صحافة

الاتصال الاستراتيجي في زمن الحرب الإدراكية: دروس من تجارب معاصرة

في الحروب التي تشهدها المنطقة اليوم، لم تعد المعركة تُحسم بميزان القوة النارية وحده، بل باتت تُخاض بالتوازي في فضاء موازٍ هو فضاء العقول والمشاعر والسرديات. ومنذ اندلاع طوفان الأقصى وما تلاه من حروب متعاقبة في غزة ولبنان وإيران، أصبح واضحاً أن الطرف الذي يمتلك التفوق العسكري لا يمتلك بالضرورة القدرة على فرض روايته، وأن الجمهور، محلياً وإقليمياً ودولياً، أصبح ساحة تُستثمر فيها الموارد والجهد بقدر ما يُستثمر في الميدان.

في هذا السياق، تتناول الدراسة أدناه، الصادرة عن مديرية الدراسات الإستراتيجية في المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق، موضوع الاتصال الاستراتيجي مع الجمهور خلال الحروب العسكرية والإدراكية المعاصرة، وذلك من خلال مراجعة نقدية لأدبيات أكاديمية وتقارير بحثية حديثة تناولت تجارب عدد من الدول في إدارة هذا الملف. وتنطلق الدراسة من سؤال مركزي: كيف يكون الاتصال الاستراتيجي ناجحاً مع الجمهور في ظل حرب عالية المخاطر مقترنة بحملات معلوماتية موجهة، وما الذي يفترض أن يحققه هذا الاتصال؟

تميز الدراسة، منذ مقدمتها، بين ثلاثة مفاهيم متداخلة: حرب المعلومات التي تُعنى بالبيانات نفسها، والحرب الإدراكية التي تستهدف المعنى الذي يبنيه الناس من تلك البيانات وبالتالي طريقة تفكيرهم واتخاذهم القرار، والاتصال الاستراتيجي بوصفه الاستخدام الهادف للاتصالات من قبل منظمة ما لتحقيق أهدافها. وتخلص إلى أن الاتصال الاستراتيجي الرسمي وحده محدود التأثير بحكم قيوده الأخلاقية والشفافية المفترضة فيه، وأن أنجح المنظومات الاتصالية هي تلك التي تجمع بين الجهد المباشر للمؤسسة والجهد غير المباشر عبر إشراك المجتمع، إضافة إلى أن الخطاب مهما بلغ تأثيره لا يعوّض الفعل الملموس على الأرض.

وتستعرض الدراسة نماذج تطبيقية متعددة: التجربة الأوكرانية في مواجهة الغزو الروسي، حيث بُنيت البنية التحتية للاتصال الاستراتيجي قبل سنوات من الحرب واعتُمدت سياسة “الصوت الواحد” مع سرديات مؤطرة أخلاقياً وموجهة لكل جمهور بخطاب مخصص، والتجربة الإسرائيلية بعد أكتوبر 2023، التي نجحت وفق الدراسة في تحقيق أهدافها السياسية رغم إخفاقها النسبي في كسب الرأي العام الرقمي العالمي، والتجربة الإيرانية خلال الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران عام 2026، بما تضمنته من عقيدة اتصالية متعددة المستويات ومركزية قرار مع مرونة تنفيذية، واستخدام موسّع للذكاء الاصطناعي والمحتوى الساخر (كفيديوهات “الليغو”)، وتوزيع أدوار بين مقر خاتم الأنبياء وفرق “أوج” والسفارات، إضافة إلى مقارنة بين أرمينيا وأذربيجان في حرب 2020، وتجربة الهند وباكستان في “عملية سيندور” 2025.

كما تخصص الدراسة قسماً لمفهوم “الاتصالات الاستراتيجية القائمة على العاطفة” (EBSC)، الذي يقترح نظاماً مدعوماً بالذكاء الاصطناعي يرصد المناخ العاطفي للجمهور في الوقت الفعلي ويعمل على توجيهه نحو مشاعر أكثر إيجابية، انطلاقاً من فرضية أن التأثير على الناس يمر أولاً عبر التأثير على مشاعرهم.

وتخلص الدراسة في قسمها الختامي إلى ستة دروس رئيسية: بناء سردية استراتيجية موحدة ومتسقة من القمة إلى القاعدة ومقترنة بأفعال ملموسة، التحضير المسبق وبناء القدرات الدفاعية والهجومية معاً، اعتماد أدوات وتكتيكات تراهن على التواصل العاطفي والبصري والاستباقي والفكاهة أكثر من الخطاب العقلاني الرسمي، الاستثمار في الجهد المجتمعي الشامل بما يمنح المحتوى استقلالية ومصداقية أكبر من الرسائل الرسمية، إعادة تعريف معيار النجاح بتحقيق الأهداف السياسية والعسكرية لا بمجرد الحضور على منصات التواصل، وأخيراً تحديد ما ينبغي أن يحققه الاتصال الاستراتيجي من حيث الحفاظ على الإرادة الجماعية للصمود وبناء الشرعية والحد من فاعلية الحرب الإدراكية المعادية وتأمين الدعم الخارجي وتحويل الجمهور من عبء إلى قوة فاعلة.

تختم الدراسة بالتنبيه إلى أن التأثير في المجتمعات عملية معقدة وبطيئة لا تحدث بشكل خطي أو حاسم، وأن استمرارية الجهد الاتصالي أهم من أي حملة آنية، فيما تشير صراحة إلى أن بعض النماذج التي استُعرضت (كالحالة الإسرائيلية) لم تُدرج بوصفها مثالاً يُحتذى بل كأحد التجارب المعروضة للتحليل ضمن المشهد المقارن.

لحميل الدراسة من هنا


المصدر الأصلي: alkhanadeq.com

wakalanews.com — متابعة الخبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى