صحافة

الحروب بخواتيمها.. فهل تراجع السلطة اللبنانية مواقفها وقراراتها؟

الحروب بخواتيمها

في كرة القدم، كثيراً ما نرى ضغطاً وهجمات واستحواذاً على الكرة وتسديدات على المرمى من فريق طوال شوطي المباراة، حتى نظن في كل لحظة أن هذا الفريق قد انتصر وفاز بالمباراة، لكن، وعلى عكس مجريات أحداثها، وبهجمة مرتدة واحدة، يسجل الفريق الآخر هدفاً ويفوز بالمباراة.

وفي الملاكمة يبدو المثال أوضح؛ فكم من مباريات بدت وكأنها ستنتهي بانتصار ملاكم على آخر، بعدما تفوق عليه في عدد الجولات والنقاط، لكنّه يتلقى في إحدى الجولات الأخيرة لكمة قوية، أو ما يُسمّى بالضربة القاضية، فيسقط خاسراً المباراة، ومعها كل ما راكمه من نقاط خلال الجولات السابقة.

وفي مباراة لينوكس لويس ضد هاسيم رحمن عام 2001، كان لويس بطل العالم في الوزن الثقيل، ويسيطر على النزال بكل سهولة ويسخر من خصمه داخل الحلبة. وفجأة، في الجولة الخامسة، باغت رحمن لويس بلكمة يمينية مدمرة أسقطته أرضاً، ليفوز بحزام البطولة في واحدة من أكبر المفاجآت.

وعليه، فإن الفوز بالنقاط في عدد من الجولات لا يعني أن المباراة قد حُسمت. وكذلك في الحروب، فإن خسارة أحد الأطراف معركة أو اثنتين لا تعني أنه خسر الحرب، فالأمور بخواتيمها، كما يقول المثل.

ما نشهده من معارك في منطقة غرب آسيا ينطبق عليه هذا التوصيف، سواء في المعركة بين إيران من جهة، وأمريكا والكيان الصهيوني من جهة أخرى، أو بين العدو والمقاومة في لبنان، أو حتى بين العدو وغزة. فما دامت روح المقاومة لم تُهزم في إيران ولبنان وغزة، فإن الحرب لم تنته، ولا يمكن التسليم بانتصار طرف على آخر.

لا شك في أن جولات المعارك العسكرية قد أفضت إلى نتائج، سعى الكيان الصهيوني إلى تقديم نفسه بوصفه منتصراً لكن الحرب لم تنته، وهي مستمرة بأشكال ووسائل عديدة. وما نشهده هذه الأيام من استمرار العدو الصهيوني في القصف والقتل والتدمير في لبنان وغزة، والتوغلات والاعتقالات في سوريا، والتهديدات اليومية بقصف إيران، يعني أن العدو الصهيوني نفسه غير مقتنع بأنه قد انتصر في هذه الحروب.

ويدل على ذلك أيضاً ما يصدر بصورة شبه يومية عن قادة العدو من تقارير وتصريحات تفيد بأن حماس تعيد بناء نفسها، وأن المقاومة في لبنان ما زالت تشكل تهديداً قوياً للكيان الصهيوني.

وفي هذا السياق، تأتي ما أشارت إليه تقارير الاستخبارات الصهيونية والقنوات العبرية من أن حماس تعمل باستمرار على صيانة الأنفاق، وتسريع إعادة تأهيل جهازها العسكري، وتعزيز إمكاناتها الميدانية، على الرغم من الغارات والاغتيالات المستمرة. كما يأتي ما نقله مكتب نتنياهو من وجود مخاوف من هجمات متعددة قد تستهدف الكيان في الفترة المقبلة.

وما القصف اليومي في جنوب لبنان، والتدمير الممنهج للقرى، سواء في منطقة النبطية وجوارها أو في المنطقة الساحلية في بيوت السياد والمنصوري ومجدل زون، إلا تأكيد على الخوف المسيطر على الجيش الصهيوني من أن يتغير الوضع الأمني والعسكري في لحظة ما، فنرى مشهداً مختلفاً عما هو عليه الآن.

ولو كان العدو الصهيوني قد انتصر، كما يدعي، في حروبه، لما واصل كل هذا القتل والتدمير في لبنان، ولما استمر في توجيه تهديداته إلى إيران.

إذاً، ما زلنا في خضم الحرب، ولم تنتهِ جولاتها بعد، باعتراف جميع الأطراف، وما زلنا بعيدين عن نهايتها، ولا يمكن الحديث عن انتصار قبل أن تضع الحرب أوزارها.

إن المعارك التي تُخاض ليست بالضرورة عسكرية فقط؛ فالمعركة النفسية في الحروب العصرية تؤدي دوراً كبيراً في تحقيق الانتصارات، وقد تحقق انتصاراً لطرف ما حتى لو لم يحققه في المعركة العسكرية. وهذا ما سعت أمريكا والكيان الصهيوني إلى تثبيته على أرض الواقع، فأعلنا انتصارهما على جميع الجبهات، وضخّا كماً هائلاً من المعلومات والمعطيات والتقارير عبر وكلائهما في وسائل الإعلام المأجورة، لترسيخ مقولة انتصارهما.

لن نتحدث عن جبهة إيران، فهي من أوضح الواضحات. فإيران لم تخسر عسكرياً، بل حققت انتصارات عسكرية بضربها وتدميرها للقواعد الأمريكية في منطقة الخليج الفارسي، وأغلقت أهم ممر عالمي للطاقة، وهو مضيق هرمز، كما أن مفاوضيها يقودون جولات من المفاوضات مع أمريكا باقتدار وعزة وقوة أذهلت حتى أعداءها.

وفي لبنان، استطاع الضخ الإعلامي الأجنبي والمحلي والعربي تصوير المعركة على أنها انتصار للعدو وهزيمة للمقاومة، خصوصاً في الأيام الأولى للجولات المتعددة من المعارك مع العدو.

ويبدو أن الجهد الذي يبذله السفراء الأجانب والعرب قد أقنع أركاناً في السلطة اللبنانية بأن العدو قد انتصر في الحرب، وأن المقاومة قد هُزمت، أو قد يكون بعضهم قد تمنى ذلك، فتوهمه وبنى سياساته عليه.

وفي هذا السياق، يأتي استسلام السلطة أمام العدو من خلال توقيع اتفاق الإطار، وهو اتفاق بين منتصر ومهزوم. وهؤلاء قد هُزمت نفوسهم قبل أي هزيمة أخرى، وجاءت تصريحاتهم كلها لتعبّر عن هذه الهزيمة النفسية، بل عمدوا إلى محاولة إقناع الناس بها.

وعلى الرغم من أن هذا المسار لم يحقق لهم أياً من أمانيهم، ولم يقدم لهم ولو الحد الأدنى من الاحترام، سواء من رعاتهم الأمريكيين أو من قادة العدو الصهيوني، فإنهم ما زالوا مصرين على تعميم هزيمتهم النفسية على السلطة والشعب في لبنان.

في المقابل، استطاعت المقاومة إثبات قدرتها على الصمود، وإعادة بناء قوتها تدريجياً، وتأكيد حضورها على الخطوط الأمامية. وما الطائرات المسيرة التي تضرب القوات الصهيونية إلا دليل على يقظة المقاومة ومرابطتها على الثغور، وهي التي التزمت بوقف إطلاق النار المعلن في إطار التفاهم الإيراني الأمريكي، لكنها تُظهر للعدو استعدادها للتصدي له إذا حاول توسيع عدوانه واحتلاله.

ويُحسب للمقاومة وقيادتها أنها، رغم كل الجراح التي أصابتها، لم تُهزم نفسياً، بل أعادت ترميم هياكلها وقدراتها بما هو ممكن خلال هذا الوقت القصير، وما زالت تقود جماهيرها نحو أهدافها المرجوة.

كما أن وسائل إعلامها، من قنوات تلفزيونية ومحطات إذاعية ومواقع إلكترونية سياسية واجتماعية، إلى جانب جمع كبير من المؤيدين لها إعلامياً، استطاعت، بإمكاناتها البسيطة، ترسيخ فكرة أن المقاومة ما زالت في أرض المعركة.

وقد تكون المقاومة خسرت جولة من جولاتها، إلا أن الأيام ستثبت أن لديها القدرة على وقف عنجهية العدو وإيلامه، وقد تسقطه بالضربة القاضية إذا ما وجدت مساندة من حلفائها في إيران واليمن وغيرهما.

إن صمود المقاومة العسكري والسياسي والإعلامي والاجتماعي أثبت، ويثبت كل يوم، أن مسار إعلان هزيمتها في الداخل اللبناني لم يكن صحيحاً، بل هو وهم وسراب حاول البعض زرعه في نفوس اللبنانيين.

لذا، فعلى السلطة في لبنان إعادة قراءة الأحداث السياسية والعسكرية من جديد، والبناء على الواقع الفعلي المتمثل في صمود المقاومة وشعبها، ومراجعة جميع القرارات التي اتخذتها بناءً على شعار الهزيمة الذي تبنته، وصياغة سياسة تحفظ هذه المقاومة وشعبها، وتوقف مهزلة التفاوض الذي لم يحقق إلا مزيداً من الخزي والذل للبنان وسيادته واستقلاله.

إن مجرد مطالبة العدو بنزع سلاح المقاومة هو اعتراف بأنه لم يحقق أهدافه في لبنان، وإن حديثه عن قوتها واستمرار ترميم هذه القوة هو إعلان عن فشل مشروعه في هزيمتها وإجبارها على الاستسلام.

فهل من يسمع ويعقل؟


المصدر الأصلي: www.alalam.net

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى