صحافة

الدرس الحقيقي من حرب إيران: وهم التفوق الجوي

الدرس الحقيقي

يرى الباحث جاستن برونك في مقال نشره في صحيفة “فورين آفيرز” وترجمه موقع الخنادق الإلكتروني، أن الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران كشفت فجوة أساسية بين القدرة على تدمير الأهداف العسكرية والقدرة على تحقيق النصر السياسي. فعلى الرغم من استهداف آلاف المواقع العسكرية وقتل عدد من كبار القادة الإيرانيين وتدمير أجزاء واسعة من البنية التحتية العسكرية، احتفظت إيران بقدرات هجومية مهمة، واستمر نظامها في الحكم ومواصلة المواجهة. ويعزو الكاتب ذلك إلى اعتماد واشنطن وتل أبيب على حملة جوية وبحرية بعيدة المدى لإخضاع النظام، انطلاقاً من افتراض أن التفوق العسكري الجوي يمكن أن يتحول تلقائياً إلى استسلام سياسي. ويؤكد أن هذا الافتراض يتجاهل الحدود الفعلية للقوة الجوية، التي تستطيع تدمير الأهداف وإضعاف الجيوش، لكنها لا تضمن إسقاط الأنظمة أو إنهاء الحروب.

 أولاً: التفوق الجوي لا يفرض الاستسلام السياسي

يستند برونك إلى تجارب تاريخية تُظهر أن حملات القصف المكثف لم تكن كافية لإجبار الخصوم على الاستسلام. ففي الحرب العالمية الثانية، واصلت ألمانيا القتال رغم تدمير مدنها ومنشآتها الصناعية وشبكات النقل والوقود. وفي الحرب الكورية، صمدت كوريا الشمالية أمام الولايات المتحدة وحلفائها رغم الدمار الواسع الذي لحق بمدنها وبنيتها التحتية. أما في فيتنام، فلم تنجح الحملات الجوية الأميركية المتعاقبة، التي أُلقي خلالها أكثر من مليون طن من الذخائر، في إرغام فيتنام الشمالية على التخلي عن أهدافها.

وتكررت المشكلة في أفغانستان والعراق، حيث حققت الولايات المتحدة وحلفاؤها تفوقاً جوياً سريعاً، لكنهم أخفقوا في نهاية المطاف في تحقيق أهدافهم السياسية. 

ويستنتج أن القدرة على إيقاع خسائر هائلة بالخصم لا تعني بالضرورة تغيير حساباته السياسية. فالنظام الذي يعتبر بقاءه في السلطة مسألة وجودية قد يواصل القتال رغم الدمار، خصوصاً إذا امتلك أدوات للسيطرة الداخلية وقدرة على تعويض خسائره. وفي الحالة الإيرانية، لا يرى الكاتب أن الضربات الجوية ولّدت ضغطاً شعبياً كافياً لإنهاء الحرب.

 ثانياً: إخفاء القدرات العسكرية والدعم الخارجي يعززان الصمود

يفسر برونك استمرار قدرة إيران على القتال بمجموعة من العوامل العسكرية والسياسية. أولها أن طهران لا تحتاج إلى نشر كامل قواتها النظامية في مواقع مكشوفة كي تواصل المواجهة. فجزء مهم من ترسانتها الصاروخية وقدراتها الإنتاجية موجود في منشآت عميقة تحت الأرض، في «المدن الصاروخية»، ما يجعل الوصول إليها بالقنابل والصواريخ التقليدية بالغ الصعوبة.

كما يرجّح أن إيران اتخذت، بعد الحرب التي استمرت 12 يوماً في حزيران 2025، إجراءات لإخفاء ونقل جزء كبير من المواد النووية عالية التخصيب والمعدات القابلة للنقل والعلماء، ما قلّل من قدرة الضربات اللاحقة على استهداف هذه الأصول.

ويشير الكاتب إلى أن الحرس الثوري الإيراني يمتلك القدرة على الحفاظ على “السيطرة الداخلية” الذي يتيح للنظام تجنب الحاجة إلى خوض مواجهة تقليدية مفتوحة بقواته البرية. وفي مضيق هرمز، تستطيع إيران إخفاء الزوارق الصغيرة المستخدمة في زرع الألغام، ومنصات الصواريخ المضادة للسفن ومواقع إطلاق المسيّرات، مستفيدة من طول ساحلها وطبيعته الصخرية.

ويضيف إلى ذلك دور الدعم الخارجي. فقد وفرت الصين سوقاً لصادرات النفط والغاز الإيرانية، ساعدت على إبقاء الاقتصاد قائماً قبل فرض الحصار البحري الأميركي في نيسان. كما يشير إلى تقديم بكين منظومات دفاع جوي قصيرة المدى، فيما تقدم روسيا معلومات استخبارية تساعد إيران على استهداف القوات الأميركية في الخليج، وتساهم في تطوير قدراتها العسكرية، بما فيها الصواريخ فرط الصوتية المضادة للسفن.

 ثالثاً: متى يصبح التفوق الجوي حاسماً؟

لا يعمد برونك إلى التقليل من أهمية الجو، بل يميّز بين استخدامها لإجبار نظام على الاستسلام السياسي واستخدامها لهزيمة قوات عسكرية في ميدان المعركة.

في الحرب العالمية الثانية، لم يُجبر قصف المدن الألمانية على الاستسلام، لكن التفوق الجوي الذي حققه الحلفاء في مسارح العمليات جعل حركة القوات الألمانية وإمداداتها نهاراً شديدة الخطورة..

ويستشهد الكاتب أيضاً بالتدخل الغربي في ليبيا عام 2011، حين دمّرت الطائرات الأوروبية قوات القذافي التي هاجمت بنغازي وساهمت في تمكين تقدم المتمردين نحو طرابلس.

لكن برونك يلفت إلى أن إسقاط القذافي لم يؤدِّ إلى استقرار سياسي طويل الأمد في ليبيا. وهذا يؤكد مجدداً أن النجاح العسكري لا يضمن نجاحاً سياسياً مستداماً.

ويتمثل العامل الفاصل، بحسب المقال، في طبيعة الهدف الذي يسعى الخصم إلى تحقيقه. فإذا كان يحتاج إلى نشر قوات برية كبيرة لاحتلال أراضٍ والسيطرة عليها، فإن التفوق الجوي يستطيع حرمانه من حرية الحركة والإمداد، وجعل عملياته غير قابلة للاستمرار. أما إذا كان يعتمد على قوات صغيرة ومرنة، وكمائن وهجمات متفرقة، فيمكنه مواصلة القتال من دون تقديم أهداف واضحة للطيران المعادي.

رابعاً: إيران وأنصار الله يكشفان حدود القصف من الجو

يقارن الكاتب بين إيران والجماعات المسلحة في أفغانستان والعراق، وكذلك أنصار الله في اليمن. ففي أفغانستان والعراق، لم تكن الجماعات المسلحة بحاجة إلى خوض معارك تقليدية واسعة؛ إذ استطاعت تنفيذ هجمات بالعبوات الناسفة والكمائن، ثم الاختفاء وسط السكان. وبذلك حرمت القوات الأميركية وحلفاءها من الأمن الضروري لتحقيق أهدافهم السياسية، إلى أن تراجع استعداد الدول الغربية لمواصلة حروب طويلة ومكلفة.

ويقول إن المشكلة نفسها تواجه الولايات المتحدة في إيران، حيث لا يحتاج النظام إلى الانتصار في معركة تقليدية، بل يكفيه الحفاظ على بقائه ومواصلة استخدام ما تبقى لديه من قدرات هجومية. لذلك، لا يضمن تدمير أجزاء كبيرة من الترسانة الصاروخية إنهاء التهديد، ما دامت هناك مخزونات مخفية وقدرات إنتاجية يصعب الوصول إليها.

ويطبق برونك المنطق ذاته على أنصار الله في اليمن. فالضربات الجوية تستطيع تدمير المواقع التي يجري رصدها، لكنها لا تستطيع ضمان منع إطلاق الصواريخ والمسيّرات ضد السفن التجارية، ما دامت منصات الإطلاق مخفية في مناطق ساحلية تسيطر عليها الجماعة.

وبذلك، فإن القدرة على الوصول إلى الأهداف لا تعني القدرة على القضاء على التهديد نفسه؛ إذ تستطيع القوات التي تعتمد على الانتشار اللامركزي والإخفاء إعادة إنتاج التهديد حتى بعد تعرضها لضربات متكررة.

ويرى أن الحرب ألحقت ضرراً بصورة القوة الجوية الأميركية، خصوصاً بسبب استمرار المواجهة من دون حسم، واستنزاف جزء كبير من مخزونات الذخائر الأميركية، وارتفاع التكاليف الاقتصادية والجيوسياسية. ويخشى أن يؤدي ذلك، بالتزامن مع تعذر فرض التفوق الجوي في الحرب الروسية الأوكرانية، إلى تراجع الثقة بالتفوق الجوي بوصفه ركناً أساسياً في القوة العسكرية الغربية.

ويحذر برونك من أن التهديدات المحتملة من روسيا والصين تتطلب استعداداً مختلفاً. فإذا غزت روسيا دولة عضواً في حلف شمال الأطلسي في أوروبا الشرقية، أو حاولت الصين الاستيلاء على تايوان، فستحتاج القوات المهاجمة إلى نشر قوات برية كبيرة واحتلال الأراضي والاحتفاظ بها.

ولهذا يدعو الكاتب بقلق إلى زيادة مخزونات الذخائر الجوية وتطويرها، وتسريع إنتاج الصواريخ الاعتراضية التي استنزفت جراء الحرب الأخيرة لحماية القواعد الجوية والقوات البحرية.


المصدر الأصلي: alkhanadeq.com

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى