واشنطن وعقدة “الوصاية”

يشهد لبنان اليوم واحدة من أعنف المراحل التاريخية التي تهدد كيانه وجودياً، حيث تتزامن الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة والاحتلال القائم لأجزاء من أراضيه مع ضغوط سياسية ودبلوماسية خارجية تخنق مؤسساته الدستورية. وفي هذا السياق المعقد، وفي اللحظة المفصلية التاريخية لمخاض التحول باتجاه عالم متعدد الأقطاب يعبر “المأزق الفكري والواقعي” الذي يواجه منطقة غرب آسيا؛ حيث تتحول المنطقة من مجرد “ساحة للصراع” إلى “فاعل شريك” يفرض فلسفته السياسية والجيوستراتيجية والقانونية والحقوقية. يأتي البيان الصادر عن “لقاء حقوقيون وطنيون” ليسلط الضوء على وجه آخر من وجوه الصراع: محاولات الهيمنة الدبلوماسية والتدخل في الشؤون السيادية للقضاء اللبناني، في وقت تبدو فيه واشنطن عاجزة عن –أو غير راغبة في – ضبط جموح الكيان الغاصب ووقف انتهاكاته للقوانين الدولية.
قوننة السيادة اللبنانية
“إن القضاء اللبناني، بوصفه سلطة مستقلة، هو صاحب الاختصاص في النظر في الشكاوى والإخبارات المقدّمة إليه، وفقاً للدستور والقوانين النافذة، بعيداً عن أي ضغوط أو إملاءات خارجية. ولا يجوز أن تتحوّل العدالة إلى أداة انتقائية تُحرّكها الاعتبارات السياسية أو المصالح الدولية.” (من البيان الصادر عن الحقوقيين والوطنيين).
من الناحية القانونية الصرفة، يُعتبر مبدأ الفصل بين السلطات واستقلالية القضاء من أركان السيادة الداخلية؛ فالقضية ليست مجرد تباين وجهات نظر قانونية، بل هي محاولة حثيثة لتفكيك المرتكزات القانونية والدستورية التي تشرعن ثوابت لبنان الوطن. فالقانون اللبناني يمنع أي تدخل من السلطات السياسية أو التنفيذية المحلية في عمل القضاء تأكيداً على استقلاليته، بناءً على هذا المنطق، إذا كان التشريع المحلي يحظر على “أعلى السلطات الوطنية” التدخل في الشأن القضائي، فإن تدخل دولة خارجية في القرارات السيادية أو القضائية يُصنف في فقه القانون الدولي كخرق فاضح لمبدأ “عدم التدخل في الشؤون الداخلية” (المادة 2 من ميثاق الأمم المتحدة).
وبالتالي يمثل القضاء الحصن الأخير لما تبقى من مفهوم الدولة والسيادة في لبنان. وإن إخضاع القرار القضائي للإملاءات الخارجية يعني حكمًا إلغاء استقلالية الدولة وتحويلها إلى “ساحة” لتصفية الحسابات الإقليمية.
التوظيف الانتقائي للعدالة وازدواجية المعايير
تعتمد الدول في القانون الدولي على مجموعة من الآليات والوسائل القانونية لحماية سيادتها ومواجهة التدخلات الخارجية أو الهيمنة. هذه الآليات مقسمة بين ما يتيحه القانون الدولي، وما يجب تطبيقه على مستوى التشريع الداخلي.
“إن التعليق الرسمي الصادر عن متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية على مسألة قضائية معروضة أمام السلطات اللبنانية، في سياق يستهدف التأثير في مسارها والحؤول دون مساءلة مواطنة لبنانية، يشكّل خروجاً فاضحاً على الأصول والأعراف الدبلوماسية، ومساساً بمبدأ احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية” ( البيان الصادر عن الوطنيين والحقوقيين. 15-10-2026).
ينطلق التحليل السياسي لبيان الحقوقيين من نقطة جوهرية وهي “ازدواجية المعايير”، حيث تطالب واشنطن القضاء العسكري اللبناني بملاحقة أطراف دون أخرى، مما يمثل محاولة مباشرة لإعادة رسم أولويات المؤسسات الأمنية والقضائية اللبنانية بما يخدم مصالحها ومصالح حلفائها في المنطقة.
وهذا الضغط الأمريكي العلني في هذه المرحلة المفصلية التي تعيش مخاض تحولات مفصلية في موازين القوى والردع في منطقة غرب آسيا، تتكشف نتائجها عن مسار أفول للهيمنة الأمريكية في المنطقة، حيث يتبدى المشهد من خروج أكثر من أربعين قاعدة أمريكية عن العمل الجزئي والكلي، إلى “اتفاق مكة” الذي يؤشر إلى انسحاب دول إقليمية من المظلة الأمريكية كقوة ردع. يأتِ هذا التدخل بمثابة استثمار دولة كبرى “كأمريكا” سلاح الضغط السياسي لتثبت بقاء واستمرار هيمنتها على دول ضعيفة وعلى سلطة أحرقت جميع أوراق قوتها.
تبقى المفارقة السياسية الكبرى في تتجلي السلوك الأمريكي هذا تجاه لبنان في مسارين متناقضين؛ فبينما تقف الإدارة الأمريكية موقف “العاجز” عن فرض وقف إطلاق النار أو كبح آلة الحرب الإسرائيلية التي تستهدف الحجر والبشر وتخترق السيادة اللبنانية براً وبحراً وجواً، نجدها تتحرك بسرعة وحزم استثنائيين للتعليق على إجراء قضائي لبناني داخلي. ويأتِ هذا التدخل الأمريكي عبر المتحدث باسم وزارة الخارجية في قضية “الإخبار المقدّم ضد السفيرة اللبنانية في واشنطن” الذي لا يمثل فقط خروجاً على الأعراف الدبلوماسية (فيينا 1961)، بل يعكس عقلية الوصاية التي تحاول فرضها القوى الكبرى على الدول التي تمر بأزمات وجودية.
أبعاد الهجمة على السيادة القضائية
إن المعركة القائمة في لبنان ليست عسكرية في الجنوب فحسب، بل هي معركة سياسية وقانونية بامتياز تدور رحاها في أروقة المؤسسات والدبلوماسية. وقد جاء البيان الناري الصادر عن “لقاء حقوقيون وطنيون” ليضع الإصبع على جرح “الاستقواء” الدبلوماسي، مفنداً خلفيات التعليق الأمريكي على الإخبار القضائي المقدّم ضد السفيرة اللبنانية في واشنطن، ومحذراً من محاولات تحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات لتصفية الحسابات السياسية الدولية.
وأمام عجز المجتمع الدولي، وفي مقدمته الولايات المتحدة، عن كبح جماح الاحتلال الغاصب، في وقت يتمسك لبنان الرسمي ببقاء “قوات اليونيفيل”، لضمان بقاء سيادة لبنان تحت مظلة القوانين الدولية أمام مشروع “إسرائيل الكبرى”، يبقى استقلال القضاء وتماسك الموقف الوطني هما الضمانة الأساسية لحماية السيادة اللبنانية في وجه كافة الضغوط الخارجية. وما تقوم به “أمريكا” في هذا التدخل هو إسقاط الأهلية الأخلاقية والسياسية عن السلطة في لعب دور الموجه أو الرقيب على القضاء اللبناني.
أمام هذا التمادي، لم يعد الصمت الرسمي اللبناني مقبولاً تحت ذريعة “الواقعية السياسية” أو المداراة الدبلوماسية. إن بيان “لقاء حقوقيون وطنيون” لم يكتفِ بالإدانة، بل وجه إصبع المسؤولية مباشرة إلى الحكومة اللبنانية ووزارة الخارجية والمغتربين.
فكرامة لبنان وسيادته ليست موضع مساومة أو ابتزاز، والمطلوب فوراً موقف رسمي حازم يتجلى في استدعاء السفير الأمريكي في بيروت، وإبلاغه برفض لبنان القاطع لأي مساس باستقلال قضائه، ولتأكيد أن انشغال لبنان بدفع العدوان الإسرائيلي لا يعني بأي شكل من الأشكال القبول بانتهاك سيادته الداخلية أو المساومة على كرامة مؤسساته، وأن أروقة المحاكم اللبنانية يجب تخضع للقانون اللبناني وحده، وليست مكاتب تابعة للخارجية الأمريكية.
خلاصة
من الناحية النظرية، القوانين الدولية كفيلة بحماية السيادة، ولكن في الواقع الدولي، تخضع هذه الآليات لـموازين القوى. وتتمثل المفارقة السياسية التي تعيشها الساحة اللبنانية اليوم في هذا “الانفصام” في الأداء الأمريكي. الإدارة التي تدّعي رعاية الديمقراطية وحقوق الإنسان، تقف عاجزة (أو متفرجة) أمام آلة الحرب الإسرائيلية وهي تنتهك سيادة لبنان براً وبحراً وجواً، وتدمر قراه وتهجر أبناءه. وتستنفر هذه الإدارة بكامل ثقلها الدبلوماسي للتعليق على مسألة قضائية لبنانية داخلية، معترضة على ملاحقة مواطنة لبنانية، وموجّهة إملاءات للقضاء العسكري بضرورة ملاحقة جهات محددة دون غيرها!
تتحول العلاقة الدولية من “تعاون” إلى “هيمنة” عندما تفرض دولة قوية أدواتها السياسية، القانونية، أو الاقتصادية (مثل العقوبات أو الإملاءات القضائية والدبلوماسية) لتوجيه قرارات دولة أخرى بما يخدم مصالحها.
والسياسات الأمريكية (سواء عبر الضغوط الاقتصادية، الشروط المالية، أو التدخل في التوازنات السياسية) تمثل نموذجاً لـ”الهيمنة” التي تصادر القرار الوطني الحر وتمنع البلد من ممارسة سيادته الكاملة. ويُنظر إلى هذا الصراع كمعركة “بقاء واستمرار” لمنع فرض إملاءات خارجية، وهذا السلوك الأمريكي الأخير لا يمكن تصنيفه إلا في خانة “الخروج الفاضح” على الأصول والأعراف الدبلوماسية، وضغوط علنية تخرق اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، وتحاول فرض منطق الوصاية والتعامل مع لبنان كـ”ساحة” مستباحة لا كدولة ذات سيادة.
هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة رأي الموقع
تنويه من موقع “wakalanews”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.





