صحافة

من يسيطر على جبل صبر وحصن العروس يمسك بمفتاح البر والجو والبحر

جبل صبر وحصن العروس.. العقدة الجغرافية التي تصل تعز بالمخا وباب المندب وتفتح أفق الرصد من ميون إلى القرن الأفريقي.

إذا كانت الجغرافيا هي اللغة الصامتة التي تتحدث بها الاستراتيجيات الكبرى، فإن جبل صبر لا يحتاج إلى كثير من الشرح كي يقول كلمته.

ومن هنا تبرز أمام صانع القرار في صنعاء، عند قراءة الأمن القومي والساحل الغربي، حقيقة جغرافية تستحق الدراسة: إعادة تقييم جبل صبر وحصن العروس بوصفهما عقدة مرتفعة تصل تعز بعمقها الغربي، وتمنح منظومات الرصد والاتصال والإنذار قيمة إضافية تجاه المخا وباب المندب وجزيرة ميون ومجال خليج عدن والقرن الأفريقي.

وهذه ليست دعوة لاختزال باب المندب في جبل واحد؛ فالمضيق منظومة بحرية وجغرافية دولية متكاملة.

لكن السيطرة على مرتفع حاكم داخل هذه المنظومة تمنح قيمة استراتيجية في الوعي بالمجال، خصوصًا أن باب المندب يصل البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وتُعد جزيرة ميون، الواقعة في قلبه، عنصرًا جغرافيًا مؤثرًا في حركة الملاحة.

تعز.. العمق البري لباب المندب

تعز ليست مجرد محافظة جبلية؛ إنها منطقة انتقال بين المرتفعات والساحل الغربي، وتتصل طرقها بالمخا والمجال المؤدي إلى باب المندب.

ولذلك، فإن أمن المضيق لا يبدأ عند الماء وحده، بل يمتد إلى العمق البري الذي يحمي الساحل ويؤثر في طرق الحركة والإمداد.

وهنا تكتسب جغرافيا صبر قيمتها.

صبر والعروس.. الحارس المرتفع

يرتفع جبل صبر إلى نحو 3070 مترًا فوق سطح البحر، ويعلو عن مدينة تعز بنحو 1500 متر عند قمة حصن العروس.

وهو من أعلى جبال اليمن، وتظهر بيانات الارتفاع الحديثة موقعه ضمن القمم اليمنية الكبرى.

وهذا الارتفاع ليس رقمًا جماليًا؛ ففي الحروب الحديثة يتحول الارتفاع إلى عامل في الرؤية والاستشعار والاتصالات والإنذار. ومن قمة مرتفعة كهذه يمكن، بحسب نوع المنظومات المستخدمة، توسيع أفق الرصد البحري والبري والإلكتروني، ومراقبة محاور الحركة التي تحجبها التضاريس عن المواقع المنخفضة.

ولهذا، فإن حصن العروس ليس مجرد قمة فوق تعز، بل رأس عقدة جغرافية يمكن أن تتصل بمنظومات الرصد والاتصال الممتدة نحو الساحل.

العروس.. من الإشراف على باب المندب إلى ميون

تكمن القيمة الأهم في وضع العروس على الخريطة البحرية.

فالمجال الجغرافي جنوب غرب تعز يقود نحو المخا وذباب وباب المندب، فيما تقع جزيرة ميون في قلب المضيق وتفصل بين مساريه الملاحيين.

وقد وصفت مصادر جغرافية ميون بأنها تهيمن على أضيق أجزاء باب المندب، وهو ما يفسر استمرار أهميتها في الحسابات الاستراتيجية.

ومن هنا، فإن ارتفاع العروس يمنح أي منظومة رصد متمركزة عليه أفضلية تضاريسية في مراقبة المجال البحري القريب، بما في ذلك حركة السفن والممرات المحيطة بباب المندب وميون، مع اختلاف مدى الكشف الفعلي وفق نوع الرادار وارتفاع الهدف والظروف الجغرافية والجوية.

فالرادار الساحلي نفسه مقيد بخط النظر والأفق، ولذلك يكون الارتفاع عاملًا مهمًا في توسيع مجال الرؤية، لا ضمانًا تلقائيًا للكشف عن كل هدف.

من باب المندب إلى الصومال والقرن الأفريقي

ولا تنتهي أهمية العروس عند المضيق. فباب المندب يفتح على خليج عدن، الذي يمتد بين اليمن والقرن الأفريقي، ومنه إلى البحر العربي والمحيط الهندي.

وهنا يمكن أن يتحول المرتفع إلى عقدة إنذار إقليمية ضمن شبكة أوسع: رصد المجال الساحلي الغربي، ومتابعة المجال البحري المحيط بميون وباب المندب، وربط المعلومات القادمة من الساحل بالمجال الممتد نحو خليج عدن والقرن الأفريقي.

أما القول إن القمة تستطيع بمفردها مراقبة الصومال أو كامل البحر العربي، فهو تبسيط؛ فالمدى الحقيقي تحدده قدرات المنظومة المستخدمة، وخط النظر، وطبيعة الأهداف.

وهذه النقطة بالذات تجعل الارتفاع قيمة تشغيلية، لا مجرد قيمة رمزية.

التاريخ يؤكد أن صبر موقع حاكم

لم تبدأ أهمية الجبل اليوم. فقد وصفته مصادر تاريخية بأنه حصن منيع، وتعاقبت عليه قوى ودول مختلفة، من الصليحيين والزريعيين إلى الأيوبيين والرسوليين والطاهريين والعثمانيين.

وتكشف هذه السلسلة أن القوى التي حكمت تعز أدركت منذ قرون قيمة المرتفعات في حماية المدينة والتحكم في محيطها.

والجديد أن التكنولوجيا الحديثة أعادت تعريف قيمة الجبل؛ فالحصن القديم يمكن أن يتحول، من حيث المبدأ، إلى عقدة استشعار واتصال وإنذار ضمن منظومة حديثة.

الصراري والجنيد والرميمة.. حين تصبح الجغرافيا إنسانًا

هنا تنتقل القضية من الجغرافيا إلى الإنسان.

فالصراري وآل الجنيد وآل الرميمة وشرفاء صبر مكونات اجتماعية ارتبطت بهذا المجال الجبلي، وقد ارتبطت أحداث الصراري بتقارير عن قتل واعتقال وتهجير وتدمير للمنازل والممتلكات.

وفي قراءة السيد عبدالملك الحوثي، يحفظه الله، ارتبط تهجير قرى الصراري بخدمة المشروع الصهيوني.

بينما يبقى السؤال الاستراتيجي الأوسع: ماذا يحدث لجغرافيا حساسة عندما تتغير تركيبتها السكانية؟

إن التهجير لا يغير السكان فقط، بل يمكن أن يغير البيئة الاجتماعية والسياسية للمكان.

ومن هنا تُقرأ أحداث الصراري، في خطاب حكومة صنعاء، ضمن صراع أوسع على الجغرافيا والسيادة.

الجرادي.. حين وطئت القدم جبل صبر وأصبح باب المندب في قلب المشهد

وتكتسب الرواية السياسية حول الصراري وصبر بُعدًا إضافيًا مع ما يُتداول عن المشرف العسكري أبو شهيد الجرادي؛ إذ تروي الأدبيات السياسية المرتبطة بهذه الأحداث أنه عندما وطئت قدمه جبل صبر، أثار ذلك قلقًا إسرائيليًا، وربطت الرواية هذا التطور بتصريحات لبنيامين نتنياهو حذّر فيها من أن «باب المندب في خطر».

وتظهر هذه الرواية منشورة في أدبيات يمنية سياسية تتحدث صراحة عن وصول الجرادي إلى صبر، وربطه بقلق نتنياهو على باب المندب.

وبصرف النظر عن مدى ثبوت كل تفاصيل هذه الرواية، فإن دلالتها الاستراتيجية تستحق التوقف: حين يُنظر إلى صبر من زاوية باب المندب، فإن الجبل يتحول من موقع محلي إلى جزء من حسابات جغرافية تتجاوز تعز نفسها.

التهجير.. من الصراع المحلي إلى قراءة المخطط الإقليمي

وفي القراءة السياسية التي تتبناها حكومة صنعاء، لا يُنظر إلى تهجير قرى الصراري بوصفه نتيجة عفوية لصراع محلي، بل باعتباره جزءًا من مسار أوسع؛ وتذهب هذه القراءة إلى أن التخطيط جرى في واشنطن وتل أبيب، بينما تولى العملاء والمرتزقة على الأرض تنفيذ المخطط، بهدف إفراغ المنطقة من حاضنتها وإحداث تغيير في البيئة الاجتماعية والجغرافية لموقع حساس.

وهذا توصيف سياسي ينبغي نسبته إلى هذه القراءة، لا تقديمه باعتباره حقيقة مستقلة ثبتت جميع تفاصيلها.

لكن حتى عند وضع الاتهام في إطاره السياسي، يبقى السؤال الاستراتيجي قائمًا: ماذا يعني إفراغ منطقة جبلية ذات قيمة جغرافية من سكانها، ثم إعادة تشكيل حضورها الاجتماعي والسياسي؟

ومن هنا تكتسب قضية الأسر المهجرة من آل الجنيد وآل الرميمة بُعدًا يتجاوز الملف الإنساني إلى سؤال السيادة والجغرافيا؛ فإذا كانت قراءة السيد عبدالملك الحوثي ترى أن التهجير خدم المشروع الصهيوني، فإن استعادة الحضور الوطني في هذه الجغرافيا تُقدَّم في خطاب حكومة صنعاء بوصفها نقيضًا لذلك المسار.

القوة والضعف.. القمة ليست كل شيء

لا يكتمل تقدير الموقف من دون النظر إلى نقاط الضعف.

فالقمم العالية أكثر وضوحًا للاستطلاع الجوي والفضائي، والمنشآت الثابتة فيها قابلة للرصد والاستهداف. كما أن الإمداد والطاقة والاتصالات تمثل تحديات مستمرة، وتأمين السفوح وطرق الوصول لا يقل أهمية عن السيطرة على القمة نفسها.

ولهذا، فإن القيمة الاستراتيجية للعروس لا تكمن في ارتفاعه وحده، وإنما في القدرة على دمج الارتفاع مع الرصد والاتصال والحماية والاستدامة.

الخلاصة: من صبر إلى ميون.. خريطة واحدة

المعادلة الأدق ليست أن صبر يساوي باب المندب، بل:

صبر عقدة مرتفعة، والعروس قمتها، وتعز عمقها الحضري، والمخا امتدادها الساحلي، وميون عقدة بحرية، وباب المندب بوابة إلى خليج عدن والقرن الأفريقي.

وعندما توضع هذه العناصر على خريطة واحدة، تظهر القيمة الاستراتيجية الحقيقية.

فجبل صبر لا يحكم البحر بمفرده، لكنه يمنح منظومات الرصد من ارتفاعه مجالًا جغرافيًا مهمًا باتجاه الساحل وباب المندب وميون، ويفتح اتصالًا جغرافيًا نحو خليج عدن والقرن الأفريقي.

ولا يملك العروس السماء بمفرده، لكنه يستطيع أن يكون جزءًا من شبكة إنذار واتصال أوسع.

ومن يريد أن يفهم أمن باب المندب، عليه أن يقرأ تعز؛ ومن يريد أن يفهم تعز، عليه أن يقرأ جبل صبر؛ ومن يريد أن يفهم صبر، فعليه أن يبدأ من حصن العروس.

فالجبل لا يسيطر وحده على البر والجو والبحر؛ لكنه يمسك بمفتاح من مفاتيح العمق الجغرافي الذي تتقاطع فيه المجالات الثلاثة.


المصدر الأصلي: www.alalam.net

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى