صحافة

الشرع في الأمم المتحدة: الجولان يعود إلى الطاولة بقوة القرار 497

لم يعد الخطاب الإسرائيلي تجاه سوريا، بما يحمله من غطرسة وتهديد، محصورًا في التصريحات الرسمية والزيارات الانتخابية إلى مرتفعات جبل الشيخ، أو في تصاعد النشاط العسكري في الجنوب السوري. فقد انتقل إلى الندوات والبرامج التلفزيونية، وصار مادة سجالية أوسع انتشارًا وأقدر على التأثير في الرأي العام، ولا سيما حين يستدعي الرؤية التلمودية لدمشق ونبوءة زوالها. ثم جاء الاعتداء الإسرائيلي على مطار أبو الظهور في 18 آب 2026، وما رافقه من تصريحات استدعت تواصلًا مباشرًا بين وزير الخارجية أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان. وانتهت الضربة ورسالتها لصالح “إسرائيل”، لكن محاولة إثارة الفتنة بين دمشق وأنقرة وإظهار انحراف سوري عن تركيا لم تنجح. غير أن الصدام المباشر مع تركيا بدأ فعلًا، فقد سمّتها “إسرائيل” صراحةً واتهمتها بخرق تفاهم غير معلن لتقسيم النفوذ في سوريا، يشبه الاتفاقية الروسية-البريطانية لعام 1907 التي قسّمت إيران إلى جنوب بريطاني وشمال روسي ووسط للشاه. وفي منتصف أيلول كشفت أزمة غلاء المحروقات أن الوضع المعيشي تجاوز قدرة السوريين على الاحتمال، وحملت رسالة صاخبة إلى الداخل والخارج بأن استقرار سوريا مرهون بأمنها الاجتماعي، وأن غيابه سيحوّلها إلى ساحة تطورات لا يمكن ضبطها ولا التنبؤ بارتداداتها الإقليمية.

خطاب الشرع: رفع السقف وتحذيرات ضمنية

في أواخر أيلول 2026 ألقى الرئيس أحمد الشرع كلمته أمام الأمم المتحدة. استعرض فيها ما حققته سوريا، وحذّر في الوقت نفسه المجتمع الدولي من التقاعس عن التزاماته في إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية، وهي التزامات يتوقف عليها الأمن المجتمعي وإعادة تأطير المنطقة على أساس النمو. غير أن حصيلة الإنجازات الدبلوماسية وعودة المهجّرين لم تكن ذات وزن عند من يصنع الأزمة السورية أو يشارك فيها. فهؤلاء يريدون دفع دمشق نحو خيارات اصطفافية تُخرجها عن مسار النهوض الذي رسمته لنفسها، وعن دور ريادي في المنطقة تؤهلها له مسارات النقل الجيوسياسية، وهو دور يشكّل أزمة للمشروع الإسرائيلي.

ورغم الدبلوماسية المنخفضة السقف التي طبعت عام 2025، واللقاءات مع ممثلين إسرائيليين وصولًا إلى اتفاق كانون الثاني 2026، اختار الشرع الزاوية الأشد إيلامًا للمشروع الإسرائيلي، وهي الجولان. وكانت التسريبات قد تحدثت عن تفهّم سوري للنشاط العدواني جنوبًا مقابل امتناع “إسرائيل” عن عرقلة إنهاء ملف “قسد”، كما سبق لموقع وزارة الخارجية أن نشر في كانون الأول 2025 خريطة توحي بانسلاخ الجولان عنها. لكن الشرع أعلن أنه “لا يمكن لأي محاولات أمر واقع أن تمس شرعية دولتنا وسيادة قانوننا ونفاذ القانون الدولي، فالجولان سيبقى أرضًا سورية”. ولم يكتفِ بالتصريح اللفظي، بل استند إلى قرار مجلس الأمن 497 الصادر في 17 كانون الأول 1981، والذي يعدّ قرار “إسرائيل” فرض قوانينها وولايتها وإدارتها على الجولان المحتل باطلًا ولاغيًا وبلا أي أثر قانوني دولي.

ويمكن البناء على هذا الخطاب لقراءة ثلاثة مسارات مترابطة. أولها تصاعد النشاط الإسرائيلي في الجنوب عبر مشروع «سوفا 53». وثانيها تنامي الدعوات الانفصالية حيث الثقل الدرزي، مع إسكات المعارضين أو تصفيتهم كما جرى مع الشيخ رائد المتني. وثالثها الوضع الأمني في الساحل، حيث يدفع تصاعد الخطف والقتل البيئة العلوية إلى الشعور بأن لا خيار أمامها سوى المطالبة بالالتحاق بإسكندرونة، أي هاتاي التركية اليوم.

تركيا وإسرائيل: تعدد أدوات المواجهة

لم تستوعب أنقرة ضربة أبو الظهور، ولا استوعبها المبعوث الأميركي توم باراك. أما السفير مايك هاكابي فشبّه الحدث بلاعب بيسبول يحذّر خصمه من تجاوز الحدود، وكأن السياسة الأميركية في المنطقة باتت موزّعة بين صوت ينطق باسم إسرائيل وآخر يتولى ملف تركيا والعراق وسوريا. وتصاعد التراشق الخطابي بين أنقرة وتل أبيب، لكن الأخطر بالنسبة إلى أردوغان هو انتقال الصراع إلى الاقتصاد. ففي 21 أيلول أعلنت السلطات التركية تفكيك شبكة احتيال في الفوركس والعملات المشفرة مرتبطة بإسرائيل، ضمّت 211 متهمًا. وسبق ذلك عملية «غوستبايك 3» في نيسان 2024، ثم توقيف ليريدون ركسيبي في 30 آب بتهمة إدارة شبكة مالية للموساد. وتلت ذلك فضيحة بقيمة 31 مليار دولار عُرفت بـ«سرقة القرن»، طالت نحو نصف مليون تركي ومئات الشركات وصناديق الاستثمار، وتورطت فيها شخصيات محسوبة على حزب العدالة والتنمية، أبرزها الوزيرة فاطمة بتول صيان قايا التي قدّمت استقالتها. وتستعيد هذه الهزات نمطًا معروفًا في التاريخ التركي، تسعى فيه الدولة العميقة إلى استعادة الشارع بتحميل السلطة كلفة الأزمات. لكن الحكومة تبدو قد تجاوزت الموجة بخفض التضخم إلى 29.7%، وهو رقم يقترب من هدفها البالغ 24%، رغم تداعيات العدوان الأميركي-الإسرائيلي على إيران وغلاء المحروقات.

سوريا بلد الأزمات

انفجر الشارع السوري في وجه السلطة الجديدة، وشاعت عبارات الحنين إلى “ظلم النظام السابق العادل”. وأثمرت حملات الطعن في صورة الحكم وإرثه الجهادي المرتبط بـ«النصرة»، حتى صارت أي هفوة فردية تتضخم وتُتداول لتهشيم صورة الدولة. وقد قرأت دمشق الرسالة: شعب استبشر خيرًا لن ينتظر طويلًا حلولًا مرهونة بالتوظيف الخارجي. فالسعودية تضغط لجرّ الشارع السوري إلى مشاريعها الصدامية علّها تعوّض ما خسرته في اليمن، بينما تعمل تركيا على ضبط المسار كي لا ينزلق إلى ما يهدد المنطقة كلها، والسعودية نفسها من ضمنها. وتكرر تفجير أنابيب الغاز مرتين، فزاد الضغط على إنتاج الكهرباء وعلى المواطن، وقدّم صورة محتملة لما ينتظر المشروع الأميركي لنقل نفط العراق، ولاحقًا نفط شرق الفرات، إلى المتوسط. والرسالة الإسرائيلية هنا واضحة: سوريا عاجزة عن الحماية ولا تصلح بديلًا. أما الساحل، بعلوييه ومسيحييه وكل من لا يشارك السلطة معتقدها، فيعيش يوميًا الخطف والقتل والاعتداء على الأملاك، فيبدو كأنه أمام مشروع تهجير. ولم يُكشف حتى الآن عن عمليات شراء أراضٍ فيه، وإن كان حدوثها في الخفاء غير مستبعد.

الرؤية الإسرائيلية للخريطة السورية: السويداء وواقعية الطرح

قبل سقوط النظام، فُسّر النشاط الإسرائيلي على خط 1974 بأنه تحصين احترازي، لكن الوقائع أثبتت أنه كان تمهيدًا للتوسع وفق رؤية دينية تعدّ الجنوب السوري إرثًا لسبطي منسّى وأفرايم. وتلاقت هذه الرؤية مع الشيخ حكمت الهجري، الذي أطلق على جبل العرب اسم «جبل باشان»، وهو اسم لا صلة له بجغرافيا السويداء. ثم أعلن في 25 آب 2026 أن «دروز السويداء جزء لا يتجزأ من إسرائيل»، وأن إسرائيل تتبنى تسويق حكم انفصالي بدعم غربي. وقوبل هذا الخطاب بمواقف رافضة شددت على عروبة الدروز ووحدة سوريا، منها استقبال شيخ العقل في لبنان الدكتور سامي أبي المنى للقائم بالأعمال السوري إياد الهزاع في الثامن من أيلول. وعلى الأرض، تستكمل إسرائيل مشروع «سوفا 53» الذي بدأ عام 2022، أي قبل طوفان الأقصى. ويمتد المشروع نحو 70 كيلومترًا من أطراف حضر حتى المثلث الحدودي، ويتوغل بين 300 و1000 متر في عمق المنطقة العازلة، وقد ضُمّت عبره آلاف الدونمات، بينها 6000 دونم من الحميدية و7000 من جباثا الخشب. وفي السياق نفسه، توقّع الوزير الليكودي الدرزي السابق أيوب قرا تحوّل الجنوب إلى كيان منفصل بقيادة السويداء خلال شهرين يعترف به الأميركيون والإسرائيليون. وربط البعض كلامه بتقرير قناة i24 عن نية نتنياهو فتح جبهة سوريا لأغراض انتخابية لأنها «أسهل من جبهة إيران»، وكأن الجغرافيا والديموغرافيا صارتا لعبة طيّعة في الحلم الإسرائيلي.

في الخلاصة أعاد استناد الشرع إلى القرار 497 تثبيت الجولان أرضًا محتلة، وأبطل التسريبات عن التخلي عنه. لكنه يطرح في الوقت نفسه ضرورة إخضاع عمليات بيع الأراضي للرقابة والقانون السوري، كما جرى إبطال العقود زمن الانتداب. وتشير إعادة توزيع لواء درعا، المحسوب على أحمد العودة المقرّب من الإمارات، على ألوية الجيش وفرقه إلى خطوات احترازية من الدولة في مواجهة مشروع الانفصال. ويبدو تلاقي تصريحي الهجري وقرا دعمًا معنويًا متبادلًا وابتزازًا أتقنه الهجري سابقًا. فأي انفصال يحتاج إلى استفتاء قد يكون خطأً قاتلًا يعزل السويداء عن محيطها ويحمّل إسرائيل كلفة باهظة، كما يبقى نجاحه مرهونًا بحجم الأراضي المبيعة وبمقاومة مجتمع جنوبي ما يزال يرفض ويقدّم الشهداء. ويحتاج الساحل إلى مقاربة لا تُفقد الدولة شرعيتها ولا تفتح باب «الحماية الدولية» مدخلًا للسيطرة الأميركية على شرق المتوسط، وهو ما ستكون تركيا أول المتضررين منه. أما النبوءة التلمودية بتدمير دمشق، فتخدم الخطاب الانتخابي الإسرائيلي، وتنذر الأردن بأن دوره آتٍ. لقد دخلت سوريا مرحلة حرجة، وحمل خطاب الشرع تحذيرًا مبطنًا من التشظي، في ظل عناد سعودي يجهل موازين القوة ويسعى إلى توريط دمشق في المستنقع، فيما يدرك الشرع أن “الحرب قد تُعلَم كيف تبدأ، لكن لا يمكن التنبؤ بمسارها ومفاجآتها”.


المصدر الأصلي: alkhanadeq.com

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى