احتجاجات المحروقات في سوريا: أزمة معيشية تكشف إخفاقات السلطة المؤقتة
تتوسع دائرة الاحتجاجات الشعبية في سوريا، لتكشف أن الأزمة التي تواجه السلطة المؤقتة برئاسة أحمد الشرع لم تعد محصورة في الملفات السياسية والأمنية والخارجية، بل بدأت تطاول بصورة مباشرة حياة السوريين اليومية وقدرتهم على تأمين احتياجاتهم الأساسية. فبعد أشهر من الوعود بتحسين الأوضاع المعيشية وبناء مرحلة جديدة عقب سقوط نظام الرئيس بشار الأسد، جاءت أزمة المحروقات الأخيرة لتضع السلطة المؤقتة أمام اختبار اقتصادي وشعبي بالغ الصعوبة، بعدما خرجت احتجاجات في مدن وبلدات عدة، بينها إدلب والرقة والحسكة ودير الزور وحلب وحماة ودرعا، رفضاً لرفع أسعار الوقود وتعديل آلية الدعم.
وبدأت الاحتجاجات بعد قرار اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المواد البترولية والثروات المعدنية رفع الأسعار، إذ ارتفع سعر لتر البنزين “أوكتان 95” إلى 195 ليرة سورية، مقابل 152 سابقاً، والبنزين “أوكتان 90” إلى 185 ليرة بدلاً من 147، فيما ارتفع سعر لتر المازوت من 125 إلى 175 ليرة. ورغم تصريح الحكومة بأن الزيادة مؤقتة وترتبط بظروف استثنائية، فإنها جاءت في بلد أنهكته الحرب والغلاء والنزوح وأنهكت القدرة الشرائية للمواطنين، ما جعل القرار يتحول سريعاً إلى شرارة غضب واسعة لديهم.
ولم تقتصر المطالب على التراجع عن رفع الأسعار، بل تحولت في بعض المناطق إلى مطالب مباشرة بإقالة وزير الطاقة محمد البشير، حيث ردد محتجون هتاف “الشعب يريد إسقاط الوزير”. وفي الحسكة، أُغلقت طرق وأُشعلت الإطارات، بينما أُغلق الطريق الدولي “إم 4” في تل تمر، ما أدى إلى توقف حركة مئات صهاريج النفط. كما امتدت الاحتجاجات إلى معبر باب السلامة مع تركيا، وإلى الشحيل وريف البوكمال، حيث قطع محتجون طرقاً حيوية بينها الطريق المؤدي إلى العراق وطريق حقل العمر النفطي، فيما شهدت الرقة تحركات مماثلة.
وتكتسب هذه الاحتجاجات دلالة سياسية إضافية لأن قسماً كبيراً من المشاركين فيها ينتمي إلى البيئة الاجتماعية التي كانت مؤيدة للسلطات الجديدة. وبالتالي، فإن المسألة لا تبدو مجرد اعتراض على نشرة أسعار، بل تعبيراً عن خيبة متزايدة من نتائج المرحلة الجديدة. فالسوريون كانوا ينتظرون تحسناً ملموساً في أوضاعهم بعد سقوط النظام السابق، ولا سيما في ظل الدعم الأميركي والعربي الكبير الذي حصلت عليه السلطة الجديدة، وفي ظل سيطرتها، بدعم أميركي، على موارد نفطية ومناطق إنتاج القمح في شمال شرقي الفرات.
وتأتي هذه التطورات في وقت ما تزال فيه الفجوة بين الأجور وتكاليف المعيشة هائلة. فرغم إصدار الحكومة مراسيم عدة لزيادة رواتب الموظفين، يصل راتب معظم موظفي الدرجة الأولى إلى نحو 150 دولاراً شهرياً، في حين تحتاج الأسرة الصغيرة إلى نحو 600 دولار لتغطية احتياجاتها الأساسية. كما التهم ارتفاع الأسعار الزيادات السابقة، بالتوازي مع قرارات رفعت كلفة الخدمات الأساسية، ومنها زيادة تعرفة استهلاك الكهرباء أواخر تشرين الأول/أكتوبر 2025 بما يصل إلى عشرات الأضعاف مقارنة بالأسعار السابقة.
ولهذا، لم يكن غريباً أن يصف أحد شيوخ قبيلة في الحسكة القرار بأنه “إعدام بطيء للمواطن الفقير”، مؤكداً أن كثيراً من السوريين لم يعودوا قادرين على تأمين قوت يومهم وأطفالهم.
غير أن الجانب الاقتصادي ليس سوى جزء من صورة أوسع. فالسلطة المؤقتة تواجه أيضاً انتقادات متزايدة بسبب أدائها الخارجي، ولا سيما في التعامل مع الكيان المؤقت. فبدلاً من أن يؤدي سقوط النظام السابق إلى استعادة السيادة السورية الكاملة، يجد السوريون أنفسهم أمام واقع تتوسع فيه السيطرة الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، مع استمرار الاحتلال والتوغلات وفرض أمر واقع في مناطق سورية عدة. وبذلك، فإن السلطة التي وعدت بفتح صفحة جديدة تجد نفسها أمام سؤال السيادة: كيف يمكن لسلطة أن تقنع مواطنيها بأنها استعادت الدولة، بينما تفقد البلاد مناطق جديدة بفعل الاحتلال الإسرائيلي وتتعامل مع هذا الواقع بعجز واضح؟
وهنا تتقاطع الإخفاقات الخارجية مع الأزمة الداخلية. فبينما يتحمل المواطن أعباء ارتفاع أسعار الوقود والكهرباء والنقل والغذاء، تبدو الدولة عاجزة عن تقديم إجابة مقنعة بشأن السيادة والأمن والحدود والموارد. ويزداد هذا التناقض حدة مع انتشار مقاطع مصورة لمواكب مسؤولين سوريين تضم أعداداً كبيرة من السيارات الفارهة ذات المحركات الكبيرة، في وقت يُطلب فيه من المواطن تقبل رفع أسعار المحروقات. وقد أثارت هذه المشاهد غضباً واسعاً وتساؤلات حول حجم الإنفاق على تلك المواكب، ومصدر الوقود الذي تستهلكه، ولماذا لا تشمل سياسات التقشف المسؤولين أيضاً.
كما أن الحديث عن اقتصاد الولاءات والفساد، والاتهامات المتعلقة باستخدام الوسطاء ودفع الأموال لتسهيل الأعمال أو الإفراج عن موظفين، يعمّق أزمة الثقة. فحين يشعر المواطن بأن الأعباء الاقتصادية توزع عليه وحده، بينما تستمر مظاهر الرفاهية لدى المسؤولين، فإن المشكلة تتحول من أزمة أسعار إلى أزمة شرعية وثقة.
وبذلك، تبدو احتجاجات المحروقات مؤشراً أكثر أهمية من مجرد رفض زيادة سعر لتر البنزين أو المازوت. إنها تعكس اتساع الفجوة بين وعود المرحلة الجديدة وواقعها، وبين ما انتظره السوريون وما وجدوه على الأرض. فمن الاقتصاد المتعثر والغلاء، إلى الفساد واقتصاد الولاءات، وصولاً إلى العجز عن حماية السيادة أمام الاحتلال الإسرائيلي، تتراكم الملفات التي تضع أحمد الشرع وسلطته المؤقتة أمام اختبار صعب.
والأخطر بالنسبة إلى السلطة أن الاحتجاج لم يعد محصوراً في خصومها التقليديين، بل بدأ يصدر أيضاً من بيئات كانت تراهن على المرحلة الجديدة. وعندما تتحول هذه البيئات نفسها إلى الشارع، وتُرفع المطالب بإقالة الوزراء، وتُغلق الطرق والمعابر، وتُوجَّه رسائل الغضب إلى مواكب المسؤولين، فإن ذلك يعني أن الأزمة لم تعد مجرد أزمة قرار اقتصادي خاطئ، بل أزمة ثقة آخذة في الاتساع بين السلطة والمجتمع. وهنا قد يعود الاستثمار الخارجي في أزمات سوريا للعب أدواره من جديد، خاصة لدى دول عربية لا تريد لتركيا تعميق نفوذها في هذا البلد عبر هذه السلطة المؤقتة، مثل السعودية والإمارات.
المصدر الأصلي: alkhanadeq.com




