مشّاية إلى كربلاء ومشّاية إلى واشنطن
كربلاء ومشاية
في مفارقة الطريق: حين تبحث الجماعة عن خلاصها خارج ذاتها
هناك مشايات لا تُقاس بالمسافة. ثمّة طريق يمشيه الإنسان بقدميه، وطريق آخر تمشيه الذاكرة. الأول ينتهي عند مكان، أما الثاني فيعيد صاحبه إلى معنى. ولهذا تبدو «المشاية إلى كربلاء» أكثر من مسير جماعي طويل. إنّها، في معناها الرمزي، عودة دائمة إلى لحظة تأسيسية في الوعي: إلى واقعة كربلاء بوصفها ذاكرة للمظلومية، والرفض، والتضحية، والكرامة، والوقوف في وجه القوّة حين تتحول القوة إلى استعلاء.
لكن ثمّة مشاية أخرى بدأت تظهر في الوسط الشيعي، وإن لم تكن لها رايات ولا مواكب ولا أحذية غبارها من الطريق. إنّهم المشاية إلى واشنطن. تلك العاصمة التي نصّبت نفسها بحكم الغلبة والقوة، مرجعية للعالم. وهي الآن تخوض ضد الحسينيين حرباً بلا هوادة، وتضع مجتمعاتهم أمام تحدٍ وجودي.
وهنا تبدأ المفارقة. كيف يمكن لذاكرة كربلاء، التي تشكّلت في جزء أساسي منها حول سؤال الكرامة والاستقلال عن إرادة المتغلّب الطاغية، أن تنتهي ببعض أبنائها في هذه اللحظات الخطيرة إلى الوقوف على التل أو إلى حد الاستكانة إليه؟ السؤال ليس اتهامًا. إنّه سؤال مرآة.
كربلاء: حين كان الطريق موقفًا
لم تكن كربلاء، في الوعي الذي تراكم حولها عبر القرون، مجرّد واقعة عسكرية انتهت في يوم من أيام التاريخ، لقد تحوّلت إلى لغة أخلاقية. الحسين لم يذهب إلى كربلاء بحثًا عن سفارة أجنبية، ولم يطلب من قوة عظمى أن تعيد ترتيب ميزان القوى لمصلحته. كانت الواقعة، في جوهرها الرمزي، صراعًا حول سؤال أعمق: هل يستطيع الإنسان أن يقول «لا» عندما تصبح الموافقة ثمنًا لبقائه؟
لهذا بقيت كربلاء حاضرة. لأنّها لم تقدّم لأتباعها درسًا في القوة بقدر ما قدمت لهم درسًا في معنى الموقف عندما تصبح الكرامة أغلى من السلامة. وقد لا يكون من الضروري أن نتفق على القراءة السياسية أو التاريخية لكربلاء حتى نفهم هذا المعنى الرمزي. فالذاكرة لا تعيش فقط بما وقع؛ إنها تعيش أيضًا بما يعنيه ما وقع للأجيال اللاحقة.
ومن هنا، فإن «المشاية» ليست مجرد حركة نحو ضريح. إنّها، في معناها الرمزي، استعادة للقدرة على أن يمشي الإنسان نحو المعنى الذي اختاره، بدل أن يخضع إلى معنى يُصنع له.
واشنطن: حين يتحول الخارج إلى مرآة للداخل
يعيش العالم وسط توازنات إقليمية ودولية معقدة، ولا يوجد فيه أي جماعة أو كيان يمكن أن يتجاهل الخارج. إذن، ليست المشكلة في وجود الخارج، فهو موجود أصلًا. المشكلة تبدأ عندما يصبح السؤال: هل سيحمينا؟ هل سيحررنا؟ وهل سيعطينا مالاً لازدهارنا؟ بدل: كيف نبني شروط ذلك بأنفسنا؟
وهنا ينبغي أن نكون أكثر عدلًا في الحكم. فليس كل من يطلب المساعدة «تابعًا»، وليست كل علاقة مع الخارج تعني بالضرورة «ارتهانًا». إن الفرق كبير بين الاستفادة من قوة خارجية وبين الارتهان لها، أو تعليق المصير عليها. الأولى سياسة، أما الثانية فمشكلة في معنى الكرامة والسيادة.
المفارقة الشيعية
المفارقة تصبح أكثر إيلامًا حين يتعلق الأمر بجماعة راكمت في ذاكرتها التاريخية خطابًا شديد الحساسية تجاه الهيمنة. ففي الوعي الشيعي الحديث، وخصوصًا في تجربة مقاومة إسرائيل، نشأت صورة قوية عن الذات بوصفها جماعة ترفض أن يكون مصيرها مرهونًا بإرادة خارج مهيمن.
ففي السنوات الأخيرة، ظهرت مواقف ومقاربات لدى كيانات سياسية وبعض الشخصيات والقوى الشيعية تتجه إلى الاستعانة بالأمريكي. فهذه الظاهرة، حيثما وجدت، تستحق السؤال. ماذا يحدث عندما يصبح الخارج الذي كان يُقدَّم باعتباره مصدر تهديد هو نفسه الجهة التي يُطلب منها الإنقاذ؟ هنا لا تعود القضية أمريكية، تصبح القضية عنّا نحن!!!
من كربلاء إلى واشنطن: ماذا تغير؟
قد يقول قائل: لا يمكن إدارة الدول بمنطق المظلومية وحده، ولا بناء العلاقات الدولية على القصص الدينية والتاريخية. لكن المشكلة ليست في ذلك. المشكلة في أن الخطاب السياسي يستعير من الذاكرة الدينية شرعيته حين يحتاج إليها، ثم يتخلى عن أسئلتها الأخلاقية حين تصبح محرجة.
نستحضر كربلاء عندما نريد أن نتحدث عن الصمود. ونستحضر المقاومة عندما نريد أن نتحدث عن الاستقلال. ونستحضر المظلومية عندما نريد أن نفسر الخوف. لكن ماذا يحدث عندما يصبح الحل المنتظر من القوة نفسها التي كنا نضعها في موقع «الآخر غير المحايد»؟ هل تغير الآخر؟ أم تغيرنا نحن؟ أم أن السياسة كشفت أن الشعارات أسهل من المبادئ؟
ليست المشكلة في أمريكا
أمريكا دولة تبحث عن مصالحها، كما تفعل الدول الكبرى. وهي لا تتحرك بيننا بدافع الصداقة المجرّدة، وإنّما ضمن حسابات استراتيجية تتصل بأمن مصالحها الذي ربطته علناً بأمن إسرائيل. إذن، لا ينبغي أن نسأل: هل أمريكا تريد الخير لنا؟ فهذا سؤال عاطفي أكثر ممّا هو سياسي. السؤال الأكثر واقعية هو: ما مصلحتنا في التعامل مع أمريكا؟
الدول لا تمشي في السياسة كما تمشي الجماعات في الذاكرة. فكيف إذا كانت أمريكا، فهي لا تبحث عن خلاصنا، إنها تبحث عن مصالحها. وإذا توافقت مصالحها مع مصلحتنا في لحظة ما، فهذه مساحة للتعاون. أما إذا افترضت أن مصالحها ستبقى متطابقة مع مصالحنا إلى الأبد، فقد سلمنا قرارنا إلى حسابات لا نملكها.
وهنا تصبح المقارنة بين كربلاء وواشنطن أكثر عمقًا. فكربلاء ليست دعوة إلى العزلة عن العالم. إنها، في أحد مستوياتها الرمزية، سؤال عن من يملك قرار الإنسان عندما تتعارض القوة مع الكرامة.
في المشاية إلى كربلاء، يمشي الناس بأقدامهم نحو ذاكرة بعيدة. أما في المشاية إلى واشنطن، بالمعنى المجازي، فقد يمشي البعض بذاكرته نحو مستقبل يريد من قوة قاهرة أن تصنعه له. في الأولى، تقول: أنا أذهب لأنني أؤمن. وفي الثانية قد يصبح السؤال: كيف أحفظ وجودي؟ وبين الجملتين مسافة فلسفية هائلة.
لكن كربلاء نفسها لا تعطي جوابًا سياسيًا جاهزًا. إن قيمتها في هذا السياق أعمق: أنها تضع الإنسان أمام سؤال المسؤولية:
ماذا تفعل عندما يكون ميزان القوة ضدك؟ هل تستسلم؟ هل تنتظر من الأقوى أن ينقذك؟ أم تبحث عن صيغة تحفظ كرامتك، وتقلل خسارتك، وتحمي مجتمعك، دون أن تتحول أنت إلى أداة في يد قوة أخرى؟ هذا السؤال لا يخص الشيعة وحدهم. إنه سؤال كل جماعة تعيش في عالم تتصارع فيه القوى الكبرى من أجل مصالحها.
الوجود لا يُستعار
ربما يكون هذا هو الدرس الأكثر أهمية. يمكن استعارة المال. يمكن طلب السلاح. يمكن طلب التكنولوجيا. يمكن طلب الوساطة. يمكن حتى الاستفادة من مظلة دولية في لحظة تاريخية. لكن لا يمكن استعارة الوجود. الوجود الذي يستمر لأن قوة خارجية تحميه يظل وجودًا هشًا. أما الوجود الحقيقي فهو الذي يمتلك داخله ما يكفي من الثقافة والمؤسسات والاقتصاد والوعي والشرعية الاجتماعية ليعيد إنتاج نفسه.
وهنا نعود إلى سؤالنا الأول: ما معنى أن تبقى الجماعة؟ أن تبقى فقط لأن حليفًا خارجيًا يريد بقاءها؟ أم أن تمتلك من القوة الأخلاقية والاجتماعية والمؤسساتية ما يجعل الآخرين مضطرين إلى التعامل معها بوصفها حقيقة قائمة؟
ربما لا تكون المشكلة إذن في أن نمشي إلى كربلاء. ولا في أن نذهب إلى واشنطن. المشكلة في لماذا نمشي؟
نمشي إلى كربلاء، إذا كان الطريق استعادةً للذاكرة والكرامة والمسؤولية، فإن المشاية تصبح فعلًا ثقافيًا وروحيًا عميقًا. ونمشي إلى واشنطن، إذا كان الذهاب جزءًا من دبلوماسية دولة تحمي مصالحها، فقد يكون فعلًا سياسيًا طبيعيًا. لكن حين يتحول الطريق إلى بديل عن بناء الذات، تصبح المسافة بين المكانين مسافة بين مفهومين للوجود: وجود يستمد قوته من ذاته، ووجود ينتظر قوته من غيره.
وهنا ربما يكون السؤال الذي ينبغي أن يُطرح على الشيعي اليوم ليس: هل تذهب إلى الشرق أم إلى الغرب؟ بل: هل تستطيع أن تذهب إلى العالم كله، شرقًا وغربًا، ثم تعود بقرارك إلى ذاتك؟ تلك هي السيادة. وذلك، ربما، هو الاختبار الحقيقي للوجود.
وبين كربلاء وواشنطن يقف الإنسان الشيعي، حاملًا ذاكرته ومصالحه وخوفه ومستقبله، أمام السؤال الأصعب: هل يريد أن يكون فاعلًا في صناعة مصيره؟ لأن الجماعة التي تعرف إلى أين تمشي، لا تحتاج أن تسأل الأقوياء أن يختاروا لها الطريِق.
المصدر الأصلي: alkhanadeq.com




