عامان على غياب شهيد الأوتاد؛ السيد حسن نصرالله
عامان
في السابع والعشرين من سبتمبر 2024، غاب جسد السيد حسن نصرالله عن المشهد، لكن حضوره ظل طاغياً على وجدان الملايين من الأمتين العربية والاسلامية. وفي ذكری استشهاده، لا يزال السؤال قائماً: ما الذي جعل هذا الرجل، القادم من حارات بيروت الفقيرة، يتحول إلى ظاهرة سياسية وعسكرية وروحية تتجاوز حدود لبنان والطائفة والمذهب؟ الإجابة تكمن في شخصية قلّ أن يجود الزمان بمثلها، جمعت بين القيادة الكاريزمية والصدق النادر، وبين احتضان الجميع دون استثناء، وبين مواجهة العدو الأكبر في المنطقة بثبات لم يعرفه تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي الحديث.السيد نصرالله في مقام “محرري الأوطان” و”الشهداء المُغتالين”
حين نضع السيد حسن نصرالله في سياق أكبر الشخصيات السياسية التي حررت بلدانها، نجد أنفسنا أمام نمط متكرر في التاريخ: قادة يجمعون بين الرؤية الاستراتيجية والقدرة على التعبئة الجماهيرية، ويملكون من الصدق ما يجعل كلماتهم تُترجم إلى أفعال. هذا المعنى يتجلى في تجارب مثل سيمون بوليفار في أمريكا الجنوبية، وجمال عبد الناصر في مصر، وغيرهما من الذين ارتبطت أسماؤهم بتحرير أوطانهم من الهيمنة الأجنبية.
الاختلاف الأهم أن السيد نصرالله لم يكن “قائد دولة” بالمعنى التقليدي. لم يجلس على كرسي رئاسي، ولم يوقّع معاهدات سلام، ولم يتلقّ رؤساء الدول في قصور رسمية. ومع ذلك، كانت كلماته توقف الحروب وتهزّ حكومات، وكانت تهديداته تُترجم إلى خطوط حمراء يعرفها العدو قبل الصديق. في عام 2006، أظهر استطلاع إسرائيلي أن 85% من الإسرائيليين كانوا يصدّقون ما يقوله السيد أكثر مما يصدّقون حكامهم وقادتهم. هذه المصداقية، في عالم السياسة، عملة نادرة لا تُشترى ولا تُقلَّد.وفي السياق ذاته، يندرج السيد نصرالله ضمن قائمة الشخصيات الكبرى التي اغتالها الأعداء عبر التاريخ، من جون كيندي إلى مارتن لوثر كينغ، وصولاً إلى القادة الذين استهدفهم الکيان الإسرائيلي على امتداد الصراع، مثل الشيخ أحمد ياسين والسيد عباس الموسوي وفؤاد شكر. غير أن ما يميز السيد نصرالله أنه لم يكن مجرد زعيم سياسي أو قائد عسكري فحسب، بل كان يجمع بين الأدوار الثلاثة: القائد السياسي الذي تخطب كلماته فتتجمد المنطقة، والقائد العسكري الذي يدير معارك من غرفة عمليات لا يراها أحد، والزعيم الروحي الذي يمنح أتباعه إحساساً بالرسالة والمعنى. هذا الثلاثي هو ما جعله هدفاً استراتيجياً من الطراز الأول، وهو ما جعل اغتياله حدثاً مفصلياً في تاريخ الصراع.السيد نصرالله و«احتضان الطوائف»: من منطلق المذهب إلى رحابة الوطن
أحد أكثر الأبعاد إثارة للدهشة في شخصية السيد حسن نصرالله كان قدرته على تحويل حزب الله من حركة مقاومة شيعية إلى قوة وطنية تحتضن جميع اللبنانيين. في بلد تنقسم فيه الطوائف الثمانية عشر على كل شيء، كان السيد نصرالله شخصية يُجمع على احترامها حتى خصومه السياسيون.في خطابه الشهير بمناسبة ذكرى حرب يوليو، قال بوضوح: «نحن رسالتنا واضحة، نريد لبنان بلداً للجميع، لكل أبنائه، لكل طوائفه، لا نريد تغيير الصيغة السياسية، نحن لا نطمح لحكم لبنان ولا للسيطرة على لبنان». هذه الكلمات لم تكن مجرد تكتيك سياسي، بل كانت تعبيراً عن رؤية استراتيجية ترى أن المقاومة لا يمكن أن تنجح إذا ظلت محصورة في طائفة واحدة.الأدلة على اتساع دائرة احتضانه لا تُحصى. نجيب ميقاتي، رئيس الوزراء السني، اتخذ مواقف داعمة للمقاومة في وجه الاعتداءات الإسرائيلية رغم اختلافاته السياسية. وليد جنبلاط، الزعيم الدرزي الذي كانت له سنوات من العداء مع حزب الله، أعلن في لحظات المواجهة: «في مواجهة العدو الصهيوني، نحن نقف إلى جانب حزب الله ومحور المقاومة». وحتى في أوساط المسيحيين، كان التفاهم مع التيار الوطني الحر بقيادة ميشال عون إنجازاً غير مسبوق، إذ جمع لأول مرة بين قوة شيعية مسلحة وأكبر حزب مسيحي ماروني في تحالف استراتيجي.هذا الاحتضان لم يكن مبنياً على التنازل عن المبادئ، بل على الإيمان بأن قضية المقاومة أكبر من أي طائفة. السيد نصرالله فتح أبوابه للسنة والمسيحيين والدروز، وذهب إلى بيوتهم ومناطقهم، وزار مصابيهم، وشارك في أفراحهم وأحزانهم. الصورة التي نشرتها قناة المنار بعد عامين على استشهاده، وهو يتفقد أحوال الناس في الضاحية الجنوبية، تختصر هذا النهج: القائد الذي لم يحتج إلى منصة رسمية ليكون قريباً من الناس.السيد نصرالله و«الوعد الصادق»: معادلة الردع الجديدة
ما ميّز السيد نصرالله عن معظم القادة العرب ليس فقط قدرته على الخطابة، بل قدرته على تحويل الكلمات إلى أفعال. في عالم السياسة العربية، حيث الوعود كثيرة والتنفيذ قليل، كان السيد نصرالله حالة نادرة. كان يقول فيهدد، ويعد فينفذ. الکيان الإسرائيلي كان يعرف أن تهديداته ليست مجرد خطاب، ولهذا كان يأخذ كل كلمة يقولها على محمل الجد.
هذه المصداقية تحولت إلى ما يمكن تسميته «معادلة ردع السيد نصرالله». لم يكن الکيان الإسرائيلي يخشى فقط من صواريخه أو مقاتليه، بل من قدرته على تغيير قواعد اللعبة الإقليمية. من عام 2000، حين أجبر الاحتلال الإسرائيلي على الانسحاب من جنوب لبنان دون أي شروط، إلى عام 2006، حين صمدت المقاومة في وجه حرب مدمرة استمرت 33 يوماً وحوّلت التهديد الإسرائيلي إلى فرصة لتعزيز الشرعية، أثبت السيد نصرالله أن المقاومة قادرة على فرض معادلات جديدة.سيد المقاومة في عداد الأوتاد
في التراث الصوفي الإسلامي، هناك مفهوم «الأوتاد»: قلة مختارة من الناس يُقال إن الله يحفظ بهم العالم، وهم قوة الخير المضادة للفساد والخراب. إذا صح هذا الوصف، فإن السيد حسن نصرالله كان واحداً من أوتاد هذه الأمة. لم يكن مجرد زعيم سياسي أو قائد عسكري، بل كان رمزاً لمشروع كامل: مشروع رفض الهيمنة، ومقاومة الاحتلال، واستعادة الكرامة.
المصدر الأصلي: www.alalam.net




