صحافة

المنطقة المحظورة في هرمز: كيف تحوّل إيران المضيق إلى سلاح استراتيجي

إعلان طهران عن “منطقة محظورة” قرب مضيق هرمز لا يمكن قراءته بمعزل عن “خط الحصار البحري” الذي تفرضه الولايات المتحدة على السواحل الإيرانية، فهذا الخط ليس حدوداً جغرافية منشورة بإحداثيات رسمية، بل هو حزام عملياتي تحدده واشنطن عملياً عبر تمركز قطعها البحرية بقيادة سنتكوم، وعبر إعادة توجيه السفن التجارية بعيداً عن الموانئ الإيرانية ومداخل المضيق، بهدف تقييد دخول وخروج السفن من الموانئ الإيرانية ومنع تصدير النفط. ورغم غياب إحداثيات معلنة، يمكن رسم جغرافيا هذا الحصار من خلال أنماط التمركز الفعلية: عند مداخل مضيق هرمز قرب شبه جزيرة مسندم العُمانية ومقابل السواحل الإيرانية حيث تراقب القطع الأميركية العبور وتفرض إعادة التوجيه، وقبالة موانئ التحميل الرئيسية كبندر عباس وبوشهر وجزيرة خرج حيث سُجلت ضربات على ناقلات حاولت التصدير، إضافة إلى الممرات الداخلية للخليج التي تُحوَّل فيها السفن التجارية عن مساراتها المباشرة. وبما أن نحو 20 إلى 30 في المئة من نفط العالم يمر عبر هذا المضيق، فإن السيطرة على مداخله تمنح واشنطن رافعة مباشرة على أسواق الطاقة، وتُسهم في عزل إيران عن سلاسل الإمداد البحرية وتقليص إيراداتها النفطية، في محاولة لإعادة رسم خريطة الأمن البحري لصالح المرور الأميركي-الخليجي.

في مقابل هذا الحصار، جاء الإعلان الإيراني عن “منطقة محظورة” ليس في نص موحد، بل عبر تصريحات متتالية لمسؤولين، أبرزها ما أعلنه أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي في السادس من أيلول-سبتمبر بأن منطقة محظورة جديدة ستُعلن خارج مضيق هرمز، تبدأ من خط الحصار الأميركي نفسه وتشمل أجزاء من الخليج الفارسي، على أن تُدرَج أي سفينة تخالف هذه المنطقة على قائمة العقوبات الإيرانية. وأكد المتحدث باسم الحرس الثوري حسين محبي هذا التوجه، معلناً عزم طهران إنشاء منطقة مقيّدة تمتد من خليج تشابهار إلى بحر عُمان وبحر العرب، رداً على خط الحصار الأميركي، مشدداً على أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر بحري بل بات إحدى المعادلات الحاسمة في النظام العالمي، وأن أي سفينة تعبر منطقة العقوبات من دون تنسيق مسبق ستُحرم من الخدمات البحرية والتأمين والدعم حتى في عبورها اللاحق. واللافت أن طهران تجعل من الحصار الأميركي نفسه الحد الخارجي لمنطقتها المحظورة، محمّلة واشنطن مسؤولية أي تصعيد، ومحوّلة بذلك اشتراطها فتح المضيق بإنهاء الحصار من إجراء عسكري إلى ورقة مساومة سياسية-اقتصادية-أمنية. وبذلك تمتد المنطقة الإيرانية من الخارج إلى الداخل، من حد الحصار الأميركي وصولاً إلى موانئ التحميل، لتغدو مرآة جغرافية للحصار نفسه، حزاماً متحركاً يتبدل مع تحركات القطع الأميركية بدل أن يكون حدوداً ثابتة، وهو ما يمنح طهران مرونة تفسيرية ويجعل من الصعب على شركات الشحن تحديد موقعها داخل المنطقة أو خارجها من دون التنسيق المباشر معها. وتشير التجربة الميدانية إلى أن إيران تعتمد حتى الآن استراتيجية رفع الكلفة لا الإغلاق التام، عبر الصواريخ الساحلية والمسيّرات والزوارق السريعة، وهو ما يفسر استمرار تدفق نفطي جزئي يقارب تسعة ملايين برميل يومياً بحسب التقديرات الأميركية، مقابل انخفاض حاد في عدد الناقلات العابرة.

هذه الخطوة تتسق مع تحول لافت في العقيدة الدفاعية الإيرانية خلال عامي 2025 و2026، من نهج الاحتواء الدفاعي القائم على تأخير الرد كتكتيك لإعادة المعايرة، إلى نهج الردع الهجومي المتكافئ والاستباقي أحياناً، الذي يسعى تكتيكياً إلى رفع الكلفة العسكرية والتجارية على الخصم، واستراتيجياً إلى كسر الحصار البحري الأميركي وانتزاع اعتراف دولي بدور إيران في إدارة المضيق، تمهيداً لتحويل إدارة المرور من واقع أميركي-دولي إلى واقع تقرّ به الشركات عبر امتثالها لشروط طهران. وتعوّض إيران بذلك الفجوة التقليدية في موازين القوة مع الخصوم الكبار عبر ما يمكن تسميته الردع الجغرافي، بجعل مضيق هرمز سلاح ردع استراتيجي لا مجرد ممر تجاري، قادر على تعطيل إمدادات الطاقة ورفع المخاطر على التجارة العالمية.

أما التداعيات المترتبة على هذا الإعلان فتتوزع على مستويات متعددة. جيوسياسياً، تنشأ ازدواجية سيادة بين واشنطن التي تعتبر المضيق ممراً دولياً تدير فيه عمليات مرافقة وإعادة توجيه، وطهران التي تعلنه مغلقاً وتهدد بعقوبات من يعبره دون تنسيق، وهو ما يرفع المخاطر السياسية والتشغيلية ويضغط على تحالفات واشنطن الإقليمية، فضلاً عن احتمال تحول النزاع إلى حرب طاقة تطال البنية النفطية الأوسع في الخليج. أما على صعيد الشحن، فقد وسّعت إيران قائمتها السوداء لتشمل 56 سفينة وناقلة، وتهدد بالغرامات والمصادرة والاحتجاز وحرمان السفن من الخدمات البحرية والتأمين، ما يضع المشغّلين بين فكي كماشة: عقوبات إيرانية في حال عدم الامتثال، وعقوبات أميركية في حال التعامل مع جهة إيرانية مدرجة أصلاً على لوائح العقوبات الأميركية. وينعكس ذلك ارتفاعاً في أقساط التأمين وأجور الشحن، وتباطؤاً في سلاسل الإمداد، ومخاطر قانونية إضافية تفرض على الشركات فحص سجل عبور كل سفينة قبل وصولها، إلى جانب ضغط متصاعد على أسواق الطاقة العالمية وأسعار النفط.

في المحصلة، لا تشكل “المنطقة المحظورة” مناورة تكتيكية عابرة، بل تحويلاً استراتيجياً لمضيق هرمز من ممر طاقة عالمي إلى ساحة جيوسياسية تُدار بمبدأ السيادة، تُستخدم فيها القيود على الملاحة كأداة ضغط سياسي-اقتصادي توازي في وظيفتها الضربات العسكرية المباشرة، وتحوّل المضيق بالنسبة لطهران من نقطة ضعف تحت الحصار إلى نقطة قوة تُعاد من خلالها صياغة معادلة الردع في الخليج.


المصدر الأصلي: alkhanadeq.com

wakalanews.com — متابعة الخبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى