
لم تعد التحولات الجارية في النظام الدولي مجرد مؤشرات على تراجع نفوذ قوى وصعود أخرى، بل باتت تعكس انتقالاً تاريخياً في طبيعة توزيع القوة والثروة والمعرفة، ينهي تدريجياً احتكار الغرب لمفاتيح النظام العالمي منذ خمسة قرون. هذه هي الخلاصة الاستراتيجية التي طرحها الاقتصادي الأميركي جيفري ساكس في محاضرته ببلغراد، مستنداً إلى قراءة تاريخية تربط بين نشأة الهيمنة الغربية في عصر الاكتشافات الجغرافية، وبين التحولات التكنولوجية والاقتصادية التي تعيد اليوم رسم موازين القوى الدولية.
تكمن أهمية قراءة ساكس في أنها لا تتعامل مع صعود الصين أو تراجع الوزن النسبي للغرب باعتبارهما حدثين منفصلين، بل تضعهما ضمن مسار تاريخي طويل تنبأ به آدم سميث قبل 250 عاماً في كتابه «ثروة الأمم». فقد رأى سميث أن اكتشاف الأميركتين وفتح الطريق البحري إلى الهند عبر رأس الرجاء الصالح أطلقا مرحلة جديدة من الترابط التجاري العالمي، لكنها لم تحقق المساواة بين الشعوب، لأن أوروبا امتلكت آنذاك تفوقاً عسكرياً وصناعياً مكّنها من تحويل التجارة إلى أداة للسيطرة والاستعمار وإخضاع آسيا وأفريقيا وأجزاء واسعة من العالم.
غير أن سميث ترك في تحليله فكرة أكثر عمقاً: أن انتقال المعرفة والابتكارات والتطورات التقنية بين الأمم سيؤدي، مع مرور الزمن، إلى تقليص فجوة القوة، وإلى نشوء توازن دولي أكثر عدالة، تصبح فيه الهيمنة أقل قدرة على الاستمرار. وهنا يرى ساكس أن العالم يعيش اليوم تحقق هذه النبوءة التاريخية؛ فالتفوق الذي احتكرته أوروبا ثم الولايات المتحدة لم يعد امتيازاً حصرياً، بعدما أصبحت المعرفة والتكنولوجيا والقدرات الصناعية متاحة لمجتمعات كانت مستعمرة أو خاضعة لنفوذ القوى الغربية.
من هذا المنظور، لا يمثل صعود الصين أزمة في النظام الدولي بقدر ما يمثل دليلاً على تغير قواعده. فساكس يرفض التعامل مع التقدم الصيني باعتباره تهديداً وجودياً للولايات المتحدة وأوروبا، معتبراً أن الصين تستعيد موقعاً حضارياً واقتصادياً بعد قرنين من التدخلات والضغوط الخارجية. والأهم أن الصين لم تعد مجرد قوة إنتاجية تنافس الغرب في الأسواق، وإنما أصبحت طرفاً يمتلك القدرة على تقديم حلول تكنولوجية لمشكلات عالمية، خصوصاً في مجالات الطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية وتوربينات الرياح والألواح الشمسية.
لكن المعضلة الأميركية، وفق قراءة ساكس، لا تكمن في صعود الصين بحد ذاته، وإنما في صعوبة تقبل واقع لم تعد فيه الولايات المتحدة قادرة على احتكار التفوق أو فرض شروطها على بقية العالم. فالعقلية التي تنظر إلى تقدم المنافس باعتباره تهديداً يجب احتواؤه، بدلاً من اعتباره نتيجة طبيعية لانتشار المعرفة والابتكار، تدفع واشنطن إلى تحويل المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية إلى مواجهة جيوسياسية مفتوحة. وهنا تكمن المفارقة: الدولة التي استفادت تاريخياً من انفتاح الأسواق وانتقال التكنولوجيا باتت تواجه صعود قوى استفادت من الأدوات ذاتها، لكنها تتردد في الاعتراف بحقها في بلوغ موقع متقدم.
ولا يقتصر التحول الذي يتحدث عنه ساكس على العلاقات الأميركية الصينية، بل يمتد إلى أوروبا التي يحذرها من الانجرار وراء إعادة عسكرة القارة، مستحضراً التجربة التاريخية التي أظهرت كيف يمكن للإنفاق العسكري والحروب أن يستنزفا الاقتصادات ويقوضا الاستقرار المالي والسياسي. واستدعاؤه التجربة الفرنسية قبل الثورة عام 1789، حين أسهمت تكاليف الحرب والديون في تعميق الأزمة المالية، ليس مجرد استحضار تاريخي، بل رسالة إلى بروكسل بأن إعادة بناء القوة الأوروبية لا ينبغي أن تتحول إلى سباق تسلح يستهلك موارد التنمية ويعيد إنتاج منطق المواجهة الذي دفع القارة أثماناً باهظة في الماضي.
وفي موازاة ذلك، يربط ساكس التحول في موازين القوى بمستقبل الكوكب. فهو يعيد إلى عام 1776، حين شهد العالم تطوير جيمس وات للمحرك البخاري ونشر آدم سميث كتابه «ثروة الأمم»، باعتبارهما محطتين أسستا لعصر التصنيع الحديث، الذي منح الغرب تفوقاً اقتصادياً وعسكرياً، لكنه وضع البشرية أيضاً على مسار الاعتماد المتزايد على الوقود الأحفوري. ومن ثم فإن الثورة الصناعية التي صنعت القوة الغربية أصبحت اليوم جزءاً من المعضلة المناخية التي تهدد مستقبل التنمية.
لذلك يرى ساكس أن الانتقال إلى الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية والتقنيات النظيفة لم يعد خياراً بيئياً فحسب، بل تحول إلى ضرورة اقتصادية واستراتيجية. والتقدم الصيني في هذه القطاعات يمنح بكين ميزة تنافسية في رسم ملامح الاقتصاد المقبل، ويكشف أن موازين القوة لن تتحدد فقط بمن يمتلك السلاح أو الأسواق، بل أيضاً بمن يمتلك التكنولوجيا القادرة على توفير الطاقة وخفض تكلفتها وتأمين استدامة النمو. وهذا يجعل المنافسة على الطاقة النظيفة جزءاً من معركة أوسع على النفوذ الصناعي والتكنولوجي في العقود المقبلة.
أما المؤشر الأوضح على انتقال مركز الثقل الدولي، فيظهر في المقارنة التي قدمها ساكس بين مجموعة السبع ومجموعة البريكس الموسعة. فوفق الأرقام التي استشهد بها، تمثل البريكس نحو 41 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي وما يقارب نصف سكان العالم، مقابل نحو 28 في المئة لمجموعة السبع وحوالي 12 في المئة من سكان العالم. وهذه الأرقام، التي تتأثر بمنهجية احتساب الناتج وفق تعادل القوة الشرائية، تكشف اتساع الوزن النسبي للقوى غير الغربية، وتطرح تساؤلات جدية حول قدرة المؤسسات التي تشكلت في ظل التفوق الغربي على الاستمرار في تمثيل واقع دولي تغيرت موازينه. ولا يعني ذلك أن البريكس أصبحت كتلة سياسية متجانسة أو بديلاً مؤسسياً مكتملاً للغرب، بل إن دلالتها الأساسية تكمن في اتساع مراكز القوة وتراجع قدرة طرف واحد على احتكار القرار الدولي.
ومن هنا تكتسب إشادة ساكس بالتجربة الصربية دلالة تتجاوز حدود البلقان. فهو يرى في انفتاح صربيا على الاستثمار والتعاون مع الصين والشرق والغرب نموذجاً لسياسة تقوم على الترابط بدلاً من الاصطفاف، وعلى المصالح الاقتصادية بدلاً من منطق العقوبات والقطيعة. وهذه الرسالة تحمل انتقاداً مباشراً للسياسات التي تسعى إلى تحويل العالم إلى معسكرات متواجهة، في وقت أصبحت فيه الاقتصادات مترابطة إلى درجة تجعل العزل الاقتصادي سلاحاً مكلفاً يصعب التحكم بنتائجه.
ومع ذلك، فإن نهاية احتكار الغرب للهيمنة لا تعني اختفاء القوة الأميركية أو الأوروبية، ولا تعني أن النظام المتعدد الأقطاب سيكون بالضرورة أكثر عدالة أو استقراراً. فالتعددية تفتح المجال أمام توازنات جديدة، لكنها تفرض أيضاً تحديات تتعلق بإدارة التنافس ومنع تحوله إلى صراعات عسكرية واقتصادية مفتوحة. كما أن صعود قوى جديدة لا يعفيها من مسؤولية احترام قواعد القانون الدولي ومصالح الدول الأخرى.
إن القيمة الاستراتيجية في محاضرة ساكس تكمن في أنها تنقل النقاش من سؤال من سيقود العالم إلى سؤال أكثر جوهرية: هل تستطيع القوى الكبرى التكيف مع عالم لم تعد فيه القيادة امتيازاً دائماً، بل مسؤولية تفرضها القدرة على التعاون وتبادل المعرفة وصناعة التنمية؟ فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك عناصر قوة هائلة، وأوروبا لا تزال شريكاً اقتصادياً وتكنولوجياً أساسياً، لكن الحفاظ على مكانتهما يتطلب الانتقال من محاولة احتواء صعود الآخرين إلى بناء شراكات تستوعب التحولات الجديدة.
خمسة قرون من الهيمنة لا تنتهي بقرار سياسي، لكنها تفقد أسسها عندما تتوزع المعرفة والتكنولوجيا والثروة بين الأمم. وما يراه ساكس في اللحظة الدولية الراهنة ليس انتقال العالم ببساطة من قيادة واشنطن إلى قيادة بكين، بل نهاية احتكار القيادة نفسها، وبداية مرحلة تتعدد فيها مراكز القوة والقرار والتأثير. فالمعركة الحقيقية لم تعد على من يكون الأول، بل على من يستطيع التكيف مع عالم لم يعد يقبل أن يظل الآخرون في المرتبة الثانية.
هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة رأي الموقع
تنويه من موقع “wakalanews”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.





