عاجل عاجل | التفاهم الإيراني - الأميركي: 5 فخاخ على طريق التنفيذ
اخبار لبنان

النبطية في ذكرى عاشوراء: خيط الضوء في زمن الحداد

تتقاطع ذكرى عاشوراء هذا العام مع الأيام الأولى لوقف إطلاق النار في جنوب لبنان، فيما يعود الأهالي إلى قرى وبلدات ما زالت تحمل آثار الحرب.

تتقاطع ذكرى عاشوراء هذا العام مع الأيام الأولى لوقف إطلاق النار في جنوب لبنان، فيما يعود الأهالي إلى قرى وبلدات ما زالت تحمل آثار الحرب. بين النبطية وكفررمان وعربصاليم، تتجاور مشاهد الدمار مع طقوس العزاء، وتكشف تفاصيل الحياة اليومية كيف يواجه الناس الخسارة ويعيدون بناء علاقتهم بالأرض والذاكرة والحياة

كُتب هذا النص من أحد مقاهي قرية «جباع» جنوب لبنان، في اليوم الرابع من دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، من مقعد يطل على مقام جبل صافي، حيث يحكى أن المقاومة خرجت منه، وله كان النشيد: «جبل الثوار غدا صافي» في ثمانينيات القرن الماضي. تنتهي جولة جديدة من الحرب بالتزامن مع ذكرى عاشوراء.

هناك مصادفات تاريخية يُسميها المؤرخون «الزمن الرمزي»، والزمن الرمزي لا يخضع للقياس المادي، أو لحسابات الساعات والأيام، بل يتصل بالدلالات النفسية والثقافية للناس. والزمن الرمزي ها هنا يتشكل في فضاء عاشوراء، وعند هذا التقاطع التقويمي تتولد الأسئلة والأجوبة حول معنى الحرب والمقاومة والحياة والموت. ومع وقف إطلاق نار على الورق، يحمل الناس في رحلتهم إلى الجنوب أسئلة الحرب والعزاء والعودة.

النبطية وكفررمان بين حسينيتين

لا تزال هناك سيارات تحمل أغراضاً وتعود إلى منازلها في الجنوب على طريق صيدا وصور، فيما يقل عدد السيارات كلما اقتربنا من مدينة النبطية. في الطريق إلى المدينة، ما بعد مفترق «زفتا»، سرعان ما تندر السيارات. وحدها تلك الخاصة بالإسعاف والفرق الصحية المتوقفة على مفارق الطرق، تنطلق مسرعة مع كل استهداف إسرائيلي جديد. آثار الدمار تتوزع على سوق المدينة وساحتها، وحتى حسينية النبطية. هدوء حذر يعم المكان. في الحسينية عدد قليل من العمال يعلقون صوراً جديدة، ويرفعون بعض اليافطات تمهيداً لبدء مجلس العزاء.

صوت طائرات الاستطلاع في الجو تخترقه مكبرات الصوت بدعاء أو آيات من القرآن خلال التحضير للمجلس. مجموعة من الأهالي، لا نعلم إن كانوا 72 أو أكثر بينهم طفلة صغيرة، يتعاونون في التحضير للمجلس. نسأل أحدهم عن اسمه؛ فيقول «خادم الحسين»، ثم يضيف مختار النبطية حسين بشير. هنا الخدمة تتعدد أشكالها. في النهار خدام للحسين يسقون العطاشى، في الليل خدام آخرون للحسين يواجهون الدبابات.

ولعاشوراء في النبطية بنية معرفية وعاطفية تُعيد إنتاج نفسها في كل جيل. وكربلاء مرآة يرى فيها أهل الجنوب صدى لذلك النداء الأبدي: «ألا من ناصر ينصرني». هكذا يلبي الجنوبيون النداء ويمنحون الواقع معنىً يمكن احتماله.

خارج الحسينية، يقف نصب تذكاري حديث لم يتجاوز عامه الثالث بعد. النصب يُعيد تجسيد «انتفاضة عاشوراء» عام 1983 في مدينة النبطية، حيث هجم المشيعون في ذكرى العاشر من محرم على آليات إسرائيلية بالسيوف وحدها، واليوم تواجه حاضرة جبل عامل لحظة مشابهة.

بعد النبطية، تطل أطراف كفررمان فتزداد آثار الحرب. قرب حسينيتها التي تعرضت لدمار كبير، ولم يبق منها إلا بعض الأعمدة، ورايات عُلقت حديثاً، تتطاير في هواء تفوح منه رائحة البارود، بجوار سيارات متفحمة ومبانٍ آيلة للسقوط.
إقامة الشعائر على الأنقاض هو فعل مقاومة أيضاً. لذلك في اليوم التالي أصرَّ العدو على إعادة قصف مكان مهدم أصلاً، في محاولته لاستئصال الذاكرة من المكان بعد إزالة كتله الإسمنتية.

خيط الضوء في الجولة الأخيرة

باتجاه إقليم التفاح. والإقليم – كما يناديه أهل الجنوب – مجموعة من القرى تطل على النبطية لجهة الشمال، بدءاً من حبوش وصولاً إلى جباع، نلتقي المصوّر حسين فرحات الذي عاد قبل يومين إلى منزله، ومعه خيط ملفوف بيديه. خيطٌ بسيط في ظاهره، لكن من تابع أخبار الحرب وأحوالها عرفه مباشرة. هو الخيط الضوئي لطائرات FPV، جمعه حسين خلال إحدى جولاته في قرى الجنوب.
إذا كانت صواريخ الكاتيوشا هي الأيقونة العسكرية لحرب 2006 – بضخامتها وصوتها وحضورها الذي يُشبه الصخب التراجيدي – فإن خيط طائرة FPV هو أيقونة هذه الحرب بخفّتها ودقتها وطابعها التقني المُدهش.

هذا الخيط الرفيع يعكس تحولاً عميقاً في أدوات الحرب. يشبه خيط أريادني في الأسطورة اليونانية، ذلك الحبل الذي تركته ليقود الخارج من المتاهة إلى طريق النجاة… أو ذلك «الخيط الرفيع الذي يصل الغياب بالحضور» كما يصف محمود درويش في إحدى قصائده. بين المقاتل في الظل وأهله عندما يتتبعونه، بين المقاوم وعدوه عندما يفقد أثره.

بالنسبة إلى حسين، هي المرة الأولى التي يترك فيها بيته وحيواناته الأليفة التي يعتني بها، حيث شكلت إلى جانب توثيق يوميات الجنوب مشروعه الثقافي والإعلامي. ويقول لنا: «بيقولوا عنا ثقافة موت… بالعكس من كتر تعلقنا بالأرض والحياة قررنا نموت دفاعاً عن حقنا بالحياة على هالأرض».

وخلال جلوسنا معه لشرب الشاي، يحكي لنا حسين عن مشروعه المستقبلي، يخبرنا عن تحضيراته لفيلم وثائقي قصير عن الحرب. ويضيف: «سأعمل على أفلام قصيرة عدة إلى حين نهاية الحرب مرة واحدة وللأبد سأنجز فيلماً طويلاً عنها». يعتبر حسين الحروب السابقة جولات في حرب واحدة بدأت في عام 2023.

الإعلام يغفل اليوميات

ومن بيت المصور حسين فرحات إلى ساحة عربصاليم، لا «فكة» بعد في أدراج المحال التجارية التي فتحت للتو أو قبل أيام قليلة، لم يتداول الناس المال بعد. العائلات لا تزال تحصي أعداد الصواريخ، وتتبع خيوط المقاومة، وتتبادل صور الشهداء، وأخبار من عاد ومن تأخر، وربما كانت الرسالة الأكثر تداولاً اليوم «كيف شفتو الوضع فينا نرجع؟».
ثمة مهمة إعلامية لم تكتمل بعد في سياق هذه الحروب. خلال الأيام القليلة الماضية، ركزت وسائل الإعلام على رصد الأرقام: عدد الضحايا، عدد المباني المدمّرة، عدد النازحين على مبدأ «ماذا ربحنا وماذا خسرنا» فيما الناس هنا «يخرجون (…) ليتفقدوا ما تبقى من جدرانهم، لعلهم يجدون إبريقاً لم ينكسر، أو ذكريات لم تحترق. الحرب تشن هجومها، والحياة تشن هجومها المضاد» كما يقول محمود درويش في ديوانه «ذاكرة للنسيان».

في اليوم الرابع فقط من إعلان وقف الحرب، تواصل عربصاليم يومياتها. تشيّع شهيداً من أبنائها، وتستقبل آخر. وعلى وقع صوت صاروخ «يشخر» في الأجواء، يتوقف الناس والسيارات عن الحركة. ثم يعود الأطفال لتوزيع الماء والطعام على «حب الحسين» فيمنحون القرية الحياة التي تريدها مجدداً.

في هذا القضاء الذي يسمى النبطية، عائلات تقيم شعيرة عاشوراء في بيوت مهدمة. مصور يعمل على إكمال شريطه الوثائقي عن الحرب وتجربته، أهالي يعودون إلى قرية لا تزال تحت صوت المدافع لمجرد أنهم لا يستطيعون البقاء بعيدين.
ليس الدمار، وإنما كيف تُعيد المجتمعات مواجهة خساراتها، هو ما يصوغ النهاية الحقيقية للحروب. وما تكشفه مشاهد الجنوب في أعقاب كل جولة حرب هو أن الحرب لم تنتهِ بعد.

وعاشوراء هذه السنة ليست توقيتاً مصادفاً لانتهاء القتال. هي فرصة لمجتمعات الجنوب لتعيد قراءة بدايتها الراهنة في ضوء خسارة أكبر وأقدم، فكربلاء لم تكن نهاية بل بداية لفكرة جديدة استمرت أربعة عشر قرناً. وفي الجنوب، الأرض تنقذ نفسها على طريقتها، بمفرداتها وأدواتها البسيطة خيط، وراية، وكاميرا، وتحضير شاي في بيت ما يزال يشمّ رائحة الدمار.

الكاتبة: مروى جردي

26 حزيران 2026

المصدر: الاخبار

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى