صحافة

“الكونسبتسيا” الإسرائيلية: كيف أخطأت المؤسسة الأمنية في فهم حماس؟

الكونسبتسيا الإسرائيلية

لم يكن 7 تشرين الأول مجرد إخفاق استخباري إسرائيلي في توقع العملية الواسعة. كان، وفق الباحث شاي فيلدمان، “مفاجأة أساسية” (Basic Surprise)، أي حدثاً وقع رغم أن الإطار الذي بنت عليه المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تقديراتها كان يستبعد حدوثه أصلاً. أي أن الإخفاق الإسرائيلي لم يكن فقط نتيجة ضعف المعلومات التي وصلت إلى أجهزة الاستخبارات، وإنما في الطريقة التي حللت بها هذه المعلومات.
يسمي فيلدمان هذا الإطار “الكونسبتسيا”، وهو مجموعة الافتراضات التي تعتمدها المؤسسة الأمنية لفهم خصمها وتقدير سلوكه لكنها تتحول إلى مرجعية ثابتة. بدون النظر إلى تغير طبيعة المقاومة وتطورها الذي سيؤثر على اتخاذها للقرارات. 
هذا ما حدث في 1973، وتكرر في جوانب أساسية منه قبل 7 تشرين الأول.
قبل حرب تشرين 73، افترضت الاستخبارات الإسرائيلية أن مصر وسوريا لن تخوضا حرباً واسعة قبل امتلاك قدرات جوية ومدرعة تسمح لهما بمواجهة التفوق الإسرائيلي. لذلك لم تُقرأ التحركات العسكرية المصرية والسورية على أنها استعداد فعلي لحرب وشيكة، لأن القدرات التي اعتبرتها “إسرائيل” شرطاً للحرب لم تكن متوافرة بالمستوى المطلوب.
لكن مصر لم تكن بحاجة إلى خوض الحرب بالطريقة التي توقعتها “إسرائيل”.
فبدلاً من محاولة بناء قوة جوية تنافس سلاح الجو الإسرائيلي أو قوة مدرعة تضاهي الجيش الإسرائيلي، طورت مصر طريقة قتال تتناسب مع قدراتها وتحد من نقاط القوة الإسرائيلية. حيث اعتمدت على منظومة دفاع جوي متحركة للحد من حرية الطيران الإسرائيلي، وعلى المشاة والصواريخ المضادة للدروع لمواجهة التفوق المدرع. كما حددت أهدافها العسكرية بما يتناسب مع هذه الإمكانات نسبياً.
بعد خمسين عاماً، ظهر خلل مشابه في قراءة حركة حماس.
حيث بنت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، على مدى سنوات، تصوراً عن الحركة باعتبارها “طرفاً عقلانياً” يدرك حجم التفوق الإسرائيلي ويحسب كلفة المواجهة. وكانت الفرضية أن حماس تريد الحفاظ على سيطرتها على قطاع غزة، وأنها، ما دام الحد الأدنى من الظروف التي تسمح باستمرار حكمها متوافراً، لن تقدم على عملية واسعة يمكن أن تعرض هذا الحكم للخطر.
لم يكن هذا التصور منفصلاً عن السياسة الإسرائيلية تجاه القطاع. فمنذ تولي حماس إدارة غزة عام 2007، اتجه الاحتلال إلى التضييق لكن بنفس الوقت إبقاء مستوى المعيشة في القطاع محمولا دون أن تكون غزة متفوقة اقتصادياً وسياسياً. وشمل ذلك حركة وتدفق المياه والكهرباء والوقود، والتنسيق الطبي.
كما عمل الاحتلال خصوصا اليمين المتطرف على الفصل بشتى الطرق بين قطاع غزة والضفة الغربية، على مبدأ أن بقاء حماس في القطاع والسلطة الفلسطينية في الضفة، سيضعف إمكانية نشوء قيادة فلسطينية موحدة. وبدا هذا التصور لدى الاحتلال يملك قابلية للاستمرار.
وتعزز الظن بأن “إسرائيل” “فهمت” حماس من خلال سلسلة من التجارب السابقة. من خلال التفاوض غير المباشر، وصفقة شاليط عام 2011…
لكن الاحتلال اكتشف بعد طوفان الأقصى أنه كان بعيدا عن فهم حماس وسلوكها وأن الفرضية التي عمل بها لأعوام كانت خاطئة وأوقعته في المصيدة.
خلال السنوات التي سبقت 7 تشرين الأول، كانت الحركة تطور بنيتها العسكرية على نحو أعمق مما توقعته المنظومة الأمنية للاحتلال. حيث تطورت منظومة الأنفاق، وأُدخلت المسيّرات ضمن القدرات القتالية، وطُورت الوحدات البحرية، وتحسنت بنية القيادة والسيطرة، وانتقلت التشكيلات العسكرية إلى مستوى أكبر من التنظيم والتنسيق. حيث كان الهدف تكوين قدرة تسمح بتنفيذ عملية مركبة تشترك فيها وحدات مختلفة في وقت واحد.
هذه التغييرات لم تكن كلها بعيدة عن أعين الاستخبارات الإسرائيلية. لأنه كان هناك تدريبات مستمرة ومؤشرات على تحسن التنظيم العسكري، إضافة إلى تحذيرات صدرت من مراقبات إسرائيليات كنّ يتابعن نشاط حماس على الجانب الآخر من السياج.
لكن امتلاك المعلومة لا يعني بالضرورة فهمها.
حيث قرأ الاحتلال هذه المؤشرات في إطار “الكونسبتسيا” على قاعدة تطوير قدرات الردع، ولم يُقرأ بوصفه تحولاً في طريقة خوض الحرب. وما اعتُبر قدرة على تحسين موقع حماس في أي مواجهة مستقبلية لم يُربط بما يكفي بإمكان استخدامها لشن عملية واسعة.
في 7 تشرين الأول، انهارت هذه الفرضية دفعة واحدة. بعد العملية التي غيّرت شكل المواجهة من الساعات الأولى. واستُخدمت المسيّرات لضرب مواقع مراقبة إسرائيلية، واخترقت مجموعات من المقاومين السياج في نقاط متعددة، وشاركت وحدات مختلفة حسب اختصاصاتها في إدارة العملية، فيما أتاحت الأنفاق قدرات أكبر للحركة.
في عام 1973، قلصت العملية  من فاعلية التفوق الجوي. وفي 7 تشرين الأول، أظهرت أنه من الممكن استهداف عناصر منظومة الحماية والإنذار والحدود، ثم الانتقال إلى هجوم متعدد المحاور وإرباك قدرة الجيش الإسرائيلي على الاستجابة في الساعات الأولى.
ومرة أخرى أخطأت “إسرائيل” أخطأت في تقدير خصمها لأنه لم يتصرف وفق الصورة والنمط التي بنتها عنه. وهذا ما يجعل وصف 7 تشرين الأول بأنه “مفاجأة أساسية” أكثر دقة من اختزاله في الفشل الاستخباري.


المصدر الأصلي: alkhanadeq.com

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى