عاجل عاجل | يقال إن الرؤساء التنفيذيين للتكنولوجيا نجوا من جلسة استماع في مجلس الشيوخ بشأن سلامة الأطفال
صحافة

كيف تحولت حرب نتنياهو الكبرى إلى شهادة “إسرائيلية” على قوة إيران وتعاظم نفوذها؟

عندما اندلعت الحرب الأميركية – “الإسرائيلية” على إيران، لم يكن الهدف المعلن في تل أبيب وواشنطن مجرد توجيه ضربة عسكرية محدودة أو إضعاف بعض القدرات الإيرانية. منذ الأيام الأولى للحرب، جرى تسويقها باعتبارها فرصة تاريخية لإحداث تغيير جذري في بنية النظام الإقليمي، وإعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط، وصولاً إلى الهدف الذي طالما راود بنيامين نتنياهو وحلفاءه في “إسرائيل”، وهو إسقاط النظام الإيراني أو على الأقل دفعه إلى حالة من الانهيار السياسي والاستراتيجي تجعله عاجزاً عن مواصلة دوره الإقليمي.

لكن المفارقة الكبرى التي بدأت تتكشف مع توقف العمليات العسكرية وتوقيع مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية، أن النتائج النهائية للحرب جاءت بعيدة إلى حد كبير عن الأهداف التي رفعتها “إسرائيل” قبل اندلاعها. فبدلاً من الحديث عن انهيار النظام الإيراني، بدأت وسائل إعلام “إسرائيلية” ومراكز أبحاث واستطلاعات رأي داخل المجتمع “الإسرائيلي” تتحدث عن تعاظم موقع إيران الإقليمي، وعن فشل الحرب في تحقيق أهدافها السياسية الكبرى، بل وعن تحولها إلى عبء استراتيجي على إسرائيل نفسها.

وهنا يبرز السؤال المركزي: كيف تحول مشروع إسقاط النظام الإيراني إلى اعتراف “إسرائيلي” متزايد بتعاظم نفوذ طهران؟

الحرب التي بدأت بأهداف قصوى

منذ سنوات طويلة، كان نتنياهو يعتبر أن المواجهة مع إيران هي المعركة الأهم في تاريخ “إسرائيل” الحديث. وفي كل خطاباته تقريباً كان يقدم الجمهورية الإسلامية باعتبارها التهديد الاستراتيجي الأول، ويؤكد أن أي استقرار طويل الأمد لـ”إسرائيل” لن يتحقق ما لم يتم تحجيم الدور الإيراني أو إسقاط النظام الذي يقوده.

لهذا السبب لم تكن الحرب الأخيرة مجرد مواجهة عسكرية هامشية، بل كانت تتويجاً لمشروع سياسي وأمني عمل نتنياهو على تسويقه طوال عقود. وتشير المعطيات التي ظهرت لاحقاً إلى أن رئيس الوزراء “الإسرائيلي” نجح في إقناع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن الظروف باتت مؤاتية لتحقيق ما أخفق فيه رؤساء أميركيون سابقون، وأن النظام الإيراني أصبح أكثر هشاشة مما يبدو عليه، وأن ضربة عسكرية واسعة النطاق كفيلة بإحداث انهيار داخلي سريع.

الرهان “الإسرائيلي” استند إلى مجموعة من الفرضيات. أولها أن الضربات العسكرية المكثفة ستدمر البنية الصاروخية الإيرانية. وثانيها أن الضغوط الاقتصادية والعسكرية ستفجر احتجاجات داخلية واسعة. وثالثها أن القوى المعارضة للنظام ستتمكن من استثمار حالة الفوضى للانقضاض على السلطة. أما الفرضية الرابعة فكانت تقوم على أن إيران ستفقد القدرة على التأثير في الإقليم، ما يؤدي إلى تفكك شبكة تحالفاتها الممتدة من لبنان إلى العراق واليمن وغزة. لكن ما جرى على الأرض سار في اتجاه مختلف تماماً.

التفاهم الأميركي – الإيراني وتحول المشهد

اللحظة الأكثر حساسية بالنسبة لـ”إسرائيل” لم تكن في ساحة المعركة، بل جاءت بعد توقفها. فالتفاهم الأميركي – الإيراني حمل دلالات سياسية عميقة تجاوزت بكثير مسألة وقف الحرب أو تنظيم العلاقة بين الطرفين. فمن وجهة نظر “إسرائيلية”، كان مجرد انتقال واشنطن من منطق المواجهة العسكرية إلى منطق التفاهم مع طهران بمثابة اعتراف ضمني بأن الخيارات العسكرية لم تحقق الغاية المرجوة.

وهنا تكمن المشكلة الأساسية بالنسبة لنتنياهو؛ فالرجل الذي بنى استراتيجيته على فكرة أن الضغط العسكري سيؤدي إلى إضعاف إيران وجد نفسه أمام إدارة أميركية تعود إلى طاولة التفاهمات مع الخصم نفسه الذي خاضت الحرب ضده.

الأخطر أن التفاهم الجديد لم يتضمن أي مؤشرات على إسقاط النظام الإيراني أو إخراجه من المعادلة الإقليمية، بل جاء في سياق يعترف عملياً بوجود إيران لاعباً أساسياً لا يمكن تجاوزه عند البحث عن ترتيبات الاستقرار في المنطقة. وهذا بحد ذاته يمثل انقلاباً كاملاً على الرؤية التي حاولت “إسرائيل” فرضها منذ سنوات.

اعترافات “إسرائيلية” غير مسبوقة

ما يجعل المشهد أكثر أهمية أن التشخيص لم يعد محصوراً بالخصوم أو بالمراقبين الخارجيين، بل بدأ يصدر من داخل “إسرائيل” نفسها. فصحيفة “معاريف” ذهبت إلى حد اعتبار أن نتائج التفاهم الأميركي – الإيراني تجعل من إيران القوة الإقليمية الأكثر تأثيراً في الشرق الأوسط.

ولعلّ ما يمنح هذه الاستنتاجات وزناً إضافياً أنّها لم تعد محصورة في تقديرات الصحف أو مراكز الدراسات، بل انعكست بوضوح في مزاج الرأي العام “الإسرائيلي” نفسه. فقد أظهر استطلاع حديث أجرته الجامعة العبرية في القدس بالتعاون مع معهد “أغام” للأبحاث أنّ 92.1 في المئة من “الإسرائيليين” يعتقدون أنّ إيران خرجت من الحرب منتصرة أو حققت مكاسب أكبر مما حققته “إسرائيل”، وهي نسبة استثنائية في مجتمع اعتاد الاصطفاف خلف قيادته خلال الحروب الكبرى.

والأكثر دلالة أنّ 85.9 في المئة من المستطلعين رأوا أنّ نتائج الحرب أضعفت الأمن “الإسرائيلي” على المدى البعيد، ما يعني أنّ صورة الحرب بوصفها أداة لتعزيز الردع واستعادة الهيبة الاستراتيجية لم تعد تحظى بالإجماع الذي كانت تراهن عليه الحكومة.

أما المفاجأة السياسية الأبرز فتمثلت في أنّ 93.1 في المئة من ناخبي المعسكر اليميني، الذي يشكل الخزان الانتخابي الأساسي لنتنياهو، عبّروا عن اعتقادهم بأن إيران حققت مكاسب استراتيجية من الحرب، فيما أكد 72.5 في المئة من “الإسرائيليين” أنهم لا يصدقون الرواية الرسمية التي تقدمها الحكومة حول إنجازات المواجهة. هذه الأرقام لا تعكس فقط تقييماً سلبياً لنتائج الحرب، بل تكشف عن أزمة ثقة عميقة تتشكل بين الجمهور “الإسرائيلي” وقيادته السياسية، وهي أزمة مرشحة للتحول إلى عامل مؤثر في أي استحقاق انتخابي مقبل، خصوصاً عندما تبدأ القوى المعارضة بطرح السؤال الأكثر حساسية: إذا كانت الحرب قد شُنّت لإضعاف إيران، فكيف انتهت إلى اقتناع أغلبية “الإسرائيليين” بأن طهران خرجت منها أكثر قوة ونفوذاً؟

منطق الردع المعاكس

إحدى النتائج الأكثر خطورة بالنسبة لـ”إسرائيل” تتمثل في التحول الذي أصاب مفهوم الردع؛ فالحرب كانت تهدف أساساً إلى ترميم الردع “الإسرائيلي” وإظهار القدرة على فرض الإرادة السياسية بالقوة العسكرية. لكن ما حدث عملياً هو أن نتائج الحرب دفعت كثيرين إلى التساؤل حول حدود هذه القوة وقدرتها على تحقيق الأهداف الاستراتيجية الكبرى.

لقد نجحت “إسرائيل” والولايات المتحدة في إلحاق أضرار بإيران، لكنهما لم تنجحا في فرض التحول السياسي المطلوب. وفي المقابل، تمكنت طهران من إثبات قدرتها على الصمود وإدارة المواجهة والاستمرار في التأثير على مسار الأحداث.

وبهذا المعنى، لم يعد السؤال المطروح هو حجم القوة التي تمتلكها “إسرائيل”، بل مدى قدرتها على تحويل هذه القوة إلى إنجاز سياسي دائم.

أزمة نتنياهو الحقيقية

المعضلة التي يواجهها نتنياهو اليوم ليست عسكرية بقدر ما هي سياسية؛ فالرجل قدم الحرب للداخل “الإسرائيلي” باعتبارها فرصة تاريخية لتغيير الواقع الاستراتيجي المحيط بـ”إسرائيل”. وعندما ترتفع التوقعات إلى هذا المستوى، تصبح النتائج النهائية معيار الحكم الأساسي.

لذلك فإن أي نقاش داخل “إسرائيل” حول نتائج الحرب سيقود حكماً إلى طرح أسئلة محرجة: هل تحقق هدف إسقاط النظام الإيراني؟ هل تم القضاء على النفوذ الإيراني؟ هل تراجعت مكانة طهران الإقليمية؟ وهل أصبحت “إسرائيل” أكثر أمناً بعد كل هذا الاستنزاف؟

وكلما اقتربت الاستحقاقات الانتخابية، ستتحول هذه الأسئلة إلى مادة رئيسية في الصراع السياسي الداخلي.

بداية مرحلة المحاسبة

الحروب لا تنتهي عادة مع توقف إطلاق النار، بل تبدأ بعدها مرحلة أكثر تعقيداً تتعلق بتقييم النتائج وتحديد المسؤوليات؛ وفي الحالة “الإسرائيلية”، يبدو أن هذه المرحلة بدأت بالفعل.

فالفجوة بين الأهداف المعلنة والنتائج المتحققة تفتح الباب أمام نقاش واسع حول جدوى الحرب، وحول الخيارات التي اتبعتها القيادة السياسية والعسكرية، وحول طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة التي انتهت إلى تفاهم مع إيران بدلاً من الاستمرار في سياسة المواجهة المفتوحة.

ومن هنا يمكن فهم سبب القلق المتزايد داخل الأوساط السياسية “الإسرائيلية”. فالمشكلة لا تتعلق فقط بما جرى خلال الحرب، بل بما قد يترتب عليها من تداعيات سياسية داخلية في السنوات المقبلة.

“شرق أوسط” مختلف

ربما تكون النتيجة الأهم للحرب أنها كشفت عن حدود القدرة على إعادة تشكيل الشرق الأوسط بالقوة العسكرية وحدها. لقد دخلت “إسرائيل” الحرب وهي تسعى إلى فرض واقع إقليمي جديد يقوم على تراجع النفوذ الإيراني وتفكك محور المقاومة وتكريس التفوق “الإسرائيلي” باعتباره المرجعية الوحيدة للأمن الإقليمي.

لكن المشهد الذي يتشكل اليوم يبدو مختلفاً تماماً. إيران ما زالت حاضرة في المعادلة. وحلفاؤها لم يختفوا من المشهد. والولايات المتحدة عادت إلى لغة التفاهم. أما “إسرائيل” فتجد نفسها مضطرة إلى التعامل مع واقع لم تكن تريده ولم تخطط له.

لهذا السبب يمكن القول إن التحول الأكبر الذي أفرزته الحرب لا يتمثل فقط في فشل مشروع إسقاط النظام الإيراني، بل في انتقال النقاش داخل “إسرائيل” من كيفية إسقاط طهران إلى كيفية التعامل مع إيران أكثر قوة وتأثيراً مما كانت عليه قبل الحرب.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى؛ فالحرب التي شُنت بهدف تغيير النظام الإيراني انتهت باعترافات “إسرائيلية” متزايدة بأن إيران خرجت منها لاعباً إقليمياً أكثر رسوخاً، وأن الرهان على إسقاطها لم يكن مجرد مشروع فاشل، بل تحول إلى نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من إعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط.

وبينما كانت “إسرائيل” تأمل أن تكتب نهاية الدور الإيراني في المنطقة، يبدو أنها تجد نفسها اليوم أمام واقع سياسي مختلف تماماً: إيران لم تسقط، والنظام لم ينهَر، والنفوذ لم يتراجع، بل إن النقاش داخل “إسرائيل” بات يدور حول كيفية التعايش مع نتائج حرب انتهت بعكس ما خُطط لها، وبداية مرحلة طويلة من المحاسبة السياسية قد تكون أكثر قسوة على نتنياهو من الحرب نفسها.



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع “wakalanews”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى