هيمنة ترامب تقوّض “القوة الجيوسياسية” الأميركية

هيمنة ترامب
عداء ترامب لكندا والمكسيك يقوّض إحدى “أهم مزايا الولايات المتحدة الجيوسياسية”، المتمثلة في وجود جارين مستقرين وشراكة قارية متكاملة اقتصادياً وأمنياً. بحسب مقال نشرته صحيفة فورين آفيرز وترجمه موقع الخنادق الإلكتروني.
ويحذّر من أن الرسوم الجمركية والتهديدات العسكرية والتعامل بمنطق الإكراه ونزعة ترامب نحو الهيمنة تدفع البلدين إلى الابتعاد عن واشنطن، وتهدد عقوداً من التكامل التجاري والاستثماري الذي عزز قوة الاقتصاد الأميركي ونفوذه العالمي.
ويدعو إلى استعادة التعاون القائم على المصالح المتبادلة، معتبراً أن “قوة” أميركا العالمية تبدأ من متانة علاقاتها مع جيرانها، وأن التفريط بهذه الشراكة يمثل خسارة استراتيجية يصعب تعويضها.
النص المترجم
اليوم، ينظر الكنديون إلى الرسوم الجمركية المرتفعة التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وإلى انتقاصه من مكانة بلادهم عبر وصفها بأنها «الولاية الحادية والخمسون»، باعتبارهما اعتداءً على الاقتصاد الكندي واستقلاله. وفي المكسيك، أعادت الضغوط الاقتصادية التي يمارسها ترامب وتهديداته بالتدخل العسكري إحياء مخاوف تاريخية عميقة من الهيمنة الأميركية.
استغرق بناء الشراكة في أميركا الشمالية أجيالاً. ففي القرن التاسع عشر، ركزت السياسة الخارجية الأميركية على القارة التي تقع فيها الولايات المتحدة، حيث تنافست مع فرنسا والمكسيك وروسيا وإسبانيا والمملكة المتحدة والشعوب الأصلية على فرض الهيمنة. ومع تحوّل الولايات المتحدة إلى قوة عالمية في القرن العشرين، أخذ الاستراتيجيون الأميركيون العلاقات مع دول أميركا الشمالية أمراً مسلّماً به، ووجّهت واشنطن اهتمامها نحو أوروبا ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ والشرق الأوسط.
لكن منذ السنوات الأخيرة للحرب الباردة، أدرك الرؤساء الأميركيون ضرورة الاستثمار في علاقات أميركا الشمالية. وقد أوضح رونالد ريغان المبرر الاستراتيجي لذلك حين أطلق حملته الرئاسية عام 1979، قائلاً: «قد يكمن مفتاح أمننا المستقبلي في أن تصبح كل من كندا والمكسيك أقوى بكثير مما هما عليه اليوم». وأضاف: «حان الوقت للتوقف عن التعامل مع أقرب جيراننا باعتبارهم أجانب».
تبدأ الجغرافيا السياسية بالموقع الجغرافي، وموقع الولايات المتحدة يمنحها ميزة هائلة مقارنة بالقوى الكبرى الأخرى. فالصين وروسيا تتعاملان مع 14 دولة مجاورة لكل منهما، كثير منها غير ودود أو يحمل ضغائن متراكمة بفعل تاريخ من الصراعات. أما الهند، فعليها التعامل مع ست دول مجاورة، بينها خصم يمتلك أسلحة نووية. وتعتمد القوى الثلاث على المرور عبر ممرات بحرية ضيقة للوصول إلى البحار المفتوحة.
في المقابل، تحدّ الولايات المتحدة دولتان تتمتعان بعلاقات ودية معها، وتملك منافذ بحرية مفتوحة على محيطين شاسعين. ويعزز التعاون الوثيق مع كندا والمكسيك أمن الأراضي الأميركية، ويجذب الاستثمارات، ويدعم الابتكار، وينشئ سوقاً ضخمة غنية بالموارد والمواهب، كما يساعد الدول الثلاث على مواجهة الشبكات الإجرامية والهجرة غير النظامية والتهديدات التي تطال الهواء والمياه والحياة البرية.
إن وجود أميركا الشمالية آمنة وقادرة على الصمود والتكيف يشكل نقطة الانطلاق للاستراتيجية العالمية الأميركية. وتكون واشنطن في أفضل موقع للتعامل مع عالم مضطرب عندما تتبنى الولايات المتحدة وكندا والمكسيك موقفاً مشتركاً. لكن سياسات الترهيب التي ينتهجها ترامب تدفع الشركاء الطبيعيين للولايات المتحدة إلى الابتعاد عنها. وهكذا، يدمّر الرئيس أصلاً جيوسياسياً ثميناً: قاعدة قارية قوية تنطلق منها واشنطن لممارسة نفوذها العالمي.
لكن الصعوبات الاقتصادية المكسيكية أدت إلى ارتفاع عدد المهاجرين المولودين في المكسيك والمقيمين في الولايات المتحدة من نحو 760 ألفاً عام 1970 إلى تسعة ملايين عام 2000. وبحلول عام 2010، تراجع صافي الهجرة المكسيكية إلى الولايات المتحدة إلى الصفر؛ وأصبح معظم الوافدين إلى الحدود الجنوبية قادمين من أميركا الوسطى ومناطق أبعد، فيما تحولت المكسيك إلى شريك أساسي في مساعدة الولايات المتحدة على تطبيق قوانين الهجرة.
أراد ترامب إلغاء «نافتا» خلال ولايته الأولى، لكنها كانت قد أصبحت ذات قيمة كبيرة تحول دون التخلي عنها. واكتفت إدارته بإعادة التفاوض عليها، فاستبدلت بها عام 2020 اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا (USMCA).
حدّثت الاتفاقية الجديدة أحكام التجارة الرقمية، وأضافت آليات للتعامل مع الشكاوى المتعلقة بالعمالة، لكن الشروط المعقدة لحماية منتجي السيارات الإقليميين أضعفت القدرة التنافسية العالمية لهذا القطاع. كما قلّصت الحماية الممنوحة للمستثمرين الأجانب في المكسيك، ما أضعف الثقة بسيادة القانون.
إصلاح الخلاف
لا تنتهي صلاحية الاتفاقية الحالية قبل عام 2036، لكن فكرة التكامل في أميركا الشمالية باتت بالفعل على أجهزة الإنعاش. فقد رفضت إدارة ترامب هذا العام الموافقة على تمديد الاتفاقية حتى عام 2042، وأصبحت حالة عدم اليقين بشأن مستقبلها تثني المستثمرين عن الاستثمار في كندا والمكسيك.
وثمة مشكلة أكبر تتمثل في رغبة إدارة ترامب في الاحتفاظ بحرية تجاهل الاتفاقية متى شاءت. ففي عامي 2025 و2026، فرضت الإدارة رسوماً جمركية مرتفعة على السيارات الكندية والصلب والألمنيوم والحديد والمعدات التي تحتوي على معادن والأخشاب والأدوية، بحجة أن هذه الواردات تشكّل تهديداً للأمن القومي الأميركي.
وبالنظر إلى أن الولايات المتحدة دعمت التكامل بين هذه القطاعات طوال سبعين عاماً، وأن كندا شريك عسكري وثيق لها منذ أكثر من قرن، فلا غرابة في أن يؤدي تصنيف هذه الواردات على أنها تهديد للأمن القومي إلى صدمة الكنديين وإهانتهم.
إن إضعاف هالعلاقات الأميركية مع كندا والمكسيك، أو حتى تفكيكها، سيكون كارثة استراتيجية. فالأصول التي تمتلكها الدول الثلاث مجتمعة تجعل أميركا الشمالية قوة عالمية هائلة. وتمتد القارة من القطب الشمالي إلى مناطق قريبة من المناطق المدارية، وتضم الدول الديمقراطية الثلاث نحو نصف مليار نسمة، فيما لا تزال أعداد سكانها تنمو، خلافاً لما يحدث في معظم الاقتصادات الأخرى.
وتتمتع الدول الثلاث بقوة عاملة ماهرة وبنية تحتية متكاملة تدعم قطاعات الزراعة والتعدين والتصنيع والخدمات ذات القدرة التنافسية العالية. كما يمتلك سكان أميركا الشمالية إمكانية الوصول إلى أحدث التقنيات ورؤوس الأموال الوفيرة، فضلاً عن الاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة والقدرة على توسيع إنتاج النفط والغاز والطاقة المتجددة.
هذه أوراق رابحة ينبغي للولايات المتحدة استثمارها، لا أن يتخلى عنها ترامب. ويتعين على واشنطن التوقف عن استعداء أوتاوا، والتعاون مع جارتها الشمالية في أمن القطب الشمالي والمجالات البحرية، واستخراج المعادن والتجارة بها، والابتكار التكنولوجي.
وتتكامل قدرات كندا في الذكاء الاصطناعي والبحث العلمي وموارد الطاقة مع القدرات الأميركية، تماماً كما تكاملت مواردها وقطاعاتها الصناعية مع الولايات المتحدة خلال القرن العشرين.
من سيوارد إلى ريغان وبوش الأب وكلينتون، أدرك القادة الأميركيون أن أميركا الشمالية القوية توفر للولايات المتحدة مرتكزاً استراتيجياً في عالم مضطرب.
لكن نزعة ترامب إلى الهيمنة، ونهجه الاقتصادي القائم على اعتبار مكاسب الآخرين خسارة لأميركا، وميله إلى التعامل مع العلاقات الدولية بمنطق الصفقات، تضعه خارج دائرة هؤلاء القادة الاستراتيجيين.
ومع ذلك، ستتاح للرئيس الأميركي المقبل فرصة تغيير المسار. فالولايات المتحدة بحاجة إلى استعادة قدرتها على اجتذاب الشركاء، والتعامل مع جيرانها باحترام، من أجل إعادة بناء شراكة قارية بنّاءة وتوسيعها.
المصدر الأصلي: alkhanadeq.com




