صحافة

باب المندب ورقة قوّة بيد المفاوضين في إيران ولبنان

يبدو أن سبعَ سنوات من الحرب لم تُعلّم السعودية مدى خطورة الانغماس في الوحل اليمني. فها هي تعود حيث انتهت بتجديد العدوان على اليمن بعد توقيع اتفاق الهدنة عام 2022. واللافت في هذه التجربة أن الولايات المتّحدة جدّدت أيضًا رفضها التدخل مباشرةً بالحرب، ما يؤكد أن الشراكة الأمنية بين الرياض وواشنطن لا تعني مطلقًا أن الأخيرة ستخوض كل مواجهة تعتبرها الرياض ضرورة. لكن البحث هنا ليس في دوافع وتطلّعات هذه الحرب، إنما بكيفية استفادة محور المقاومة ولا سيما إيران ولبنان من الحرب اليمنيّة في المفاوضات.

بالبداية، تضع الحرب في اليمن السعودية تحت وطأة مجموعة من الضغوط، سواء من خلال استهداف السفن السعودية في باب المندب، وقصف المنشآت النفطية والحيوية في الأراضي السعودية، أو باستهداف ومحاصرة القوات اليمنية المدعومة سعوديًا جنوب اليمن، وهي أكلاف تدعو المملكة إلى النزول عن الشجرة والبحث جديًا بفك الحصار المفروض على اليمن منذ عام 2015 لو كان فيها من يجيد قراءة الحرب بطريقة عاقلة.

استفادة لبنان من باب المندب

ثانيًا، أما بالنسبة لكيفيّة استفادة لبنان من هذه الحرب، فالواضح وفقًا للتجربة أن لبنان الدولة بتركيبته الحالية غير مؤهل لانتزاع حقوقه بالتفاوض على أي ورقة من أوراق القوّة، وبالتالي، فإن هذا الملف يبقى رهين لمسار ونتائج المفاوضات الإيرانيّة الأميركيّة، حيث يتم تحصيل حقوق لبنان من خلال هذه المظلة الإقليمية. كيف ذلك؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال، لا بد من الوقوف قليلًا عند أهمية باب المندب. ففي حين يمثّل مضيق هرمز شريانًا رئيسيًا للطاقة العالميّة، يمثّل باب المندب بوابة أساسيّة لحركة التجارة بين المحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس. كما يشكّل طريقًا رئيسيًا لنحو 15% من التجارة العالمية المتجهة إلى أوروبا والولايات المتحدة الأميركيّة والأسواق الآسيوية. كما يمر به ما يقرب 12% من إنتاج النفط والغاز الطبيعي المنقول بحرًا يوميًا، مما يربط مصدّري الخليج بالأسواق الأوروبيّة والأميركيّة الشمالية.

وبالتالي، بالنظر إلى الأهميّة الاستراتيجيّة والاقتصادية لمضيق باب المندب والنتائج الكارثية التي ستتسبب بإقفاله خاصة إذا ما تزامن ذلك مع مضيق هرمز فسيترتب على إغلاقه بشكل تام أكلاف سياسية وعسكرية كبيرة على أنصار الله في اليمن وإيران، ولذلك على الأرجح أن يتم استخدامه كورقة ضغط مبدئيًا في المفاوضات الإيرانية الأميركية، ثم استثمار هذه الورقة في حالة الحرب وفق ما تقتضيه الحاجة.

بناءً على ذلك، يمكن لإيران التلويح بورقة باب المندب على طاولة المفاوضات في أي اتفاق محتمل، واشتراط وقف الاعتداءات الإسرائيلية وإعادة الإعمار والانسحاب الإسرائيلي التام من لبنان.

إعادة ترتيب السلطة في لبنان

لكن قبل هذا الشرط، ومنعًا للفخ الذي نصبه الأميركي في الحرب الماضية، باستخدام السلطة اللبنانية للانقلاب على مخرجات الاتفاق، ينبغي إجراء تفاهم إيراني سعودي مسبق ينص على ضمان حركة مرور السفن النفطية في باب المندب وضمان سلامة منشآتها النفطية والحيوية، في المقابل فك الحصار عن اليمن وإقالة رئيس الجمهورية اللبنانيّة وتعيين حكومة وحدة وطنية في لبنان تنسجم مع مقتضيات المرحلة الحالية. وبناءً على الواقع السياسي الجديد يتم تطبيق مقتضيات الاتفاق الأميركي الإيراني، وإلا فسنعود إلى المربع الأول.

هناك تقديرات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن نحو 98%  من واردات كيان الاحتلال الإسرائيلي تأتي عبر البحر، مما يجعل حرية الملاحة في باب المندب امتدادًا مباشرًا لأمنه الاقتصادي والتجاري. ولذلك يمكن لمنع مرور السفن والحاويات المرتبطة بالاحتلال في باب المندب أن يشكل ضغطًا اقتصاديًا كبيرًا على الاحتلال والضغط عليه في هذا الشأن مقابل الانسحاب من لبنان.

وحدة الساحات

تفعيل وحدة الساحات من خلال التصعيد المتزامن في مضيق هرمز وباب المندب في حالة الحرب الأميركيّة الإيرانيّة وليس في المعركة بين الحروب، فالإغلاق المتزامن يتيح فرض حلول شاملة يستفيد منها الجميع بما في ذلك لبنان، أما الاستخدام التدريجي لأوراق القوة يقود إلى استنزاف كل جبهة على حدة، بمعنى أن لا يدخل حزب الله الحرب مجددًا من دون اشتعال جبهة إيران، وأن لا يغلق اليمن باب المندب منفردًا من دون إغلاق هرمز كليًا، وبالتالي تزامن الضغوط الميدانية وخنق الممرات المائية التي تستفيد منها الولايات المتحدة وأوروبا والكيان الإسرائيلي يولد ضغوطًا حقيقية تقود إلى حلول فعلية.

ثالثًا، أما بالنسبة لإيران، فإن التهديد بإغلاق مضيق هرمز وباب المندب في الوقت نفسه يعد أمرًا كارثيًا للتجارة العالمية وأسواق الطاقة. قد يساعد ذلك على تأخير الحرب لكنه لا يمنع وقوعها. المشكلة هنا أن الولايات المتحدة تلعب لعبة الشرطي السيء والشرطي الصالح مع إيران. الشرطي السيء هو “إسرائيل”. فقد يحدث تقدم كبير في المفاوضات بين الطرفين، ثم تضرب “إسرائيل” إيران لأسباب معدة مسبقًا. ثم يبدأ التفاوض من جديد. هنا يأتي الدور الفعلي للاستفادة من حرب اليمن بالإغلاق التام لمضيق باب المندب، فإذا كان إغلاق هرمز رفع أسعار برميل النفط، لا أحد يمكن أن يتوقع تداعيات ارتفاع أسعار السلع والخدمات في العالم مع إغلاق باب المندب وتحديدًا في الولايات المتحدة وأوروبا التي ترتبط استراتيجيًا بهذا الممر.

يمكن لإيران أيضًا استثمار ورقة باب المندب في المفاوضات على غرار مضيق هرمز، أي أن تطرح حرية الملاحة في البحر الأحمر للسفن الأميركية والسعودية في مقابل تخفيف العقوبات وفك الحصار عن الموانئ الإيرانية، وتحرير الأصول المتجمدة.

إغلاق باب المندب سيؤثر على أوروبا بشكل كبير كونها تعتمد على التجارة البحرية المتصلة به، ويعني ذلك إجبارها على تشكيل حالة ضغط حقيقية على القرار الأميركي لجعل ترمب يبدو أكثر واقعية في القرارات التي يتخذها كون المسألة لم تعد تتعلق به فقط إنما يطال قارة أخرى بأكملها.

نجح العدو الإسرائيلي في إبقاء الجبهة اللبنانية مشتعلة، ولا يزال يتمتع في الجنوب بهامش واسع من الحركة. المفاوضات قد تفيد الطرفين بمراجعة وتقييم نتائج الجولة السابقة لكنها بلا شك لا تنهي الحرب. الأهم أن تكون العودة إلى الحرب منسّقة بين الجبهات الثلاث على الأقل )لبنان وإيران واليمن( حتى لا يقود الاحتلال حربًا بظروف مثالية يكون فيها المعتدي من طرف واحد دون تعرضه للقصف كما حصل في المرة الماضية.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة رأي الموقع


المصدر الأصلي: alkhanadeq.com

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى