صحافة

عاجل | السيادة الجوية العراقية: خرق بالتغاضي واستباحة بالتراضي

🚨 عاجل
📌 ملخص الخبر:
عاجل | السيادة الجوية العراقية: خرق بالتغاضي واستباحة بالتراضي

لم يعد مفهوم السيادة الجوية، الذي طالما فُهم تقليدياً على أنه الحق الحصري للدولة في تنظيم واستخدام المجال الجوي فوق أراضيها، صامداً أمام التحولات التقنية الهائلة التي شهدها العقد الأخير، إذ لم يعد اختراق المجال الجوي شرطاً لاستهداف الدول أو مراقبتها بعدما أتاحت الطائرات المسيّرة والأنظمة الحربية الفائقة التطور والذكاء الاصطناعي والأقمار الاصطناعية تنفيذ مهام استخبارية وهجومية من خارج الحيز السيادي نفسه. وبذلك تحوّلت السيادة الجوية من معنى “منع الدخول” إلى معنى “القدرة على الكشف والاعتراض”، فباتت الدول التي تفتقر إلى منظومات دفاع جوي متعددة الطبقات تفقد سيادتها الجوية فعلياً وإن ظلت قائمة قانوناً. غير أن المشكلة العراقية لا تقتصر على هذه الإشكالية العامة، بل تتجاوزها إلى تفريط الدولة العراقية بسيادتها الجوية عبر أربعة مسارات متداخلة: الاتفاقات الرسمية التي تفتح الباب أمام الخروقات الأميركية، وسياسة عدم الممانعة إزاء الاعتداءات على الجوار وعلى مكونات من الشعب العراقي نفسه، والسماح باستخدام مطارات محلية، وأخيراً الاستقواء المتبادل بين السلطة العراقية وواشنطن على فصائل المقاومة.

ووفقاً للمادة الأولى من اتفاقية شيكاغو للطيران المدني لعام 1944، الممتدة من اتفاقية باريس لعام 1919، تملك كل دولة سيادة كاملة ومطلقة على فضائها الجوي، بما يمنحها السيطرة على أجوائها ووضع قوانين الملاحة وفرض الرسوم على العبور. بيد أن القانون الدولي يفترض ضمناً حداً أقصى غير معيّن بدقة لهذه السيادة، وهو ما يخلق منطقة رمادية بين المجال السيادي والفضاء الخارجي الحر. وفي الحالة العراقية، فإن هذه السيادة تبدو وهمية، لا بفعل فجوة إستراتيجية أو عجز في القدرات، بل بفعل تنازل سياسي متعمد لصالح تأمين مصالح سلطة رسمية متغيرة وفق معادلة تقاطع المصالح مع “الأجنبي”، وهي معادلة تُلبَس عادة لبوس “المصلحة الوطنية العليا”.

يستند هذا التفريط إلى إطار قانوني تأسس بموجب اتفاقيتين وُقّعتا عام 2008: اتفاقية وضع القوات التي أجازت للحكومة العراقية طلب دعم أميركي مؤقت في مراقبة المجال الجوي والسيطرة عليه، وهي عبارة كانت كافية لتقوم القوات الأميركية بأعمال التجسس والرصد وإنشاء الإحداثيات وحماية قواعدها، واتفاقية الإطار الإستراتيجي التي نصت على تعاون أمني ودفاعي فضفاض متعدد الأوجه. ثم جاء اجتياح تنظيم داعش ليضيف طبقة جديدة، حين وجّه رئيس الوزراء آنذاك حيدر العبادي طلباً رسمياً للدعم العسكري الأميركي فتح الأجواء العراقية أمام سيادة جوية أميركية موازية استمرت حتى بعد زوال المبرر الأصلي، مضافاً إليها ملاحق ومأفادات سرية بين وزارتي الدفاع تُنظّم التنسيق الجوي واستخدام القواعد من دون أن تظهر في المصادر المفتوحة، وصولاً إلى اللجنة العسكرية العليا العراقية-الأميركية التي بدأت أعمالها مطلع 2024 بهدف الانتأوضح من مهمة التحالف الدولي إلى شراكة أمنية ثنائية دائمة.

ويتجلى الجانب الأخطر من هذا التفريط في سياسة عدم الاعتراض وعدم المحاسبة، إذ لا يوجد أساس قانوني يبرر الغارات الأميركية على العراق أو عبره، رغم أن واشنطن تسوّق ثلاثة مبررات مركّبة هي التنسيق والعلم المسبق العراقي، وحق الدفاع عن النفس بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وتفويضات الكونغرس الداخلية لاستخدام القوة. غير أن هذه المبررات لا تمنح تلقائياً حقاً في استخدام الأجواء العراقية لضرب دول مجاورة كإيران، أو لاستهداف مكونات عراقية لها تمثيل رسمي في الحكومة والبرلمان، من دون رضوخ ضمني من السلطة العراقية يتجلى في التغاضي وغياب أي إجراء اعتراضي فعلي. فحين تضرب واشنطن فصائل عراقية، تستند إلى حجة الدفاع عن قواتها، وحين تستخدم الأجواء العراقية ضد إيران فإنها تخترق سيادة كاملة وحصرية يقرّها القانون الدولي، رغم المواقف العلنية الرافضة للسلطة العراقية. وتكتفي بغداد في مواجهة هذه الخروقات بأدوات دبلوماسية شكلية كرسائل الاحتجاج وتوثيق الانتهاكات دون توظيفها دولياً، وهي إجراءات موجّهة أساساً للداخل العراقي أكثر منها لممارسة ضغط فعلي على الخارج.

أما على صعيد استخدام المطارات، فتعتمد واشنطن على شبكة من القواعد المنتشرة في عموم العراق، من مطار بغداد الدولي حيث يُشغَّل مجمع قاعدة النصر للقيادة والتحكم وجمع المعلومات، إلى مطار حرير في أربيل الذي تحوّل منذ 2014 إلى قاعدة متقدمة لمراقبة الفصائل وإطلاق المقاتلات والمسيّرات، مروراً بقاعدة بلد وقاعدتي كركوك رينج وألتون كوبري، وقد كانت قاعدتا عين الأسد والتاجي والقيارة من أبرز المنصات قبل نقل بعضها، وتتشابك هذه القواعد مع رادارات في دول الجوار كقاعدة كوجيك التركية ضمن منظومة مراقبة إقليمية متكاملة.

ويضاف إلى ذلك نمط من الاستقواء المتبادل، حيث تعتمد واشنطن منهجية مركبة من الضغط المباشر عبر الاستهداف العسكري والعقوبات، والضغط غير المباشر عبر الاستقواء بالسلطة العراقية نفسها، بهدف فرض معادلة حصرية السلاح وتفكيك الفصائل المقاومة، مستفيدة من تصنيف بعضها منظمات إرهابية عام 2025 لتبرير توجيه الانتقاد الشعبي من الاحتلال الأميركي نحو الفصائل ذاتها بوصفها مصدر عدم الاستقرار. وقد تُرجم ذلك بضربات جوية متكررة استهدفت قادة ميدانيين ومقرات لوجستية، من اغتيال أبو مهدي المهندس وقاسم سليماني مطلع 2020 مروراً بغارات متتالية في الأنبار وبغداد وصلاح الدين وديالى خلال الأعوام التالية، وصولاً إلى ضربات مشتركة مع السعودية استهدفت نحو 85 هدفاً في تموز 2026.

وتخلص هذه القراءة إلى أن استعادة السيادة الجوية العراقية تستوجب تغييراً بنيوياً في سياسات السلطة، بدءاً من مراجعة أصل وجود القوات الأميركية على الأراضي العراقية بما فيها إقليم كردستان، ومنع استخدام الأجواء العراقية للاعتداء على الجوار تحت طائلة مراجعة كامل العلاقة الثنائية وعائداتها الاستثمارية على واشنطن، مستفيدة من أوراق القوة الشعبية والموقع الجيوسياسي الذي يجعل من العراق وسيطاً طاقوياً لا غنى عنه بين الخليج وتركيا وأوروبا. ويستلزم ذلك تشكيل جبهة وطنية موحدة تشمل إصلاحات تشريعية تحمي الفصائل المقاومة بوصفها جزءاً من نسيج الدفاع الوطني، ومراجعة شاملة لمأفادات التفاهم مع واشنطن، وإشراك المجتمع المدني، وتفعيل الدبلوماسية لرصد الخروقات وتوثيقها، وسن تشريعات تجرّم انتهاك السيادة الجوية، وتشكيل لجان برلمانية لمساءلة الحكومة، إلى جانب السعي لامتلاك منظومات دفاع جوي فعلية تحوّل الردع من شعار سياسي إلى واقع عملي رادع.


المصدر الأصلي: alkhanadeq.com

wakalanews.com — متابعة الخبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى