عاجل | البحرين التي باعت أمنها لواشنطن و”تل أبيب”… ماذا تبقّى لها اليوم؟
عاجل | البحرين التي باعت أمنها لواشنطن و"تل أبيب"… ماذا تبقّى لها اليوم؟
لم تكن البحرين، في جوهر موقعها الجيوسياسي، دولةً تملك ترف المغامرة الاستراتيجية. فهي جزيرة صغيرة، محدودة الموارد، ضعيفة العمق الجغرافي، شديدة الاعتماد على الخارج، ومربوطة عضوياً بشبكات الحماية الإقليمية والدولية منذ نشأتها الحديثة. لكن ما فعلته المنامة خلال العقدين الماضيين تجاوز مجرد البحث عن الحماية؛ إذ اختارت أن تربط أمنها السياسي والاقتصادي والعسكري بالكامل بالمحور الغربي، وأن تتحول تدريجياً إلى منصة متقدمة للمشروع الأمريكي في الخليج الفارسي، ثم إلى جزء من منظومة التطبيع الإقليمي مع "إسرائيل".
اليوم، ومع إغلاق مضيق هرمز، وتصاعد المواجهة الإقليمية، وتراجع القدرة الأمريكية على فرض الاستقرار بالقوة، تبدو البحرين أمام لحظة انكشاف تاريخية ربما لم تواجه مثلها منذ عقود. فالدولة التي بنت استراتيجيتها على فرضية أن واشنطن قادرة دائماً على حمايتها، وأن التحالف مع تل أبيب يمنحها مكانة متقدمة داخل المعسكر الغربي، تجد نفسها فجأة أمام مشهد مختلف تماماً: اقتصاد يترنح، طرق تجارة مهددة، جغرافيا قابلة للعزل، وخليج لم يعد موحداً كما كان.
دولة صغيرة بأزمة أكبر من حجمها
حين يُنظر إلى البحرين داخل مجلس التعاون الخليجي، لا تظهر فقط كأصغر دولة من حيث عدد السكان، بل أيضاً كأضعف اقتصادياً وأكثرها هشاشة مالياً. فبينما تمتلك السعودية والإمارات وقطر والكويت صناديق ثروة سيادية هائلة تسمح لها بامتصاص الصدمات، تبدو المنامة بلا شبكة أمان حقيقية.
احتياطيات البحرين النفطية لا تتجاوز 125 مليون برميل، وهو رقم يكاد يكون هامشياً مقارنة بجيرانها. فقطر، التي يزيد عدد سكانها ثلاثة أضعاف، تمتلك احتياطيات تصل إلى 25 مليار برميل. ومع ذلك، لا يزال النفط يشكل نحو 60 في المئة من إيرادات الحكومة البحرينية، ما يكشف حجم التناقض البنيوي داخل الاقتصاد البحريني: موارد محدودة، واعتماد مرتفع على النفط، وعجز دائم عن إنتاج نموذج اقتصادي مستدام.
الأخطر أن البحرين دخلت الأزمة الحالية وهي منهكة أصلاً. فعجز الموازنة يبلغ نحو 10 في المئة، بينما وصل الدين العام إلى 135 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، لتصبح من بين أكثر الدول مديونية في العالم. ولم يكن خفض وكالة "فيتش" للتصنيف الائتماني قبل العدوان على إيران سوى اعتراف دولي بأن الاقتصاد البحريني يقف بالفعل على حافة الخطر.
في عام 2018، احتاجت المنامة إلى حزمة إنقاذ خليجية بقيمة 10 مليارات دولار قدمتها السعودية والإمارات والكويت. يومها، تعهدت البحرين بإصلاح ماليتها العامة وتنويع اقتصادها، لكن شيئاً جوهرياً لم يتغير. بقي الاقتصاد هشاً، وبقي الاعتماد على الدعم الخارجي قائماً، وكأن الدولة تؤجل الانفجار فقط، لا أكثر.
من انتفاضة الداخل إلى الارتهان للخارج
لكن الأزمة البحرينية ليست اقتصادية فقط. فالدولة تحمل داخلها انقساماً سياسياً واجتماعياً عميقاً يعود إلى ما قبل العدوان على إيران ومضيق هرمز بسنوات طويلة.
في انتفاضات عام 2011، واجهت أسرة آل خليفة احتجاجات واسعة قادها بحرينيون غاضبون من التهميش السياسي والاجتماعي الذي تعانيه الأغلبية الشيعية. ولم تتمكن المنامة من احتواء الأزمة بنفسها، بل احتاجت إلى تدخل عسكري سعودي مباشر عبر جسر الملك فهد لسحق الانتفاضة وإعادة تثبيت النظام.
ذلك الحدث كان مفصلياً. فمنذ تلك اللحظة، بات واضحاً أن بقاء السلطة في البحرين مرتبط عملياً بالمظلة السعودية. لكن بدلاً من أن تدفع هذه الحقيقة المنامة إلى إعادة بناء توازناتها الداخلية، اختارت الاتجاه المعاكس: تعميق الارتباط بالمحور الأمريكي الغربي، وتوسيع شبكة التحالفات الأمنية الخارجية. وهنا بدأت البحرين تتحول تدريجياً من دولة خليجية صغيرة تبحث عن الحماية، إلى دولة وظيفية داخل المنظومة الغربية في الخليج.
الرهان على واشنطن… ثم تل أبيب
منذ عام 2005، بدأت المنامة بإسقاط مقاطعتها لـ"إسرائيل" مقابل اتفاقية تجارة حرة مع الولايات المتحدة. وبعدها بسنوات، ذهبت أبعد من ذلك حين نددت بمقاطعة جامعة الدول العربية لـ"إسرائيل"، وفتحت الباب أمام "الإسرائيليين" لزيارة البلاد.
لكن التحول الأكبر جاء مع اتفاقيات "إبراهام" عام 2020، حين أصبحت البحرين ثاني دولة خليجية عربية تطبع رسمياً مع "إسرائيل" بعد الإمارات. بعدها بعامين، وقعت المنامة اتفاقية أمنية مع تل أبيب، ثم أخرى مع واشنطن، لتصبح عملياً جزءاً من البنية الأمنية الإقليمية المرتبطة بالمشروع الأمريكي -"الإسرائيلي".
المنامة اعتقدت أن هذا التموضع سيمنحها مكاسب اقتصادية وأمنية طويلة المدى. وكانت هناك بالفعل وعود بمئات الملايين من الدولارات من العلاقات البحرينية "الإسرائيلية"، إضافة إلى صفقة بقيمة 17 مليار دولار مع الولايات المتحدة، تضمنت شراكة بقيمة ملياري دولار لتطوير صناعة الألمنيوم البحرينية.
لكن البحرين لم تدرك أن التحالفات الدولية لا تُبنى فقط على الولاء، بل على موازين القوى أيضاً. ومع بدء تراجع الهيمنة الأمريكية، وتغير أولويات واشنطن، بدأت الأرض تهتز تحت أقدام الدول التي بنت أمنها بالكامل على الحماية الغربية.
السعودية تغيّر اتجاهها… والمنامة تبقى عالقة
المفارقة أن السعودية نفسها، التي أنقذت البحرين في 2011 و2018، بدأت خلال السنوات الأخيرة تعيد صياغة موقعها الإقليمي بطريقة مختلفة تماماً. الرياض اتجهت نحو الصين، ووافقت على بيع جزء من نفطها باليوان الصيني، في خطوة تضرب أساس العلاقة التقليدية مع واشنطن القائمة على "النفط مقابل الحماية". كما وقعت اتفاقية دفاع مشترك مع باكستان، وبدأت تتحدث بوضوح أكبر عن استيائها من السياسات "الإسرائيلية" في المنطقة.
في المقابل، بقيت البحرين أكثر التصاقاً بالمحور الغربي، وأكثر اقتراباً من الإمارات، التي عمّقت بدورها شراكاتها مع "إسرائيل" والغرب. وخلال عام 2025، أجرت البحرين والإمارات مناورات عسكرية مشتركة، بينما تضاعفت التجارة غير النفطية بينهما خلال خمسة عشر عاماً.
لكن هذا التموضع خلق معضلة جديدة للمنامة. فهي باتت أقرب إلى أبوظبي في وقت تتصاعد فيه الخلافات غير المعلنة بين الإمارات والسعودية، سواء في اليمن أو أفريقيا أو حتى داخل أوبك. وهذا يعني أن البحرين لم تعد فقط دولة ضعيفة اقتصادياً، بل أصبحت أيضاً عالقة بين محاور خليجية متباعدة.
هرمز… اللحظة التي انكشف فيها كل شيء
حين أغلقت إيران المضيق أمام الشحن المعادي رداً على العدوان الأمريكي و"الإسرائيلي"، دخل الخليج بأكمله في حالة ارتباك. لكن الضرر لم يكن متساوياً.
السعودية لا تزال تملك منفذاً عبر البحر الأحمر. والإمارات تستطيع استخدام خطوط أنابيب تصل إلى المحيط الهندي. أما البحرين والكويت وقطر، فوجدت نفسها شبه محاصرة.
البحرين تحديداً بدت الأكثر هشاشة. فهي لا تمتلك خطوط تصدير بديلة حقيقية، كما أن اتصالها النفطي بالسعودية صُمم لنقل النفط إلى البحرين، لا العكس. ومع تعطل الشحن وتضرر البنية التحتية للطاقة، بدأت مؤشرات الاختناق تظهر سريعاً.
الكويت صرّحت أن صادراتها النفطية في أبريل بلغت صفراً من البراميل، وسط توقعات ببيانات مشابهة للبحرين وقطر. وصندوق النقد الدولي توقع نمواً سلبياً للبحرين في عام 2026 بنسبة 0.5 في المئة، وهو أول انكماش اقتصادي حقيقي منذ أكثر من ثلاثين عاماً خارج فترة جائحة كورونا.
لكن حتى هذا التقدير يبدو متفائلاً. فهو يفترض عودة التجارة والإنتاج إلى طبيعتهما بحلول منتصف 2026، وهو افتراض يبدو بعيداً مع استمرار التوترات وغياب أي اتفاق أمريكي إيراني جديد.
صندوق سيادي صغير… ودولة تبيع نفسها لنفسها
الأزمة لا تتوقف عند النفط أو التجارة. فحين تضرب الحروب الاقتصادات الريعية، تصبح صناديق الثروة السيادية خط الدفاع الأخير. قطر تمتلك صندوقاً سيادياً بقيمة 580 مليار دولار، والكويت نحو تريليون دولار. أما البحرين، فلا يتجاوز صندوقها السيادي 18 مليار دولار فقط، والأخطر أن معظم استثماراته داخلية.
وهذا يعني أن البحرين، إذا اضطرت إلى بيع أصولها لتأمين السيولة، ستكون عملياً تبيع أجزاء من اقتصادها المحلي، لا أصولاً خارجية تدر عوائد مستقلة. أي أنها ستأكل من لحمها الاقتصادي مباشرة. ولهذا كانت البحرين أول دولة خليجية تخفض وكالة "موديز" تصنيفها الائتماني بعد الحرب. وحتى محاولتها إجراء مبادلة عملات مع الإمارات تكشف حجم القلق من نقص السيولة الأجنبية.
جزيرة يمكن عزلها بضربة واحدة
لكن أخطر ما كشفته أزمة هرمز ليس الاقتصاد فقط، بل الجغرافيا أيضاً. فالبحرين جزيرة لا يربطها بالبر الرئيسي سوى جسر الملك فهد. وفي مارس الماضي، أصابت طائرة مسيّرة الجسر بأضرار طفيفة. وبعدها بأسابيع أُغلق الجسر بالكامل.
هذه الحقيقة وحدها كافية لفهم حجم هشاشة البحرين. فالدولة التي احتاجت السعودية لإنقاذها عسكرياً عام 2011 قد تجد نفسها اليوم معزولة بالكامل إذا استُهدف الجسر مجدداً.
السعودية نفسها قد تواجه صعوبة في التدخل، لأنها تفتقر إلى سفن إنزال برمائية كبيرة قادرة على نقل أعداد ضخمة من الآليات العسكرية. أما الإمارات، التي تمتلك هذه القدرات، فستضطر لعبور مئات الكيلومترات داخل الخليج الفارسي تحت تهديد النيران الإيرانية.
أي أن البحرين لم تعد فقط دولة ضعيفة اقتصادياً، بل دولة يمكن عزلها جغرافياً وعسكرياً خلال ساعات.
ماذا تبقّى للمنامة؟
المعضلة الكبرى أن البحرين تجد نفسها اليوم عالقة داخل التحالفات التي اعتقدت يوماً أنها ستحميها. تقاربها مع "إسرائيل" جعلها هدفاً أكثر وضوحاً في أي مواجهة إقليمية. وارتهانها لواشنطن ربط أمنها بمشروع أمريكي يتراجع نفوذه تدريجياً. أما اقترابها من أبوظبي، فقد زاد تعقيد علاقتها مع الرياض، الحليف الوحيد القادر فعلياً على إنقاذها. وفي الداخل، لا تزال الجروح السياسية القديمة قائمة، فيما الاقتصاد يزداد هشاشة، والدين يتضخم، والثقة الإقليمية تتآكل.
لهذا تبدو البحرين اليوم أكثر من مجرد دولة تعاني أزمة اقتصادية. إنها نموذج لدولة صغيرة بنت أمنها بالكامل على الخارج، ثم اكتشفت أن الخارج نفسه يتغير. ومن بين كل دول مجلس التعاون الخليجي، تبدو المنامة الآن الأكثر انكشافاً، والأقل قدرة على تحمّل حرب طويلة أو عزلة ممتدة.
وكلما طال إغلاق مضيق هرمز، اقتربت البحرين أكثر من السؤال الذي حاولت تأجيله لسنوات: ماذا يحدث لدولة باعت أمنها بالكامل للخارج، حين يبدأ ذلك الخارج نفسه بالانسحاب؟
تنويه من موقع "wakalanews":
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: alkhanadeq.com بتاريخ: . الآراء والمعلومات الواردة في هذا المأوضح لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع "wakalanews"، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.



