باكستان وحرب اليمن: حدود الالتزام العسكري وحسابات التوازن الإقليمي

باكستان وحرب
أعاد النفي الرسمي الباكستاني لمشاركة طائراتها الحربية في العمليات العسكرية ضد اليمن طرح تساؤلات حول طبيعة الدور الذي تؤديه إسلام آباد في المواجهة الإقليمية الراهنة، وحدود التزاماتها العسكرية تجاه المملكة العربية السعودية، في ظل اتفاق الدفاع المشترك بين البلدين.
فقد نفت وزارة الإعلام والبث الباكستانية، الخميس، صحة تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية بشأن استخدام مقاتلات تابعة للقوات الجوية الباكستانية في استهداف مواقع تابعة لحركة أنصار الله في اليمن، ووصفت المعلومات الواردة فيه بأنها “كاذبة ومختلقة”.
وجاء هذا الموقف بعد يومين من نفي رسمي آخر لتقرير لوكالة «رويترز» تحدث عن نشر ما بين 30 و40 ألف جندي باكستاني في السعودية، حيث اعتبرت السلطات الباكستانية أن الأرقام والتفاصيل المتداولة غير دقيقة وتستند إلى تكهنات.
ويشير تتابع النفيين خلال فترة قصيرة إلى حساسية الملف العسكري لدى إسلام آباد، وحرصها على ضبط المعلومات المتعلقة بالتزاماتها الدفاعية تجاه الرياض، خصوصاً عندما تتصل بإمكانية المشاركة المباشرة في الحرب اليمنية.
بين الالتزام الدفاعي والمشاركة في الحرب
لا تنفي باكستان وجود تعاون عسكري وثيق مع السعودية، بل تؤكد التزامها باتفاق الدفاع المشترك، وما يترتب عليه من مسؤوليات تتعلق بأمن المملكة وحماية أراضيها.
غير أن المسألة الأكثر حساسية تتعلق بتحديد الخط الفاصل بين الدفاع عن الأراضي السعودية والمشاركة في العمليات العسكرية خارج حدودها.
وقد أكد المتحدث العسكري الباكستاني وجود قوات لبلاده في السعودية، فيما نقلت صحيفة «دون» عن وزير الدفاع خواجة آصف حديثه عن وجود قوات باكستانية وتركية في مسرح العمليات، مع تأكيده أن القوات السعودية وحدها تتولى تنفيذ العمليات القتالية.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة لأنها تكشف عن محاولة رسم حدود واضحة، على مستوى الخطاب الرسمي على الأقل، بين الوجود العسكري الباكستاني في السعودية والانخراط المباشر في العمليات الهجومية ضد اليمن.
لكن هذا التمييز لا يجيب عن جميع التساؤلات، إذ تبقى طبيعة المهام العسكرية للقوات الباكستانية، ومستوى الدعم الذي يمكن أن تقدمه للقوات السعودية، من المسائل التي لم تتضح تفاصيلها بصورة كاملة.
حسابات باكستان المعقدة
تواجه إسلام آباد معادلة سياسية وأمنية دقيقة في تعاملها مع الملف اليمني. فمن جهة، تمثل السعودية شريكاً استراتيجياً مهماً لباكستان، وترتبط معها بعلاقات عسكرية واقتصادية ممتدة، فضلاً عن الدور السعودي في دعم الاقتصاد الباكستاني خلال مراحل مختلفة.
ومن جهة أخرى، فإن الانتقال من التعاون الدفاعي إلى المشاركة المباشرة في الحرب اليمنية قد يرتب على باكستان أعباء سياسية وأمنية تتجاوز نطاق علاقتها الثنائية بالرياض.
فالمشاركة في عمليات هجومية داخل اليمن يمكن أن تثير نقاشاً داخلياً حول طبيعة الالتزامات العسكرية الخارجية، ومدى ارتباطها بالمصالح الوطنية الباكستانية، كما قد تؤثر في علاقات إسلام آباد الإقليمية، ولا سيما مع إيران.
وتستحضر هذه التطورات موقف البرلمان الباكستاني عام 2015، حين دعا إلى التزام الحياد في النزاع اليمني، مع تأكيد الوقوف إلى جانب السعودية في حال تعرض سلامة أراضيها للتهديد.
ورغم اختلاف الظروف الإقليمية والاتفاقات العسكرية القائمة اليوم، فإن تلك التجربة تظل مؤشراً مهماً على الحساسية التاريخية لمسألة إرسال القوات الباكستانية للمشاركة في حرب خارجية.
لماذا يتكرر النفي الرسمي؟
يمكن قراءة النفيين المتتاليين لتقريري «رويترز» و«نيويورك تايمز» من زاويتين متكاملتين.
الأولى إعلامية، وتتعلق برغبة السلطات الباكستانية في منع تداول معلومات غير مؤكدة عن حجم قواتها ومهامها، خصوصاً أن مثل هذه التقارير قد تتحول سريعاً إلى مواقف سياسية وإعلامية تُبنى عليها ردود فعل داخلية وخارجية.
أما الثانية فهي سياسية، وتتصل بأهمية الحفاظ على التمييز بين الالتزام بالدفاع عن السعودية والمشاركة في الحرب على اليمن.
ومن هذه الزاوية، لا يبدو النفي مجرد تصحيح لمعلومة صحفية، بل يحمل أيضاً رسالة مفادها أن إسلام آباد لا تريد أن تُنسب إليها عمليات عسكرية هجومية لم تعلن مسؤوليتها عنها.
ومع ذلك، ينبغي عدم تحميل هذا الموقف أكثر مما يحتمل؛ فالنفي يتعلق بادعاءات محددة عن مشاركة الطائرات الباكستانية وحجم القوات المنتشرة، ولا يشكل إعلاناً شاملاً عن حدود جميع أشكال التعاون العسكري بين البلدين.
ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى اليمن؟
من منظور الملف اليمني، تكتسب المواقف الباكستانية أهمية تتجاوز مسألة مشاركة الطائرات في الغارات الجوية.
فالسؤال الأوسع يتعلق بطبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه باكستان في دعم القدرات العسكرية السعودية، سواء من خلال التدريب أو الدفاع الجوي أو الدعم الفني واللوجستي، ومدى ارتباط هذه الأدوار بالعمليات العسكرية الجارية.
ولا تتوافر في التصريحات الرسمية المشار إليها معلومات كافية لتحديد حجم هذه الأدوار أو إثبات ارتباطها المباشر بالعمليات ضد اليمن.
لكن المؤكد أن إسلام آباد تواجه تحدياً يتمثل في كيفية الوفاء بالتزاماتها الدفاعية تجاه الرياض، دون أن تتحول هذه الالتزامات إلى انخراط مفتوح في حرب إقليمية متعددة الأطراف.
ويبدو أن الموقف الباكستاني المعلن، حتى الآن، يقوم على تأكيد التعاون العسكري مع السعودية، مقابل نفي المشاركة الجوية الهجومية داخل اليمن، مع إبقاء تفاصيل بعض المهام العسكرية خارج التداول الإعلامي.
اليمن وباكستان: ضرورة التمييز بين الالتزامات والخصومة
وفي المقابل، تطرح هذه التطورات سؤالاً لا يقل أهمية بالنسبة إلى الجانب اليمني، يتعلق بكيفية التعامل مع الدور الباكستاني في ظل علاقات إسلام آباد الوثيقة بالرياض.
فمن المهم إدراك أن العلاقات الباكستانية السعودية ليست وليدة المواجهة الراهنة، بل تستند إلى عقود من التعاون السياسي والعسكري والاقتصادي، وتترتب عليها التزامات لا تستطيع إسلام آباد التنصل منها بسهولة، بصرف النظر عن موقفها من تفاصيل الصراع اليمني.
ومن هنا، فإن قراءة الموقف الباكستاني من خلال علاقته بالسعودية وحدها قد تقود إلى استنتاجات متعجلة، وتختزل حسابات دولة كبيرة، لها مصالحها وتوازناتها الداخلية والإقليمية، في موقف حليفها السعودي.
كما أن التمييز بين الالتزام الدفاعي والمشاركة المباشرة في العمليات العسكرية يتيح مساحة سياسية ينبغي عدم إغفالها. فليس كل تعاون عسكري مع الرياض موجهاً بالضرورة ضد اليمن، كما أن عدم تبني إسلام آباد للموقف اليمني لا يعني تلقائياً أنها اختارت موقع الخصومة معه.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية التعامل مع الموقف الباكستاني بقدر من الواقعية والصبر السياسي، مع تفهم طبيعة الالتزامات القائمة، وعدم تحويل الاختلاف في المواقف إلى مواجهة سياسية أو إعلامية لا تقتضيها الضرورة.
فالعلاقات بين الدول لا تُبنى دائماً على تطابق المواقف، وإنما قد تقوم أيضاً على إدارة الاختلافات، والحفاظ على قنوات التواصل، والبحث عن مساحات مشتركة تحول دون اتساع دائرة الخصومة.
ومن مصلحة العلاقات الباكستانية اليمنية أن تبقى هذه المساحة قائمة، وأن يجري التمييز بين ما تفرضه التزامات إسلام آباد تجاه الرياض وما تختاره باكستان من سياسات تجاه اليمن. فكلما اتضحت هذه الحدود، أصبحت إدارة العلاقة أكثر واقعية، وأقل عرضة للتوتر الناجم عن سوء التقدير أو التوقعات غير الواقعية.
اختبار لاتفاق الدفاع المشترك
تكشف التطورات الأخيرة أن اتفاق الدفاع المشترك بين باكستان والسعودية دخل مرحلة تتطلب تحديداً عملياً لحدود الالتزامات المتبادلة.
فالاتفاقات الدفاعية قد تبدو واضحة في نصوصها العامة، لكن اختبارها الحقيقي يظهر عندما تتداخل حماية أراضي الدولة الحليفة مع عمليات عسكرية تجري خارج حدودها.
وهنا تبرز مجموعة من الأسئلة التي لم تتضح إجاباتها بعد: هل يقتصر الدور الباكستاني على حماية الأراضي والأجواء السعودية؟ وهل يشمل توفير منظومات دفاعية أو خدمات إسناد للقوات السعودية؟ وما الآليات السياسية والقانونية التي تحكم اتخاذ قرار المشاركة العسكرية إذا اتسعت المواجهة؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة أكثر أهمية من مجرد تحديد عدد الجنود أو الطائرات، لأنها تكشف طبيعة الدور الذي تقبل باكستان الاضطلاع به في الترتيبات الأمنية الإقليمية الجديدة.
الخلاصة
يشكل النفي الباكستاني الأخير مؤشراً على حساسية موقع إسلام آباد في المواجهة المرتبطة باليمن، وعلى أهمية الفصل بين التحالف الدفاعي مع السعودية والمشاركة المباشرة في العمليات العسكرية.
غير أن هذا النفي، على وضوحه بشأن عدم مشاركة الطائرات الباكستانية في قصف اليمن، لا يحسم جميع الأسئلة المتعلقة بطبيعة التعاون العسكري القائم بين البلدين.
وبين التزاماتها تجاه الرياض وحساباتها الداخلية والإقليمية، تبدو باكستان معنية بالحفاظ على توازن دقيق في مقاربتها للملف اليمني؛ وهو توازن يستدعي من الأطراف المعنية قراءة متأنية، تميز بين مقتضيات التحالف الدفاعي وخيارات الانخراط في الحرب، وتترك المجال مفتوحاً أمام التواصل بدلاً من توسيع دائرة الخصومة.
فالتحدي لا يكمن في مطالبة باكستان بالتخلي عن التزاماتها القائمة، ولا في تجاهل ما قد يترتب على هذه الالتزامات من تداعيات على اليمن، وإنما في فهم حدودها والعمل على ألا تتحول العلاقة الدفاعية بين إسلام آباد والرياض إلى مصدر خصومة جديدة بين الشعبين الباكستاني واليمني.
هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة رأي الموقع
المصدر الأصلي: alkhanadeq.com




