صحافة

فورين أفيرز: أسطورة النصر العسكري

يعالج  أستاذ السياسة الدولية والشؤون العامة في جامعة كولومبيا، والزميل الأول المساعد لسياسة الدفاع في مجلس العلاقات الخارجية، ستيفن بيدل، والزميل الأول في التكنولوجيا والشؤون الدولية في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، سام وينتر-ليفي، والأستاذ المشارك في الخدمة الخارجية والحكومة بجامعة جورجتاون، ومدير مركز جورجتاون للدراسات الأوراسية والروسية وأوروبا الشرقية، يوري جوكوف، في هذا المقال الذي نشرته مجلة “فورين أفيرز” وترجمه موقع الخنادق الالكتروني، إحدى أبرز وأهم الإشكاليات حول الحروب والصراعات العسكرية، وهي موضوع النصر العسكري، التي يصفونها بأنها “الفكرة الخطيرة التي تقود حروب الاختيار اليوم”، مقارنين ما بين النصر بمعناه السياسي في الحرب وما بين النصر العسكري الحاسم ومخاطره وأسطوريته.

النص المترجم:

النصر العسكري فكرة آسرة. فحملة قصيرة وعنيفة تهزم العدو وتَعِد بمكاسب مقابل كلفة يمكن تحمّلها. كانت إدارة ترامب تتوقع مثل هذه النتيجة في إيران في شباط/فبراير 2026. وسعت حكومة نتنياهو إلى تحقيقها في غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023، ثم في لبنان وإيران. وافترض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن غزوه لأوكرانيا عام 2022 سيحققها. كما يندد كثير من منتقدي السياسة الأميركية في أفغانستان والعراق بالفشل في تحقيق نصر عسكري، ويقارنون هذه الحروب بالنتائج الحاسمة في ساحات القتال التي يعتقدون أن الولايات المتحدة حققتها في حرب الخليج 1990-1991 والحرب العالمية الثانية. وحتى وقت قريب، كانت النقاشات حول المساعدات الأميركية لأوكرانيا تتضمن دعوات واسعة لمساعدة البلاد على تحقيق نصر عسكري، مع رفض المفاوضات باعتبارها استرضاءً.

ومع ذلك، فإن الذين يستخدمون هذا المصطلح نادراً ما يعرّفونه. “النصر” يعني تحقيق الأهداف السياسية التي خاض المرء الحرب من أجلها. لكن “النصر العسكري” ينطوي على ما هو أكثر من ذلك. فالصفة تشير إلى أن تلك الأهداف تُؤمَّن من خلال القتال، وليس على طاولة المفاوضات. وتتطلب المفاوضات تنازلات، كما تتيح المماطلة التي قد تستنزف الإرادة السياسية. أما النصر في ساحة المعركة، فيَعِد بعدو مهزوم لا يملك خياراً حقيقياً سوى قبول شروط المنتصر، وفي الموعد الذي يحدده المنتصر. وهذه الوعود هي ما يجعل الفكرة جذابة إلى هذا الحد وواسعة الانتشار.

لكن مفهوم النصر العسكري هو أسطورة خطيرة. فجميع الحروب الحديثة تنتهي بتسويات تفاوضية؛ والمحادثات ليست خياراً احتياطياً من الدرجة الثانية. ولكي تنتهي الحرب، يجب أن يختار الطرفان التوقف عن القتال، وهذه الخيارات تتطلب دائماً قدراً غير هامشي من التفاوض. وبالطبع، فإن التدمير مهم. فهو ما يميز الحرب عن السياسة في زمن السلم. لكن دوره يتمثل في تشكيل التسوية، وليس في القضاء على العدو، وهو أمر نادراً ما يحدث.

وقد أدت أسطورة النصر العسكري مراراً إلى دفع الحكومات إلى بدء الحروب أو إطالتها استناداً إلى افتراضات خاطئة بشأن كيفية انتهائها. فقد اعتقدت إدارة ترامب أن القوة يمكن أن تجبر إيران على الاستسلام غير المشروط؛ لكن الولايات المتحدة تجد نفسها بدلاً من ذلك في حالة جمود. كما أن قناعة حكومة نتنياهو بأنها قادرة على هزيمة حماس عسكرياً أطالت حرب غزة سعياً وراء هدف يتعذر تحقيقه. أما توقع بوتين تحقيق نصر في ساحة المعركة في أوكرانيا، فقد أغرق البلدين في حرب لا تبدو لها نهاية واضحة.

وإذا ارتكب الزعيم الصيني شي جين بينغ الخطأ نفسه، فقد يؤدي أي هجوم على تايوان إلى توريط بكين في صراع يكون بدؤه أسهل من إيقافه، مع تداعيات تتجاوز بكثير مضيق تايوان. وإذا افترضت الولايات المتحدة أنها قادرة على تحقيق نصر عسكري في حرب مع الصين، فقد تجد نفسها هي الأخرى مستنزفة في صراع لا تستطيع إنهاءه بسهولة.

كما أن التفكير المضطرب بشأن كيفية انتهاء الحروب يؤدي إلى أخطاء قبل الحرب في مجالات الاستخبارات والتحديث وتصميم القوات. وسوء فهم العلاقة بين التفاوض والقتال يؤدي إلى فشل منهجي في دمج استراتيجية التفاوض مع تخطيط الحملات العسكرية. وما دام صانعو السياسات لا يدركون أن الحروب لا تنتهي إلا عندما يكون الطرفان مستعدين لإلقاء السلاح، فإنهم سيواصلون الشعور بالإحباط بسبب عجز القوة العسكرية عن تحقيق أهدافهم السياسية.

قرطاج كانت الاستثناء

لم تتمكن أي حرب حديثة من تدمير قدرة العدو على المقاومة. فبإمكان المقاتلين دائماً مواصلة القتال إذا اختاروا ذلك، حتى بعد أن يسحق العدو قواتهم العسكرية في الميدان أو يستولي على عاصمتهم. ويمكن لهذا الإصرار على المقاومة أن يقلب موازين القوى ويحدد نتيجة الحروب. ويتطلب الفوز في الحرب تقديم صفقة للمقاتلين الباقين على قيد الحياة (والمحتملين) يفضلونها على مواصلة المقاومة. وقد تكون هذه الصفقات أحادية الجانب. لكن الشروط والتفاوض يظلان مهمين دائماً: فلا تنتهي أي حرب ما لم يختَر الطرفان قبول تسوية والتوقف عن القتال.

والبديل الوحيد هو القضاء جسدياً على الأعداء. وقد نجحت روما في ذلك عندما أنهت الحرب البونيقية الثالثة باستعباد مواطني قرطاج الذين بقوا على قيد الحياة، ووفقاً للرواية المتداولة، قامت بتمليح أنقاض المدينة حتى لا ينمو فيها شيء من جديد. لكن أياً من الحروب في العصر الحديث لم يستوفِ هذا المعيار، والقليل منها اقترب منه. فمنذ انتهاء الحروب النابليونية عام 1815، خسرت الأطراف المهزومة في الحروب بين الدول نسبة وسطية تبلغ 8 في المئة من قواتها. وفي ثلثي هذه الحالات، كانت النسبة أقل من 10 في المئة. وكانت باراغواي الدولة الوحيدة التي خسرت أكثر من 90 في المئة من قواتها، وذلك خلال حرب التحالف الثلاثي (1864-1870). ويقبل معظم المتحاربين الهزيمة، أي التسوية بشروط غير مواتية، قبل وقت طويل من نفاد قدرتهم على المقاومة.

وقد تكون التسويات التي تنهي الحروب صريحة أو ضمنية. فالمفاوضات الصريحة تتضمن اتصالاً مباشراً وعروضاً وعروضاً مضادة؛ ومن أمثلتها هدنة الحرب الكورية واتفاقيات دايتون عام 1995 التي أنهت الحرب في البوسنة. أما التفاوض الضمني، فيستخدم الأفعال أو التهديدات أو التصريحات لإيصال إشارات بشأن قبول الشروط أو رفضها من دون إجراء محادثات رسمية.

على سبيل المثال، انتهت حرب الخليج 1990-1991 عندما أعلن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة وقفاً أحادياً لإطلاق النار، وتوقف العراقيون عن القتال أيضاً، من دون تبادل دبلوماسي. فقد أظهر القتال للرئيس العراقي صدام حسين أن استمرار المقاومة سيؤدي إلى مزيد من تقدم قوات التحالف، وربما إلى بغداد؛ في حين أشارت الهدنة إلى أن القوات الأميركية وقوات حلفائها ستبقي على مواقعها إذا فعل العراقيون الشيء نفسه. فهم صدام الرسالة ورد بالمثل. ثم أصدر الجنرال نورمان شوارزكوف، قائد التحالف، تعليماته إلى بغداد بإرسال وفد عسكري إلى مطار صفوان للتفاوض بشأن فك الاشتباك. وكانت النتيجة تميل بشدة لمصلحة الولايات المتحدة وحلفائها. فقد حرروا الكويت، وهو هدفهم المركزي. وحافظ صدام على نظامه، لكنه خسر مكاسبه الإقليمية وواجه قيوداً بعد الحرب، ليصبح وضعه أسوأ مما كان عليه قبل غزوه.

كان هذا نصراً لا لبس فيه، لكنه لم يتحقق عبر تدمير قدرة العراق على المقاومة. فعند وقف إطلاق النار، كان الجيش العراقي يحتفظ بمعظم قوته التي كان عليها قبل الحرب. وقُتل ما يصل إلى 50 ألف جندي عراقي وأصيب 75 ألفاً بجروح، من قوة تجاوز تعدادها مليون جندي، أي أقل من 15 في المئة. وقد نجا أكثر من 800 ألف جندي، وكان بإمكانهم مواصلة القتال. وبعد أيام، سحقت القوات العراقية انتفاضات الشيعة في الجنوب.

ولم يكن قرار صدام بالتوقف عام 1991 مجرد قبول بالواقع. وتُظهر تجربة العراق في حربه التالية مع الولايات المتحدة السبب وراء ذلك. ففي عام 2003، انهار الجيش العراقي بعد 7 أسابيع فقط من القتال، إذ تخلى جنوده عن مواقعهم وأسلحتهم وقادتهم وخلعوا زيهم العسكري. وبحلول منتصف أيار/مايو، كان صدام عاجزاً عن حشد قوة عسكرية أقل بكثير مما كان متاحاً له في صفوان عام 1991. وإذا كان من الممكن لأي دولة أن تنهي حرباً عبر نزع سلاح العدو، لكان ينبغي للولايات المتحدة أن تفعل ذلك في العراق بحلول أيار/مايو 2003. لكنها لم تفعل.

لم يعد الجيش العراقي قادراً على الاحتفاظ بالأرض أو مقاومة تقدم قوات التحالف، لكن كثيراً من جنوده واصلوا القتال، حتى بعد سقوط بغداد، ولم يكن أمامهم سوى اللجوء إلى أساليب حرب غير نظامية. وقد فهم البعثيون السنة الشروط الضمنية المعروضة عليهم: الحياة في ظل حكومة شيعية نصّبتها الولايات المتحدة. ففضلوا مواصلة القتال. وتكبد الجيش الأميركي أقل من 3,000 خسارة في عام 2003، لكنه تكبد أكثر من 33,000 خسارة خلال السنوات الثماني التالية. وفشل المتمردون في إعادة نظام صدام، لكن الحرب لم تنتهِ عام 2003، عندما سقطت بغداد وتلاشى الجيش النظامي العراقي.

وتقدم أفغانستان مثالاً مماثلاً. فبحلول منتصف عام 2002، كان الغزو الأميركي قد نزع سلاح جيش طالبان، واحتل كابول، ودفع قادة الحركة إلى خارج البلاد. ومثل البعثيين العراقيين بعد عام، واجهت طالبان عدواً متفوقاً يسيطر على وطنها، من دون أي أفق فوري لاستعادة العاصمة. وإذا كان “النصر العسكري” قادراً على إنهاء الحرب، لكان ينبغي أن تكون أفغانستان أيضاً نجاحاً أميركياً حاسماً. لكنها لم تكن كذلك. فقد رفض الناجون من طالبان الشروط المعروضة عليهم، أي حكومة أفغانية تستبعدهم، رغم أن وضعهم كان أكثر سوءاً بكثير من وضع صدام عام 1991. وواصلوا القتال كقوة غير نظامية، وبحلول عام 2021 كانوا قد استعادوا كابول، وأخرجوا القوات الأميركية، وأعادوا فرض حكمهم.

إن صعوبة تحقيق النصر العسكري لا تعني أن الفاعلية في ساحة المعركة تصبح غير مهمة. لكن الهدف من القتال هو تشكيل قدرة الطرفين على التفاوض من خلال تغيير توقعاتهما بشأن التكاليف المستقبلية، وليس القضاء على العدو. فالنجاح في القتال يتيح إجراء مفاوضات مثمرة، لكنه لا يمثل بديلاً عنها.

شروط الاستسلام

لعل المثال الأكثر استشهاداً به على النصر العسكري، أي فرض انتصار بالقوة الغاشمة على عدو مهزوم تماماً، هو غزو الحلفاء لألمانيا النازية واليابان الإمبراطورية في الحرب العالمية الثانية. ففي صراعات تمتد من أفغانستان إلى أوكرانيا وغزة، يستشهد صانعو السياسات والمعلقون بالتدمير العسكري المزعوم لألمانيا واليابان، في مقارنة مباشرة مع الحروب التي انتهت بنتائج تفاوضية. لكن الحرب العالمية الثانية لم تنتهِ لأن المهزومين لم يكن أمامهم خيار سوى الاستسلام. فالقتال لم ينزع سلاح ألمانيا أو اليابان. واحتفظ كلا البلدين بالقدرة على إلحاق خسائر بشرية هائلة بالحلفاء، ولم يستسلم أي منهما استسلاماً غير مشروط. فقد قدم المنتصرون شروطاً واضحة، أي شروطاً محددة، لكليهما. وكانت هذه التنازلات صغيرة، وحقق الحلفاء نصراً لا لبس فيه. لكن حتى الحرب العالمية الثانية انتهت بتسويات بين أطراف كانت لديها خيارات.

حشدت اليابان الإمبراطورية ما يقرب من 8 ملايين جندي خلال الحرب. وقُتل أقل من مليوني جندي في القتال. وعندما استسلمت اليابان في آب/أغسطس 1945، كان أكثر من ستة ملايين جندي مسلح ومجهز ويرتدي الزي العسكري وتحت قيادة منظمة لا يزالون في الميدان. ولم يكن بإمكان هذه القوات استعادة الفتوحات اليابانية، التي كان الحلفاء قد عكسوها تدريجياً منذ منتصف عام 1942. وبحلول صيف عام 1945، كانت الولايات المتحدة قد دفعت البحرية اليابانية إلى الموانئ، وقطعت سيطرة طوكيو على المجال الجوي والممرات البحرية، ما جعل الحلفاء على أهبة الاستعداد لغزو اليابان والإطاحة بالإمبراطور هيروهيتو.

ومع ذلك، واصلت اليابان المقاومة، ليس لأنها كانت تتوقع تدمير جيوش الحلفاء، أو استعادة الأراضي التي فقدتها، أو إغراق قوة الغزو في البحر، وإنما لأنها سعت إلى تأمين شروط تسوية أكثر احتمالاً من خلال التهديد بقتل عدد من العسكريين يفوق ما كان الحلفاء مستعدين للتضحية به. واحتفظت اليابان بقدر كبير من القدرة على التأثير في مسار التفاوض. ففي أوكيناوا، التي سقطت في حزيران/يونيو 1945، أوقعت القوات اليابانية 50 ألف خسارة في صفوف القوات الأميركية. وفي آب/أغسطس، قدرت وزارة الحرب الأميركية أن غزو اليابان سيكلف مئات الآلاف من الخسائر الإضافية. وقد فهم القادة اليابانيون ذلك، وأملوا في أن يدفع هذا الاحتمال الأميركيين إلى تخفيف شروطهم. وقد حدث ذلك بالفعل.

كان الحلفاء قد طالبوا بـ”الاستسلام غير المشروط” في مؤتمر الدار البيضاء في كانون الثاني/يناير 1943، لكنهم لم يحددوا قط ما الذي يعنيه ذلك. وافترض المسؤولون في طوكيو أن الأمر يشمل تفكيك النظام الإمبراطوري وسجن الإمبراطور. وعلى مدى أكثر من عامين، واصلت اليابان القتال بدلاً من قبول مثل هذه النتيجة.

وفي 26 تموز/يوليو 1945، وقبل الغزو المقرر لليابان في تشرين الثاني/نوفمبر، أصدر الحلفاء إعلان بوتسدام. وعلى الرغم من أنه دعا مرة أخرى إلى الاستسلام “غير المشروط”، فإن الوثيقة عرضت عدة شروط واضحة. فستحتفظ اليابان بسيادتها على جزرها الأربع الرئيسية. وسيعود أفراد قواتها المسلحة إلى ديارهم من دون اعتقال. وستحتفظ البلاد بصناعتها، ولن يخضع شعبها للعمل القسري. كما ستحصل على إمكانية الوصول إلى المواد الخام والتجارة. ولم يطالب الإعلان، في الواقع، باستسلام غير مشروط؛ بل حدد شروطاً للاستسلام.

والأهم من ذلك أن الإعلان التزم الصمت بشأن وضع الإمبراطور، في انعكاس لنقاشات واسعة داخل أوساط المسؤولين في الحكومة الأميركية. فقد دعا بعضهم، مثل وزير الخارجية جيمس بيرنز، إلى المطالبة صراحة بمحاكمة هيروهيتو بتهم جرائم الحرب. بينما رأى آخرون، مثل وزير الحرب هنري ستيمسون، أن ذلك سيطيل أمد الحرب، وفضّلوا السماح لهيروهيتو بالبقاء على العرش. وجاءت الوثيقة النهائية كحل وسط، إذ لم تقل شيئاً بشأن هذه المسألة. وكان ستيمسون يأمل في أن تفهم اليابان هذا الإغفال باعتباره عرضاً ضمنياً للإبقاء على النظام الملكي، وكان محقاً. فقد فسّرت طوكيو هذا الصمت على أنه إشارة إلى إمكانية بقاء الإمبراطور. وظل هيروهيتو إمبراطوراً حتى وفاته عام 1989.

كان هذا التنازل محدوداً، لكنه لم يكن هامشياً. ظل تغيير النظام الهدف المركزي للحلفاء، لكنه لم يكن هدفهم الوحيد على الإطلاق. فقد كانت الحكومة الحربية الأميركية بأكملها تعتبر محاكمة الإمبراطور هدفاً مهماً. وكان بعض أعضائها مستعدين للتخلي عن هذا الهدف من أجل إنهاء الصراع، بينما لم يكن آخرون مستعدين لذلك. وكان الإبقاء على هيروهيتو يعني التخلي عن هدف أقل أهمية من تغيير النظام، لكنه كان لا يزال هدفاً مهماً.

وقد كلف تمسك اليابان بالمطالبة بهذا التنازل ثمناً باهظاً. فقبول شروط ما قبل بوتسدام قبل بضعة أشهر كان من شأنه إنقاذ مئات الآلاف من الأرواح والحيلولة دون القصفين الذريين لهيروشيما وناغازاكي. ومع ذلك، نجحت طوكيو بالفعل في انتزاع تغيير في العرض الذي قدمه الحلفاء، ونتيجة لذلك لم يكن استسلامها غير مشروط. فقد كانت هزيمة اليابان صفقة أحادية الجانب، وليست نصراً عسكرياً فُرض على خصم من دون أن تكون لديه قدرة على الاختيار.

وتقدم ألمانيا حالة مماثلة. فعندما استسلمت في أيار/مايو 1945، كان الجيش الألماني “فيرماخت” لا يزال يضم أكثر من 3 ملايين جندي مسلح يواصلون المقاومة فعلياً. وكانت القوات الألمانية قد بدأت تخسر الأرض منذ معركة ستالينغراد عام 1943، وبحلول أوائل عام 1945، كان الحلفاء يتقدمون عميقاً داخل أراضي الرايخ. ومع ذلك، واصل الجيش الألماني القتال، ملحقاً خسائر فادحة حتى النهاية. وفي معركة برلين، التي دارت في نيسان/أبريل وأيار/مايو، قُتل أو جُرح أو أُعلن عن فقدان أكثر من 360 ألف جندي سوفياتي.

وكان بإمكان الملايين من جنود الفيرماخت الذين بقوا على قيد الحياة أن يتواروا في الأرياف، ويتحولوا إلى تمرد مسلح، ويواصلوا القتال بعد سقوط برلين، كما ستفعل حركة طالبان الأفغانية والبعثيون العراقيون بعد عقود. وكان الدائرة المقربة من هتلر قد درست بالفعل القيام بذلك، ووضعت خططاً مكتوبة للمقاومة بأسلوب حرب العصابات. لكن خلفاءه اختاروا إنهاء الحرب ووقعوا وثيقة الاستسلام في 7 أيار/مايو. وكما في حالة اليابان، كان هذا خياراً، وكان بإمكان الألمان أن يختاروا خلافه. لكن قادتهم قرروا بدلاً من ذلك أن الشروط المعروضة كانت أفضل من كلفة صراع طويل الأمد كانت ألمانيا قادرة تماماً على خوضه.

وعلى الرغم من أن الشروط كانت تميل بشدة إلى جانب الحلفاء، فإن الشروط التي قبلتها ألمانيا لم ترقَ إلى استسلام غير مشروط. فقد قدم الحلفاء شروطاً صريحة، وخففوا منها في أوائل عام 1945 لإقناع الألمان بإلقاء السلاح. وفي ذلك الخريف، كان صانعو السياسات الأميركيون قد اقترحوا “خطة مورغنثاو” لألمانيا بعد الحرب. وكانت الخطة، التي وضع خطوطها الأولى وزير الخزانة هنري مورغنثاو، تهدف إلى جعل البلاد عاجزة عن شن أي عدوان مستقبلي من خلال نزع التصنيع عنها، ونزع سلاحها، وتقسيمها إلى دول صغيرة فقيرة. وكانت الخطة تقضي بتجريد البلاد من مصانعها، وتدويل منطقة الرور الصناعية، وإعادة توطين القوى العاملة في المنطقة في أماكن أخرى، وتدمير مناجمها، وإجبار المدنيين الألمان على العمل في الخارج، ومصادرة الأصول الألمانية.

وعندما تسرّبت الخطة في أيلول/سبتمبر 1944، استغلها وزير الدعاية النازي جوزيف غوبلز لحشد الجمهور الألماني. وقال إنه إذا كان هذا ما سيفعله الحلفاء، فعلى الألمان أن يقاوموا حتى آخر رصاصة. وأصدر تعليماته إلى القوات الألمانية في مدينة آخن، التي كانت تتعرض لهجوم أميركي آنذاك، بأن تجعل “كل منزل… حصناً”. وبإلقاء المسؤولين الحلفاء اللوم على خطة مورغنثاو في المقاومة المتعصبة للمدينة، تنصلوا منها علناً وخففوا موقفهم. وفي يالطا في شباط/فبراير 1945، أعلن الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت: “ليس هدفنا تدمير الشعب الألماني”. وقد استبعدت شروط الاستسلام النهائية نزع التصنيع والعمل القسري والتدمير الاقتصادي الدائم. وفي الأسابيع الأخيرة من الحرب، أضاف الحلفاء شروطاً صريحة: ألا تتعرض ألمانيا للضم، وأن تبقى مستقلة، وإن لم تكن ذات سيادة أو موحدة، وأن تعتمد على المواطنين الألمان المسلحين في حفظ الأمن.

كانت هذه الشروط محدودة. وقد حقق الحلفاء نصراً واضحاً. وتخلت ألمانيا عن جميع أهدافها الحربية، وخضعت للاحتلال، وظلت مقسمة لمدة 45 عاماً. ومع ذلك، فإن الشروط التي انتهت الحرب على أساسها لم تكن هامشية. فقد أراد الحلفاء زوال النظام النازي، لكن ذلك لم يكن كل ما أرادوه. وكان وضع ألمانيا ما بعد النازية مهماً للغاية للألمان والأميركيين على حد سواء.

فضّل روزفلت سلاماً عقابياً من شأنه إذلال ألمانيا وإضعافها بصورة دائمة؛ لكنه قبل بنتيجة أكثر سخاءً لأن النموذج الذي كان يفضله في البداية بدا غير مقبول بالنسبة إلى الألمان. وقد أفضت مداولات مكثفة إلى هذا القرار، في انعكاس لجهد واعٍ لتخفيف شروط رأى قادة الحلفاء أنها قاسية أكثر من اللازم. وقبلت ألمانيا شروطاً قدمت لها على الأقل بعض الضمانات لما بعد الحرب، بعدما أدرك الموقعون أن الحلفاء لم يعودوا يعتزمون شلّ ألمانيا إلى الأبد. وكانت النتيجة صفقة قسرية أحادية الجانب وضمنية، لكنها كانت صفقة مع ذلك.
لا صفقة، لا سلام

لا يمكن لأي حرب أن تنتهي من دون عرض يستطيع العدو قبوله، مهما كانت قوة القوات المسلحة أو مدى اختلال ميزان القتال لمصلحة أحد الطرفين. فبإمكان المتحاربين في معظم الحالات مواصلة القتال، كما فعلت طالبان عام 2002 والبعثيون العراقيون عام 2003، حتى بعد خسارة عواصمهم وجيوشهم النظامية، وكما كان بإمكان الألمان واليابانيين أن يفعلوا عام 1945. ويمكن لهذه المقاومة المستمرة أحياناً أن تقلب موازين القوى بصورة دراماتيكية، كما حدث مع طالبان بحلول عام 2021. وقد يكون قرار مواصلة القتال مكلفاً، لكنه ليس بالضرورة عبثياً.

وهذا الأمر يتجاوز مجرد الدلالات اللغوية. فالمفاهيم الخاطئة بشأن النصر العسكري تكتسب أهمية بالغة. وقد يرفض صانعو السياسات الذين ينظرون إلى التفاوض باعتباره بديلاً من الدرجة الثانية عن النصر العسكري، مبادرات دبلوماسية كان من الممكن أن تقصّر أمد الحروب أو حتى أن تقلب نتائجها النهائية. وبعد سقوط كابول، تواصل ممثلون عن النظام السابق مع الولايات المتحدة، سعياً إلى التوصل إلى صفقة تمنحهم وضعاً قانونياً ودوراً في أفغانستان الجديدة. لكن إدارة جورج دبليو بوش، اعتقاداً منها أنها حققت نصراً عسكرياً ولم تعد بحاجة إلى التفاوض مع عدو مهزوم، رفضت هذه المبادرات وأقامت حكومة استبعدت طالبان وأنصارها. وكانت النتيجة عقدين من الحرب، وعشرات الآلاف من القتلى، وتكاليف بلغت تريليونات الدولارات، وفي نهاية المطاف عودة طالبان إلى الحكم بصورة كانت أقل توافقاً بكثير مع المصالح الأميركية مما كان يمكن أن تكون عليه تسوية توفيقية عام 2002.

ولا تقتصر هذه المشكلة على أفغانستان. ففي أثناء الحرب العالمية الثانية، سعت مقاومة مناهضة لهتلر داخل ألمانيا إلى إسقاط الحكومة النازية والتفاوض على إنهاء مبكر للحرب. وكادت الحركة أن تغتال هتلر عام 1944. لكن إصرار الحلفاء على الاستسلام غير المشروط قيد قدرة هذه المعارضة على التحرك. فقد كان من الصعب على أعضائها إقناع النخب الألمانية الأخرى بالمخاطرة بحياتها في مؤامرة انقلاب، في حين أن نجاحها لن يؤدي إلا إلى تدمير ألمانيا على يد الحلفاء الذين لا يرحمون. وحتى لو عُرضت شروط عام 1945 في وقت أبكر، فربما كان المتآمرون سيفشلون على أي حال، أو ربما كان الانقلاب سينجح من دون أن يؤدي إلى تسوية مبكرة. ومع ذلك، فإن سعي الحلفاء إلى تحقيق نصر عسكري لم يحسّن الاحتمالات.

وتقدم حرب إدارة ترامب مع إيران مثالاً آخر. فقد حدد البيت الأبيض أهدافاً مختلفة، لكنه صمم حملته منذ البداية لإجبار إيران على ما وصفه الرئيس دونالد ترامب بـ”الاستسلام غير المشروط”، وليس لخلق أوراق قوة على طاولة المفاوضات. إن التنصل من اتفاقات سابقة، وشن هجمات مفاجئة في خضم محادثات جارية، وقتل مسؤولين كانت واشنطن قد حددتهم على أنهم أكثر استعداداً للتفاوض، وهي أمور قامت بها الولايات المتحدة كلها في الأسابيع الأولى من الحرب، ليست تكتيكات تهدف إلى تعزيز فرص التوصل إلى اتفاق. وقد ترك توقع تحقيق نصر عسكري الإدارة من دون تصور لكيفية إنهاء القتال، حتى مع تصاعد التكاليف: مليارات الدولارات من النفقات، وضغوط على مخزونات الأسلحة، واضطرابات اقتصادية أوسع نطاقاً.

وتقدم الحرب في أوكرانيا الخطأ نفسه. فقد بدأ بوتين حرباً لم تكن لديه وسيلة واقعية لإنهائها بسرعة أو بكلفة منخفضة. وعندما فشلت مغامرته بحلول نيسان/أبريل 2022، لم يعد إلى مسار التفاوض الذي انفتح لفترة وجيزة في آذار/مارس. وبدلاً من ذلك، صعّد الحرب. وفي أيلول/سبتمبر من ذلك العام، ضمت روسيا أربع مناطق أوكرانية لم تكن تسيطر عليها بالكامل، وهي خطوة ضيقت منذ ذلك الحين هامش موسكو للمساومة.

وبدلاً من التفاوض الجدي، وسّع الكرملين الحرب مرة تلو الأخرى: بقصف البنية التحتية المدنية في أوكرانيا، وتعبئة قوات إضافية، واستهداف الصناعة الأوروبية في حملة تخريبية مستترة إلى حد كبير. تنتهي جميع الحروب في نهاية المطاف على طاولة المفاوضات، لكن لا يستطيع أي طرف متحارب استدعاء صفقة متى شاء. فلا بد أن يكون الطرفان مستعدين للتسوية، وروسيا ليست كذلك.

كما أنه لم يكن بإمكان أي استراتيجية واقعية تتبعها الولايات المتحدة وأوروبا أن تنهي الحرب الروسية من دون موافقة بوتين. وحتى مع تقديم مساعدات أميركية وأوروبية كبيرة، لم يكن بإمكان أوكرانيا تحقيق نصر عسكري أكثر مما كان بإمكان روسيا تحقيقه، في حين أن الشروط القصوى التي طرحتها موسكو كانت تعني إنهاء السيادة الأوكرانية. ومنذ البداية، كان ينبغي لصانعي السياسات الأميركيين والأوروبيين أن يدركوا أنهم يواجهون حرباً طويلة لا مخرج سهلاً منها، وهي حرب تتطلب تعبئة صناعية مستدامة، وليس سلسلة من حزم المساعدات قصيرة الأجل. ولم تكن تلك الحزم ترسل أي إشارة موثوقة بشأن التزام الحلفاء، سواء إلى شركات الصناعات الدفاعية أو إلى الكرملين. فالهدف من القتال هو فتح مجال للتفاوض؛ لكن خيارات بوتين لم تفتح أي مجال من هذا القبيل، ولن يؤدي إلى فتحه سوى قدر كبير من القتال الشاق الإضافي.

عادة مكلفة

يمكن أن يؤدي سوء فهم كيفية انتهاء الحروب إلى عمليات عسكرية سيئة التصميم. وبما أن جميع الحروب تنتهي بتسوية، فإن الغرض العقلاني الوحيد من القتال هو تغيير شروط تلك التسوية لمصلحة المرء. ومع ذلك، نادراً ما يدمج صانعو السياسات الأميركيون استراتيجية التفاوض مع تخطيط الحملات العسكرية. فقد استبعدت خطط الحرب الأميركية في أفغانستان بين عامي 2009 و2013، بما فيها الخطط التي تبنتها واشنطن بعد بدء المحادثات مع طالبان عام 2011، مسؤولي وزارة الخارجية المكلفين بالتسوية السياسية، ولم توضح قط كيف ستؤدي العمليات العسكرية المستمرة إلى خلق أوراق قوة في التفاوض. وبدلاً من ذلك، بقيت القوات الأميركية في الغالب مرتبطة بمواقع ثابتة لتوفير الأمن للسكان. وأدى ذلك إلى إضعاف موقف واشنطن من خلال الحد من قدرتها على إعادة نشر القوات وتهديد فصائل طالبان المختلفة أو مكافأتها بصورة موثوقة، بناءً على استعدادها للتفاوض.

كما يمكن أن يؤدي التركيز المفرط على النصر العسكري إلى تشويه التخطيط الدفاعي في زمن السلم. فالجيش الأميركي اليوم يبني هيكله على افتراضات تتعلق بحروب قصيرة وحاسمة. ومخزونات الذخائر محدودة. والاستعداد لإعادة بناء قوة محترفة عالية المهارة محدود للغاية. كما أن صيانة الأسلحة والمعدات الاحتياطية ضعيفة. وتبادل هذه السياسات القدرة على الصمود على المدى الطويل بالفتك على المدى القصير، وتفترض أن الولايات المتحدة قادرة على إنهاء الصراع سريعاً من خلال تدمير جيش الخصم. لكن إذا كان إنهاء الحرب مسألة تفاوض قسري، يستطيع فيه الأعداء في معظم الحالات مواصلة القتال، فإن واشنطن لا تستطيع فرض حروب قصيرة بقرار أحادي. وتقتضي الحكمة إعادة النظر في الخيارات التي تفترض العكس.

وليس المخططون الأميركيون وحدهم من يواجه هذه المشكلة. فالافتراضات المتعلقة بالحروب القصيرة، والقائمة على فكرة النصر العسكري، خطيرة على الجميع. فعلى سبيل المثال، ينبغي للحزب الشيوعي الصيني ألا يفترض أن حملة سريعة يمكن أن تنهي حرباً بشأن تايوان. وستعتمد مدة هذه الحرب على قرارات في تايبيه وواشنطن تستطيع بكين التأثير فيها، لكنها لا تستطيع التحكم بها. وبدء حرب لا تحقق مكاسبها إلا إذا استسلم العدو بسرعة هو مقامرة، ويمكن أن يؤدي بسهولة إلى صراع طويل ومستنزف تتجاوز كلفته النهائية قيمة المصالح المتنازع عليها.
ولا يمكن للولايات المتحدة أيضاً أن تفترض أن مخزوناً صغيراً من الأسلحة المتطورة سيؤدي سريعاً إلى هزيمة الجيش الصيني. فإذا واصلت الصين القتال، فلن تكون الحرب قصيرة، مهما كان حجم القوة النارية التي تحشدها الولايات المتحدة. وإذا قبلت تايوان شروطاً غير مواتية بدلاً من مواصلة القتال، فستكون التسوية سيئة، مهما كان حجم المساعدة التي تقدمها واشنطن. ويمكن للقوة العسكرية الأميركية أن تؤثر في هامش التفاوض، لكنها لا تستطيع كسب الحرب من دون اتفاق تقبل فيه جميع الأطراف شروطاً تحافظ على المصالح الأميركية.

ولذلك، فإن التخطيط لمثل هذا الصراع يتطلب أكثر من مجرد إحصاء السفن والصواريخ والطائرات. وستعتمد نتيجة أي حرب حول تايوان على استعداد تايوان لتحمل القصف والحصار، وعلى حسابات شي جين بينغ بشأن الكلفة السياسية لصراع طويل الأمد مقارنة بمخاطر التراجع، وعلى دافعية القوات الصينية التي ستواجه، للمرة الأولى منذ نصف قرن، صراعاً واسع النطاق. ويصعب تقييم هذه المتغيرات أكثر من إجراء مقارنات بين المعدات العسكرية، لكنها مرشحة بالقدر نفسه لتحديد كيفية انتهاء مثل هذه الحرب.

لا يمكن للقوة العسكرية أن تلغي إرادة الخصم وقدرته على اتخاذ القرار بالكامل. وسيواصل صانعو السياسات الذين يتجاهلون هذه الحقيقة شن حروب لا يستطيعون إنهاءها بنجاح، كما ستكون خططهم وقواتهم غير مهيأة بشكل جيد للصراعات التي يجدون أنفسهم في نهاية المطاف يخوضونها. إن التشبث بأسطورة النصر العسكري عادة مكلفة.


المصدر الأصلي: alkhanadeq.com

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى