولم تكن هذه التحركات محدودة النطاق. فبحسب المعطيات، جرى فرض السيطرة على مساحة تقارب 350 كيلومتراً مربّعاً من الأراضي السورية. وامتدّ هذا التوسّع من منطقة جبل الشيخ في أقصى الشمال وصولاً إلى أجزاء من حوض اليرموك جنوباً، ما أدّى عملياً إلى إنشاء حزام أمني جديد داخل الأراضي السورية يتجاوز بكثير الخطوط التي كانت قائمة قبل كانون الأول 2024.

لكن أهمية ما جرى لا ترتبط فقط بالتقدّم البري. ففي الساعات الـ48 الأولى التي تلت سقوط النظام السوري، شنّت الطائرات الإسرائيلية ما لا يقل عن 350 غارة جوية استهدفت مواقع ومنشآت عسكرية تابعة للجيش السوري السابق. ثم تواصلت الضربات خلال الأسابيع والأشهر اللاحقة، ليصل إجمالي عددها، وفق بعض التقديرات، إلى ما يقارب ألف غارة حتى نهاية 2025.

كان الهدف المُعلن لهذه العمليات منع وقوع الأسلحة والمنشآت العسكرية في أيدي جهات تعتبرها إسرائيل «معادية أو غير قابلة للتنبؤ». غير أن النتيجة الفعلية كانت أوسع بكثير من مجرّد تدمير قدرات عسكرية: أدّت الضربات المتواصلة، بالتوازي مع التوسّع البري، إلى فرض واقع أمني جديد على مساحة واسعة من الجنوب السوري.

خلالع عام 2025، وبعد تثبيت السيطرة على هذه المنطقة، شهدت المناطق السورية مئات التوغّلات البرية التي وثّقتها جهات متابعة للوضع الميداني. كما جرى إنشاء ما لا يقل عن 9 قواعد عسكرية جديدة داخل الأراضي السورية المحتلة.
في المراحل السابقة، كانت الأحزمة الأمنيّة تُطرح باعتبارها مناطق فاصلة مؤقّتة أو خطوط دفاع متقدّمة. أمّا في الحالة السورية، فإن الأمر يبدو أقرب إلى إعادة إنتاج نموذج المنطقة الأمنيّة الطويلة الأمد داخل مساحة جغرافية واسعة نسبياً، مدعومة ببنية عسكرية دائمة تشمل قواعد، ونقاط تمركز، وتحرّكات برية مستمرة.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى المناطق العازلة الممتدة من غزة إلى جنوب سوريا باعتبارها أجزاء من خريطة واحدة. إنها رؤية تقوم على إنتاج مسافات فاصلة بصورة مستمرة. وكلّما ظهر تهديد جديد، يُضاف حزام أمني جديد. وكلّما تغيّرت موازين القوى في الإقليم، تُرسم منطقة عازلة جديدة. ومع مرور الوقت، تتراكم هذه الأحزمة والجدران والمناطق الأمنيّة لتشكّل جغرافيا كاملة من الفصل والعزل والتحصين.

هنا يعود مفهوم «الغيتو» إلى الواجهة بوصفه أداة تفسيرية لا وصفاً حرفياً. فالمسألة لا تتعلق بتشابه تاريخي بين تجارب مختلفة، بل بوجود منطق سياسي وأمني يرى في الجدار حلاً دائماً، وفي المنطقة العازلة ضمانة للاستقرار، وفي المسافة الفاصلة الوسيلة الأكثر فاعلية لإدارة العلاقة مع المحيط. ومن غزة إلى الأغوار، ومن الليطاني إلى جبل الشيخ، تبدو هذه الفلسفة حاضرة في كل خطوة تقريباً، حتى باتت الأحزمة الأمنيّة نفسها جزءاً من المشهد الجيوسياسي الدائم للشرق الأوسط.

بالتالي، يصبح السؤال الذي يفرض نفسه في نهاية هذا المسار أكبر من أي جدار منفرد أو منطقة عازلة بعينها: هل تعكس هذه الأحزمة الأمنيّة المتعددة استجابة مؤقّتة لسلسلة من الحروب المتلاحقة، أم أنها تعبّر عن عقيدة مستقرة ترى أن الأمن لا يُبنى إلا عبر إعادة إنتاج الجدران والمناطق الأمنيّة باستمرار، وتوسيع المسافة بين الداخل والخارج كلما أمكن ذلك؟

الغيتو من الداخل إلى الخارج

تظهر فكرة الغيتو، بوصفها حالة ذهنية قبل أن تكون واقعاً عمرانياً، أحياناً داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه. ففي مطلع كتابه «في العودة إلى الغيتو: من دولة اليهود إلى دولة الهالاخا» الصادر في عام 1989، أورد الباحث الإسرائيلي، أوري هوفرات، شهادة لجندي إسرائيلي أُصيب خلال مواجهات مع جماعات من اليهود المتشدّدين أثناء دفاعه عن متنزهين يوم السبت في حي «مئاه شعاريم» في القدس. قال الجندي: «لقد قاتلت ضمن سلاح المظليين في مطار بيروت، لكني في الجحيم اللبناني لم أشعر بالخوف الذي شعرت به السبت في مئاه شعاريم».

تتجاوز أهمية هذه الشهادة حدود الحادثة نفسها. فهي تكشف أن الغيتو، في أحد معانيه الأعمق، ليس مجرد جدار مادي أو منطقة معزولة، بل حالة ذهنية واجتماعية قابلة لإعادة إنتاج نفسها حتى داخل المجتمع الواحد. فحي «مئاه شعاريم»، الذي يُعد أحد أكثر الأحياء الدينية انغلاقاً في القدس، يقدّم صورة مصغّرة عن عالم يقوم على الفصل بين الداخل والخارج، وعلى بناء حدود ثقافية واجتماعية صارمة، وعلى الارتياب المستمر مما يقع خارج الجماعة.

من هذه الزاوية، لا يبدو الغيتو مجرد فصل من التاريخ الأوروبي أو مجرد أداة لتفسير السياسات الأمنيّة المعاصرة، بل ظاهرة أكثر تعقيداً واستمرارية. فبعد عقود طويلة من قيام إسرائيل، وبعد التحوّلات التي شهدها المجتمع الإسرائيلي، لا تزال أشكال مختلفة من الانغلاق والعزلة وإعادة إنتاج الحدود حاضرة داخل المجتمع نفسه، تماماً كما هي حاضرة على امتداد حدوده ومناطقه العازلة.

الجغرافيا التي أعادت إنتاج نفسها

عند جمع هذه الوقائع في إطار واحد، تبدو المنطقة أمام مشهد يتجاوز الإجراءات العسكرية المؤقّتة. فالجدران المختلفة، على تنوّع مواقعها وأهدافها المُعلنة، تنتمي إلى منطق واحد يقوم على إنتاج مسافات فاصلة بصورة متواصلة. وكلّما ظهر تهديد جديد، يُضاف حزام أمني جديد. وكلّما تبدّلت موازين القوى، تُرسم حدود أمنيّة جديدة. وهكذا تتراكم المناطق العازلة والجدران والتحصينات لتشكّل جغرافيا كاملة من الفصل والعزل وإدارة المجال المحيط.

من هنا تكتسب «عقيدة الغيتو» معناها بوصفها إطاراً تفسيرياً لهذه التحوّلات. فالغيتو بات نموذجاً كاملاً للعلاقة مع العالم الخارجي كما هو معلوم. كانت تلك المناطق تُفصل بأسوار وجدران عالية وأسلاك شائكة، وتحرس مداخلها قوات مسلحة، وتخضع لإدارة محلية محدودة الصلاحيات تحت إشراف سلطة أعلى (غزة والقدس أنموذجاً).

فالخوف الذي أنتجته تجربة العزل الطويلة لم يختفِ بانهيار الجدران. ومن هنا يبرز ما يصفه بعض الباحثين بحالة القلعة المنعزلة، القائمة على الانغلاق الداخلي، والتمترس خلف الجدران، وتعميق الشعور بالاستهداف الخارجي، مقابل تجاهل المحيط الإقليمي أو التعامل معه بوصفه مصدراً دائماً للتهديد. ضمن هذا السياق، لا تعود الجدران مجرد منشآت إسمنتية، بل تتحوّل إلى تعبير مادي عن رؤية كاملة للأمن والعالم، وبوصفه حالة ذهنية قابلة لإعادة إنتاج نفسها داخل إسرائيل ذاتها.

ربما تكمن المفارقة الكبرى في أن المشروع الذي نشأ على وعد تاريخي بالخروج من عالم الأسوار وجد نفسه، بعد أكثر من قرن، يعيد إنتاجها بأشكال مختلفة. هكذا لا تبدو الجدران المتراكمة من غزة إلى الجولان مجرد استجابات أمنية مؤقّتة، بل هي تعبيرٌ عن رؤية راسخة للعالم، رؤية ما زالت تبحث عن الأمان عبر توسيع المسافة مع المحيط، حتى وهي تمتلك من عناصر القوة ما لم تمتلكه في أيّ مرحلة سابقة من تاريخها.

الكاتبة: فرح فران

26 حزيران 2026

المصدر: الاخبار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى