صحافة

منع المحجّبات من مدارس أذربيجان: الخلفيات والتداعيات

دخل الجدل الدائر حول حجاب الطالبات والمعلّمات في جمهورية أذربيجان مرحلة جديدة. فما بدأ قبل أسابيع قليلة بمنع الطالبات المحجّبات من دخول المدارس، تطوّر اليوم إلى اعتقال محتجّين، وملاحقة ناشطين على شبكات التواصل الاجتماعي، بل وإصدار أوامر اعتقال غيابية بحق سبع شخصيات دينية وإعلامية مقيمة في تركيا. وتواصل السلطات الأذربيجانية التأكيد على علمانية التعليم وضرورة الالتزام بالزيّ المدرسي الموحّد، الذي يعني عملياً حظر الحجاب. غير أنّ اتساع نطاق الاحتجاجات وطريقة تعامل السلطات معها يكشفان أنّ القضية لم تعد مقتصرة على لباس الطالبات.

تعود جذور الأزمة إلى تعديل قانون التعليم العام في السابع من يوليو/تموز، وقرارات مجلس الوزراء الصادرة في الحادي والعشرين من سبتمبر/أيلول والسادس من أكتوبر/تشرين الأول. فقد شدّدت الحكومة في هذه القرارات على مبادئ علمانية التعليم وضوابط لباس الطالبات والمعلّمات، أو بعبارة أبسط، منع الفتيات والنساء المحجّبات من دخول المدارس. واللافت أنّ نصوص القرارات لم تذكر الحجاب صراحة، لكن تطبيقها أدّى إلى حرمان طالبات محجّبات من دخول الصفوف الدراسية، كما وُجّهت إنذارات إلى بعض المعلّمات بضرورة الحضور إلى المدارس من دون غطاء للرأس. وتواترت أيضاً تقارير عن إبعاد معلّمات عن وظائفهنّ، وعن طالبات اضطررن إلى متابعة دروسهنّ أمام مباني المدارس وخارج أسوارها. وقد أوجد هذا الوضع تناقضاً صارخاً؛

ففي بلد ينصّ دستوره في الوقت نفسه على علمانية التعليم وحرية الضمير والحق في التعليم، أدّى تفسير اللوائح الإدارية عملياً إلى حرمان مجموعة من الأطفال من الدراسة وفصل عدد من المعلّمات من وظائفهنّ.

بلغت الاحتجاجات مرحلة حسّاسة في الثاني عشر من أكتوبر/تشرين الأول، فقد أعلنت وزارة الداخلية الأذربيجانية اعتقال 37 شخصاً في باكو، بينما تحدّث بعض الناشطين عن اعتقال أكثر من 200 شخص. واتّهمت الشرطة بعض المحتجّين بالإخلال بالنظام العام والقيام بأعمال عنف، وأعلنت فتح ملفات جنائية بحقهم. ومع ذلك، شملت الاعتقالات أيضاً أشخاصاً بسبب منشورات نشروها على شبكات التواصل الاجتماعي احتجاجاً على حظر الحجاب. وانتقدت منظمة العفو الدولية حرمان الطالبات المحجّبات من التعليم، وطالبت برفع القيود والإفراج عن المحتجّين السلميين. وفي الأيام التالية، تراجعت حدّة الاحتجاجات في الشوارع، غير أنّ التقارير الصادرة في العشرين من أكتوبر/تشرين الأول أظهرت أنّ مشكلة منع الطالبات والمعلّمات المحجّبات من دخول المدارس لم تُحلّ بعد.

ليست هذه التجربة جديدة على حكومة علييف. فقد أظهرت احتجاجات الحجاب بين عامَي 2010 و2012، ولا سيما المواجهات العنيفة أمام وزارة التعليم، أنّ الشبكات الدينية في أذربيجان تمتلك قدرة على التعبئة الاجتماعية. وكان الناشطون الدينيون والإسلاميون آنذاك في مقدّمة المحتجّين، وتمكّنت الحكومة من احتواء الأزمة عبر الإجراءات الأمنية والتطبيق غير المتكافئ للقيود. أمّا الفارق المهم اليوم، فيتمثّل في تغيّر تركيبة المحتجّين ووسائل احتجاجهم. فإلى جانب الأسر المتديّنة، عبّر طلاب ومعلّمون وفنّانون وبعض الشخصيات غير المتديّنة الناشطة على شبكات التواصل الاجتماعي عن دعمهم لحق الفتيات المحجّبات في التعليم. وفي بعض المقاطع المصوّرة، تدافع نساء غير محجّبات عن حرية اختيار اللباس. وهكذا لم يعد الخطاب الاحتجاجي دينياً بحتاً، بل بات جزء منه يستند إلى مفاهيم الحرية الفردية والعدالة التعليمية وحقوق المواطنة.

ولفهم سلوك الحكومة الأذربيجانية، لا بدّ من تجاوز التبرير الرسمي المتعلّق بالزيّ المدرسي. فخشية المؤسسات الحكومية من تنامي التوجّه الإسلامي والالتزام الديني في الحياة اليومية، بوصفهما قوة اجتماعية مستقلة تمتلك القدرة على التحوّل إلى معارضة سياسية، تُعدّ من الأسباب الكامنة وراء سلوك السلطات في باكو. ويكشف تاريخ التعامل مع الناشطين الدينيين وشبكات مثل «حركة الوحدة الإسلامية» عن حساسية الدولة تجاه هذه المسألة. وهناك فرضية أخرى تتمثّل في استخدام القيود الاجتماعية لإظهار هيبة السلطة وترسيخ نفوذها. ووفق هذا التفسير، فإنّ مواجهة فئة اجتماعية لها تاريخ من المقاومة والتنظيم يمكن أن تحمل رسالة ردع إلى سائر القوى الاجتماعية. وقد اعتبر المحلّل السياسي الأذربيجاني زرادشت علي زاده، في تصريحاته الأخيرة لموقع «القوقازسكي أوزيل» الإلكتروني، أنّ القيود المفروضة على الحجاب تأتي في سياق سياسة تهدف إلى تشديد سيطرة الدولة على المجتمع.

وازداد البُعد الإقليمي للأزمة تعقيداً أيضاً. فقد أثارت انتقادات شخصيات دينية وسياسية تركية للقيود المفروضة على الحجاب ردود فعل حادّة من بعض المسؤولين ووسائل الإعلام في باكو. وفي التاسع عشر من أكتوبر/تشرين الأول، أعلنت النيابة العامة في جمهورية أذربيجان إصدار أوامر اعتقال غيابية وملاحقة دولية بحق سبع شخصيات ناشطة في تركيا، من بينها رضوان كايا. وتشمل الاتهامات الموجّهة إليهم الدعوة إلى تغيير النظام السياسي بالعنف والتحريض على الكراهية الدينية. ويشير هذا الإجراء إلى أنّ الخلاف بشأن الحجاب انتقل من كونه نزاعاً داخلياً إلى قضية تؤثّر في العلاقات بين باكو وتركيا، وإن كانت العلاقات الاستراتيجية بين الحكومتين لا تزال قائمة.

ويستحقّ الموقف الإيراني في هذا السياق اهتماماً خاصاً. ففي العشرين من أكتوبر/تشرين الأول، شدّد إسماعيل بقائي، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، على احترام المعتقدات الدينية والحقوق المدنية للمواطنين الأذربيجانيين، وضرورة حلّ القضية من خلال التفاهم الداخلي. وقد رحّبت وكالة الأنباء الأذربيجانية APA  بالموقف الإيراني المتحفّظ في تحليل حمل عنوان: «النهج الذي كنّا ننتظره من تركيا جاءنا من إيران». وتكتسب هذه الاستجابة أهمية خاصة في ظلّ ربط بعض المحلّلين سياسة باكو الجديدة بالتغيّرات في موازين القوى الإقليمية، وبالمساعي الرامية إلى تقليص نفوذ إيران داخل الشبكات الدينية في أذربيجان.

ومن البديهي، بطبيعة الحال، أنّ التديّن في المجتمع الأذربيجاني ظاهرة مستقلة، تمتدّ جذورها إلى ما هو أعمق وأبعد بكثير من العلاقات السياسية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

ولم يعد السؤال الأساسي الآن ما إذا كانت حكومة علييف قادرة على احتواء الاحتجاجات أم لا. فقد أثبت الجهاز الأمني الأذربيجاني مراراً امتلاكه القدرة على ذلك. إنّما السؤال الحقيقي هو: ما الثمن الاجتماعي الذي ستدفعه السلطة مقابل هذا الاحتواء؟ فتراجع التظاهرات لا يعني بالضرورة تراجع الاستياء، ولا سيما عندما ترتبط القضية بالحياة اليومية للأسر ومستقبل الأطفال والأمان الوظيفي للمعلّمات. كما تستطيع شبكات التواصل الاجتماعي، رغم جميع القيود المفروضة عليها، أن تربط الاحتجاجات المتفرّقة بعضها ببعض، وأن تحوّل قضية محلية إلى جدل وطني يتجاوز الحدود.

ولا تزال أمام السلطات في باكو فرصة لحلّ القضية. بل إنّ تدخّل الرئيس إلهام علييف شخصياً قد يفتح المجال لتخفيف إجراءات تطبيق اللوائح وعودة الطالبات والمعلّمات المحجّبات إلى صفوفهنّ الدراسية. لكنّ المسألة تتجاوز قرار مدير مدرسة بعينه. فعلمانية الدولة لا تعني بالضرورة إقصاء الرموز الدينية للمواطنين عن المؤسسات التعليمية.

قد تتمكّن باكو من احتواء الاحتجاجات في الشوارع، لكنّ احتواء الاحتجاج لا يعني حلّ القضية. وربما لا يساور أحداً شكّ في قدرة السلطة على إغلاق أبواب المدرسة أمام طالبة محجّبة؛ غير أنّ ما لم يتّضح بعد هو قدرتها على الإجابة عن الأسئلة التي وُلدت خلف تلك الأبواب المغلقة.



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع “wakalanews”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى