صحافة

ترامب يريد الحرب… لكن من يدفع فاتورتها؟

يبدو التصعيد الإيراني الكبير في مضيق هرمز، للوهلة الأولى، مجازفة تتجاوز قواعد المواجهة المحسوبة مع الولايات المتحدة. فطهران تدفع أسعار النفط إلى مستويات يصعب على الاقتصاد الأميركي تحملها، بما قد يستفز ترامب ويدفعه نحو تصعيد عسكري غير محسوب. لكن قراءة المشهد من زاوية معاكسة تكشف احتمالاً مختلفاً تماماً: فبدلاً من أن يكون التصعيد الإيراني اندفاعاً نحو الحرب، قد يكون محاولة استباقية لحرمان ترامب من البيئة الاقتصادية اللازمة لاستئنافها.

ثلاثة مسارات لتهيئة الحرب

كان ترامب يعمل، على ما يبدو، على تهيئة البيئة الاقتصادية والجيوسياسية لاستئناف العمليات العسكرية ضد إيران، عبر ثلاثة مسارات متوازية؛ أولاً، زيادة صادرات النفط الخليجية بصورة كبيرة، كما حدث خلال سبتمبر، رغم استمرار الهجمات الإيرانية. ثانياً، الضغط على الأوروبيين للإفراج عن جزء من مخزوناتهم النفطية الاستراتيجية. ثالثاً، التفاهم مع روسيا بشأن صادرات الديزل، والضغط على زيلينسكي لوقف استهداف المصافي النفطية الروسية.

وفق هذه الفرضية، لم يكن خفض أسعار النفط هدفاً اقتصادياً فحسب، بل وسيلة لتوفير هامش زمني يسمح لواشنطن بخوض جولة عسكرية جديدة ضد إيران دون مواجهة صدمة فورية في أسواق الطاقة. ومن هنا يمكن فهم التصعيد الإيراني في هرمز بصورة مختلفة؛ فبدلاً من اعتباره اندفاعاً نحو الحرب، قد يكون محاولة استباقية لرفع كلفتها المتوقعة قبل اتخاذ القرار العسكري. المفارقة أن التصعيد الإيراني، رغم مخاطره الكبيرة، قد يكون مصمماً لمنع الحرب لا لإشعالها.

التناقض الجوهري في سوق الطاقة

لكن السؤال الأكثر إلحاحاً ليس ما إذا كانت الحرب قادمة، بل من سيدفع فاتورتها. وهنا تكشف أرقام السوق عن تناقض جوهري. فقد بدأت صادرات النفط الخام من غرب آسيا بالتعافي، إلا أن إمدادات الوقود ظلت محدودة، فيما بقيت الأسعار مرتفعة بعناد. عادت صادرات النفط الخام من دول الخليج، باستثناء إيران، إلى ما لا يقل عن 16.5 مليون برميل يومياً في سبتمبر، مسجّلة مستويات مماثلة لما قبل الحرب. غير أن تجدّد الهجمات على ناقلات النفط في مطلع أكتوبر أثار الشكوك بشأن مدة هذا التعافي.

إذا كانت كميات النفط المتداولة آخذة في الارتفاع، فلماذا لا يزال المستهلكون يدفعون أسعاراً مرتفعة للوقود؟ أغلق خام برنت عند 72.48 دولاراً للبرميل في 27 فبراير 2026، ووصل إلى 104.72 دولارات في 9 أكتوبر، بزيادة بلغت نحو 44.5 في المئة. وخلال الفترة نفسها، ارتفع متوسط سعر الديزل بالتجزئة في الولايات المتحدة من 3.81 دولارات للغالون إلى 6.20 دولارات، أي بزيادة قاربت 63 في المئة. تراجعت أسعار النفط الخام عن بعض ذرواتها، لكن المستهلكين لم يحصلوا إلا على قدر محدود من الانفراج.

المصافي تختنق

يكمن الجواب في المسار الذي يقطعه النفط بين الحقل النفطي ومضخة الوقود. فقد عطّلت الحرب عمليات الشحن والتكرير والتخزين والتوزيع، ما أدى إلى نشوء نقص وارتفاع في التكاليف لا يمكن لصادرات النفط الخام المتعافية وحدها معالجتهما. تحتل غرب آسيا موقعاً محورياً في هذا النظام. فقد استثمرت السعودية والكويت والإمارات بكثافة في مجمعات تكرير كبيرة، ما حوّل الخليج إلى مصدر رئيسي لتصدير المنتجات النفطية إلى جانب النفط الخام. وتعتمد هذه المنشآت على وحدات معالجة متطورة وبنية تحتية مترابطة، ولا يمكن لاستئناف إمدادات النفط الخام أن يعوّض المعدات المتضررة أو الطاقة التكريرية غير المتاحة.

خلص تقرير وكالة الطاقة الدولية في سبتمبر إلى أن صادرات الخليج من المنتجات النفطية المكررة وغاز البترول المسال ظلت أقل من مستويات فبراير بمقدار 3.7 ملايين برميل يومياً، أي بنحو 60 في المئة. وكانت الضغوط أشد خصوصاً في قطاعَي الديزل وزيت الغاز. فقد بلغ متوسط صافي صادرات الخليج منهما 390 ألف برميل يومياً فقط في أغسطس، أي ما يزيد قليلاً على ربع مستواها قبل الحرب. وزادت الاضطرابات التي طالت عمليات التكرير في روسيا من حدة النقص.

ارتفعت هوامش التكسير الخاصة بالديزل ووقود الطائرات بصورة حادة، في ظل معاناة المصافي لتلبية الطلب على المقطرات الوسطى. ووفقاً لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، اقترب متوسط هوامش التكسير للمقطرات والوقود المستخدم في الطائرات خلال الربع الثالث من عام 2026 من ثلاثة أضعاف مستواه المسجل قبل عام. تترتب على نقص الديزل تداعيات واسعة النطاق، فالشاحنات والمزارع والمناجم والمنشآت الصناعية تعتمد على هذا الوقود، ما يسمح لارتفاع أسعاره بالانتقال إلى فواتير الشحن وتكاليف الإنتاج وأسعار السلع الاستهلاكية.

الجغرافيا السياسية للتأمين البحري

يضيف مضيق هرمز طبقة أخرى من التكاليف. فقد تسهم العمليات البحرية في حماية بعض الشحنات، لكن حركة الملاحة التجارية تعتمد على تقييم شركات التأمين ومالكي السفن لمدى جدوى الرحلة. ارتفعت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب بصورة كبيرة. ففي يوليو، قال ماركوس بيكر، الرئيس العالمي لقطاع التأمين البحري في شركة “مارش”، إن الأقساط الإضافية المفروضة على السفن التي تعبر مضيق هرمز ارتفعت إلى نحو 7.5–10 في المئة من قيمة هيكل السفينة، بعدما كانت تتراوح بين 1 و3 في المئة قبل أسابيع قليلة.

أصبحت الجغرافيا السياسية للتأمين البحري عاملاً محورياً في التداعيات الاقتصادية للصراع. فشركات التأمين البحري تؤثر في تحديد المسارات التي تظل مجدية تجارياً، من خلال تسعير المخاطر. وقد يُسمح لسفينة بالإبحار من الناحية القانونية، لكنها تظل عرضة لتكاليف تأمين تجعل الرحلة غير جذابة تجارياً. يمكن لناقلات النفط الخام العملاقة أن تتحمل أحياناً تكاليف التأمين الباهظة بفضل إيرادات الشحن المرتفعة، أما ناقلات المنتجات النفطية النظيفة الأصغر حجماً فلديها هامش أقل لاستيعاب هذه التكاليف. لذلك، يمكن أن يتزامن تعافي حركة ناقلات النفط الخام مع استمرار القيود الشديدة على شحنات الديزل والبنزين.

كشفت الأزمة عن الحدود الاقتصادية للاستراتيجية الأميركية للأمن البحري. فقد تتيح الحماية التي توفرها البحرية الأميركية عبور بعض السفن، لكن السفن الحربية لا تستطيع فرض أسعار التأمين أو استعادة ثقة مالكي السفن. أصبحت قدرة إيران على تهديد حركة الملاحة مصدراً للنفوذ. إذ يمكن للضغوط التي تؤثر في تصورات المخاطر البحرية أن تغيّر أسعار الشحن وقرارات التأمين وأنماط الملاحة، من دون الحاجة إلى إغلاق مادي دائم للمضيق.

الاحتياطيات الطارئة … الوقت لا يكفي

لجأت الحكومات إلى السحب من الاحتياطيات النفطية الطارئة لاحتواء تداعيات الصدمة، بما في ذلك عملية سحب إضافية أعلنتها مجموعة السبع في مطلع أكتوبر. ويمكن لهذه الكميات أن تدعم الإمدادات لبعض الوقت، لكن مخزونات النفط الخام لا تستطيع أن تحل محل البنية التحتية المتضررة. تؤدي مخزونات النفط الخام والمنتجات النفطية أغراضاً مختلفة. إذ يجب أن تمر الاحتياطيات من النفط الخام عبر مصافٍ مناسبة قبل تحويلها إلى ديزل أو بنزين، أما مخزونات المنتجات النفطية فيمكن أن تصل إلى المستهلكين بصورة مباشرة أكثر.

خلص تقييم وكالة الطاقة الدولية في سبتمبر إلى أن المخزونات النفطية العالمية المرصودة انخفضت بمقدار 507 ملايين برميل بين فبراير وأغسطس 2026. وفي مطلع أكتوبر، حذّر الرئيس التنفيذي لشركة “أرامكو” السعودية، أمين الناصر، من أن إعادة بناء المخزونات العالمية قد تستغرق ما يصل إلى عامين بعد إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل.

من يدفع الفاتورة؟

حتى لو توقفت المعارك فوراً، فستظل المصافي المتضررة تواجه قيوداً تقنية وتشغيلية. إذ لا يمكن دائماً إنجاز إصلاح المعدات واستبدال المكونات وتأمين المواد الحفّازة بسرعة. وتواجه حركة الشحن مشكلة مماثلة، إذ تحتاج شركات التأمين إلى أدلة على استمرار تحسن الوضع الأمني قبل تعديل تقييماتها. وفي يونيو، أوضح ماركوس بيكر أن شركات التأمين ستحتاج إلى “فترة مستمرة لا تقع خلالها أي محاولات أخرى لاستهداف حركة الشحن التجاري” قبل تحقيق انخفاضات ملموسة في تكاليف التأمين.

في ظل استمرار القيود على طاقة التكرير، واستنزاف مخزونات الوقود، وبقاء تكاليف الشحن مرتفعة، لا يُرجح أن تنخفض أسعار الوقود انخفاضاً كبيراً في المدى القريب، حتى لو واصلت صادرات النفط الخام تعافيها. قد تعود ناقلات النفط الخام إلى عبور مضيق هرمز مجدداً، لكن أحجام الشحن وحدها لا تكفي لقياس أزمة الوقود. وإلى أن تستعيد المصافي طاقتها الإنتاجية، وتُعاد تعبئة المخزونات المستنزفة، وتتراجع أقساط التأمين، سيواصل المستهلكون دفع ثمن اضطرابات تستمر آثارها حتى بعد استئناف تدفق النفط.

وهنا يتكشف السؤال المركزي: إذا كان ترامب يريد الحرب، فمن يدفع فاتورتها؟ الإجابة ليست واشنطن وحدها، بل المستهلك الأميركي الذي يرى أسعار الديزل ترتفع بنسبة 63 في المئة، والمزارع الذي تعتمد معداته على الوقود، وسائق الشاحنة الذي تنتقل تكاليفه إلى رفوف المتاجر. الفاتورة لا تُدفع في ساحات المعارك، بل في محطات الوقود وموانئ الشحن وأسواق التأمين. وإيران، التي تدرك هذه المعادلة، لا تراهن على ضبط النفس الأميركي أو تقلبات ترامب، بل تسعى إلى تقويض الشروط التي تسمح له بخوض مواجهة جديدة. فالتصعيد في هرمز، رغم مخاطره، قد يكون مصمماً لمنع الحرب عبر جعل كلفتها الاقتصادية باهظة قبل أن تبدأ.



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع “wakalanews”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى