صحافة

“إسرائيل” تسلّح الميليشيات في غزة: المعركة على سلاح المقاومة

يتحرك الاحتلال داخل غزة بمختلف الطرق محاولًا إحكام قبضته وحصاره على القطاع، ويعمل على الاستفادة من قوى فلسطينية مسلحة تعمل في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية. بدأ المشروع كأداة ضد وجود حركة حماس وبهدف تقييد حركتها في القطاع، لكنه أخذ خلال الأشهر الماضية شكلًا أكثر تنظيمًا، مع قواعد ومناطق انتشار ودعم عسكري وتنسيق مباشر مع جيش الاحتلال الإسرائيلي وجهاز الشاباك.

نشرت صحيفة «هآرتس» تحقيقًا في شهر أغسطس/آب الفائت، استند إلى شهادات جنود إسرائيليين ومصادر داخل غزة وصور أقمار صناعية ومقاطع فيديو وبيانات للأمم المتحدة، ومؤشرات واضحة على اتساع هذا التعاون. حيث باتت هذه الميليشيات تتحرك بالقرب من مواقع الجيش الإسرائيلي، وتظهر على خرائط الإحاطة العسكرية، ولديها إشارات اتصال على شبكة الاحتلال، فيما تحدثت مصادر عن حصولها على دعم مدفعي وجوي خلال عمليات ضد حماس. ويعمل الكيان من خلال دعمه لهذه الميليشيات على خلق واقع أمني جديد داخل أجزاء من غزة، تكون فيه السيطرة موزعة بين الجيش الإسرائيلي ومجموعات فلسطينية مسلحة مرتبطة به.

قوة مسلحة تحت الحماية الإسرائيلية

توجد خمس مجموعات مسلحة بارزة تعمل في مناطق مختلفة من القطاع، مع مؤشرات على نشاط مجموعة سادسة. تنتشر هذه المجموعات في بيت حانون والشجاعية ودير البلح وخان يونس ورفح، وتتمركز قواعدها بالقرب من مناطق انتشار الجيش الإسرائيلي. قرب القواعد القريبة من «الخط الأصفر» ما يسمح لعناصرها بالتسلل إلى مناطق تسيطر عليها حماس.

بحسب شهادات جنود إسرائيليين، تستخدم «إسرائيل» هذه المجموعات للوصول إلى مناطق يصعب على جنودها دخولها. وفي إحدى الحالات، أرسلت عناصر من إحدى الميليشيات إلى منطقة داخل الأراضي التي تسيطر عليها حماس «لاستعادة طائرة مسيّرة تستخدم في عمليات تهريب». حيث كانت التعليمات لهم حينها: «إعادة الطائرة والاحتفاظ بما يجدونه داخلها».

بدأ الاعتماد على هذه العشائر في وقت مبكر من الحرب. حيث كان هدف «إسرائيل» القضاء على حركة حماس عسكريًا، وفي الوقت نفسه ترفض عودة السلطة الفلسطينية إلى القطاع.

في يونيو/حزيران 2025، أقر بنيامين نتنياهو علنًا بأن «إسرائيل» فعلت ذلك بناءً على توصيات أمنية، وقال إن بلاده فعّلت دور العشائر في غزة لتعارض وتضغط حماس.

مع مرور الوقت، انتقل الاحتلال من دعم المجموعات المحلية المتعاونة معه إلى بناء تشكيلات مسلحة بهيكلية معينة. وأصبح نموذج ياسر أبو شباب في رفح أحد أبرز وجوه هذا المشروع. وبعد مقتله عمل الاحتلال على توسيع دور الميليشيا التي ارتبط اسمه بها.

وتظهر صور الأقمار الصناعية في شرق رفح تغيرًا لافتًا في قاعدة تابعة لهذه المجموعة. حيث جرى توسيع ساحة التدريب، وإضافة منشآت متنقلة، وإنشاء مرافق تشمل متجرًا للمواد الغذائية وملعبًا كبيرًا. مشاهد تبدو بعيدة تمامًا عن صورة غزة المدمرة التي يعيش فيها أكثر من مليوني شخص وسط نقص حاد في الاحتياجات الأساسية.

الميليشيات تدخل في مواجهة مع أهالي غزة

المشكلة الأكبر أن نشاط هذه المجموعات لا يقتصر على مواجهة حماس. فبحسب التحقيق، وثقت الأمم المتحدة حالات قامت فيها مجموعات مسلحة بالتنسيق مع جيش الاحتلال بإجبار عدد من أهالي غزة على مغادرة مناطقهم. وأفاد نازحون بأن القوات الإسرائيلية، مدعومة بمسلحين فلسطينيين، تقدمت نحو مناطق سكنية مدنية وأجبرت سكانها على الرحيل.

كما تحدث ضابط في سلاح الجو الإسرائيلي في تقرير لصحيفة «هآرتس» العبرية، عن مشهد شاهده أثناء متابعة إحدى الميليشيات بطائرة مسيّرة. وقال إن «المسلحين وصلوا بشاحنات صغيرة، وأطلقوا النار على أشخاص، ثم دخلوا المنازل ونهبوا ما فيها وأحرقوا أحدها».

إسرائيل تريد «قوة محلية»، لكنها لا تثق بها

المؤسسة العسكرية للاحتلال مدركة لمحدودية هذه المجموعات. حيث صرح مسؤولون كبار لـ«هآرتس» إن «قادة بعض الميليشيات ليسوا شخصيات سياسية قادرة على تشكيل بديل لحماس. بعضهم ارتبط سابقًا بعالم الجريمة، بينما استفاد آخرون من انهيار النظام الأمني في غزة». كما وصفهم أحد الضباط الإسرائيليين بأنهم «حل مؤقت ومحلي»، وقال إن الجيش يحتاج إلى «قوة قادرة على تنفيذ مهام بدل تنفيذها بواسطة الجنود الإسرائيليين». وهذه التصاريح وغيرها تؤكد أن الاحتلال يتعامل مع هذه الميليشيات وفق مبدأ المصلحة وكونها متاحة لتنفيذ أجندته. وهذا يأتي عكس طموحات قادة هذه الميليشيات في «بناء سلطة جديدة في غزة».

حركة حماس من جهتها ترى في هذه المجموعات تهديدًا مباشرًا. حيث قالت مصادر الحركة إن «استمرار تسليحها يجعل التخلي عن أسلحة الدفاع أمرًا مستحيلًا»، بسبب ما تقترفه هذه القوات.

فكيف يمكن مطالبة حماس بتسليم سلاحها بينما توجد مجموعات مسلحة تعمل بدعم إسرائيلي داخل القطاع؟

تكشف هذه الوقائع أن الحرب المستمرة على غزة تتجاوز هدف «إسقاط حماس». ما يجري هو محاولة لإعادة تشكيل البيئة داخل القطاع بما يضمن بقاء المقاومة محاصرة ومجزأة، واستبدال المقاومة التي نشأت من صلب المجتمع الفلسطيني ومن واقع القهر والاحتلال بميليشيات مسلحة ترتبط بالاحتلال وتتحرك تحت وصايته.

من هنا، يصبح الصراع على سلاح المقاومة في جوهره صراعًا على مستقبل غزة، وعلى قدرة الفلسطينيين على امتلاك قوة مستقلة عن الاحتلال وقادرة على مواجهته.

ولهذا يبقى أي حديث عن «اليوم التالي» في غزة ناقصًا لتجاهله مسألة الاحتلال وحق الفلسطينيين في الدفاع عن أنفسهم. فالمعضلة لم تبدأ بوجود سلاح المقاومة، وإنما بدأت بوجود الاحتلال الذي جعل هذا السلاح جزءًا من معادلة الصراع.


المصدر الأصلي: alkhanadeq.com

wakalanews.com — متابعة الخبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى