فورين افيرز: نظرية إيران لتحقيق النصر

فورين افيرز
يستعرض المتخصّصان في الدراسات الدولية، نرجس باجغلي وولي نصر، في هذا المقال الذي نشرته مجلة “فورين أفيرز” وترجمه موقع الخنادق الالكتروني، ما وصفاه بـ”نظرية الجمهورية الإسلامية في إيران لتحقيق النصر على أمريكا”.
ووفقاً لهما فإن الجمهورية الإسلامية تعتقد أنه – بالرغم مما لحقها من أضرار كبيرة بسبب العدوان الصهيوأمريكي – ستلحق الهزيمة بالولايات المتحدة الأمريكية؛ لأنها لم تكتفِ بالصمود أمام القصف الأمريكي الإسرائيلي فقط، بل ردّت بقوة هائلة، وألحقت أضراراً بالقواعد العسكرية الأمريكية، وعرقلت حركة الملاحة في مضيق هرمز.
وبالرغم مما تعرض له الشعب الإيراني، فإنه التف بمختلف أطيافه حول علم بلاده، ويبدو أنه يتقبل أن تحمّل المشاق أمر ضروري إذا أرادت إيران الدفاع عن نفسها. ونتيجة لذلك، ازدادت طهران جرأة؛ مشيرين الى أنه قد لا يتفق المسؤولون الإيرانيون على كل تكتيك، لكنهم يتشاركون الطموحات نفسها: إخراج القوات الأمريكية من الخليج الفارسي، وإجبار واشنطن على رفع جميع عقوباتها، ودفع الولايات المتحدة إلى الإقرار بأن إيران قوة عظمى.
النص المترجم:
فيما يتعلق بإيران، يمتلك فريق إدارة ترامب سجلاً قاتماً بوضوح. فقد أخفق في إنهاك الجمهورية الإسلامية عبر أشهر من القصف المكثف، ولم يتمكن من إخضاع إرادة إيران على طاولة المفاوضات. ومع ذلك، وعلى الرغم من سبعة أشهر من الانتكاسات، يعتقد المسؤولون الأميركيون أنهم فتحوا صفحة جديدة. فقد فرضوا عقوبات إضافية، مع الإبقاء على الحصار الأميركي القائم على الساحل الجنوبي لإيران، ما أدى إلى خنق وصولها إلى التجارة الخارجية. ونتيجة لذلك، خلصوا إلى أن الجمهورية الإسلامية إما ستذعن قريباً أو ستسقط. وأعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في الأول من أيلول/سبتمبر: “سنخنق هذا النظام اقتصادياً”.
لا شك في أن واشنطن ألحقت أضراراً كبيرة بإيران. لكن الجمهورية الإسلامية لا تعتقد أنها تتداعى. بل إن طهران تعتقد أنها ستلحق الهزيمة بالولايات المتحدة، وليس من الصعب فهم السبب. فالحكومة الإيرانية لم تكتفِ بالصمود أمام القصف الأميركي الإسرائيلي، بل ردّت بقوة هائلة، وألحقت أضراراً بالقواعد العسكرية الأميركية، وعرقلت حركة الملاحة في مضيق هرمز. ويدفع الشعب الإيراني ثمناً اقتصادياً باهظاً نتيجة الأضرار التي خلّفتها الحرب والإجراءات الأميركية التي قطعت سبل الوصول إلى الخارج، لكن قسماً كبيراً من السكان احتشد حول العلم الوطني، ويبدو أنه يتقبل أن تحمّل المشاق أمر ضروري إذا أرادت إيران الدفاع عن نفسها.
ونتيجة لذلك، ازدادت طهران جرأة. وقد لا يتفق المسؤولون الإيرانيون على كل تكتيك، لكنهم يتشاركون الطموحات نفسها: إخراج القوات الأميركية من الخليج الفارسي، وإجبار واشنطن على رفع جميع عقوباتها، ودفع الولايات المتحدة إلى الإقرار بأن إيران قوة عظمى.
قد تبدو هذه الأجندة طموحة إلى حد مفرط، بالنظر إلى أن إيران أُضعفت مادياً. لكن الجمهورية الإسلامية تعتقد أن تحقيق أهدافها بات في المتناول. فهي ترى أن جيشها قادر على إخراج القوات الأميركية من الخليج الفارسي، من خلال مواصلة استهداف القواعد الأميركية مباشرة، ودفع الدول العربية إلى الضغط على الولايات المتحدة لمغادرة المنطقة. كما تعتقد أنها قادرة، عبر إحداث اضطرابات واسعة في أسواق الطاقة، على إجبار واشنطن على رفع القيود الاقتصادية أيضاً.
وبعبارة أخرى، تقوم نظرية إيران لتحقيق النصر على قدرتها على الصمود وإلحاق قدر كافٍ من الأذى بالولايات المتحدة، بما يدفعها إلى إنهاء سياسة احتواء إيران.
رصّ الصفوف
لا أحد يشك في أن الحرب ألحقت بإيران أضراراً جسيمة. فقد دمّرت أشهر من القصف الأميركي والإسرائيلي أجزاءً من الصناعات والبنية التحتية في البلاد، ورفعت معدلات البطالة ودفعت مزيداً من الإيرانيين إلى براثن الفقر. كما تسببت العقوبات الأميركية والحصار البحري في تضخم متفشٍّ. وفي المقابل، حقق الجيشان الأميركي والإسرائيلي عدداً كبيراً من النجاحات التكتيكية، بما في ذلك اغتيال القائد الأعلى الإيراني السابق علي خامنئي.
لكن على المستوى الاستراتيجي، كان الصراع كارثياً. فقد اعتقد المسؤولون الأميركيون أن القصف الجوي العقابي والجهود الواسعة الرامية إلى إضعاف الاقتصاد الإيراني سيجبران الجمهورية الإسلامية على الرضوخ. لكن ذلك لم يحدث. وكانت واشنطن تأمل أن يؤدي اغتيال خامنئي إلى اندلاع انتفاضة شعبية واسعة ضد الحكومة، إلا أن هذه الخطة أخفقت أيضاً. وبدلاً من ذلك، أفضت وفاة خامنئي إلى خروج المؤيدين المتحمسين للجمهورية الإسلامية إلى الشوارع. فقد تظاهروا كل ليلة في المدن الرئيسية بالبلاد، وانضم إليهم في نهاية المطاف إيرانيون من توجهات سياسية أخرى احتشدوا دعماً لوطنهم.
عندما بدأت الحرب، خططت تركيا لاستقبال 70 ألف لاجئ إيراني، لكن قلة من الإيرانيين غادروا البلاد. بل إن كثيراً من الإيرانيين المقيمين في الخارج عادوا إلى وطنهم مع استمرار الحرب، بمن فيهم شخصيات ثقافية وصحافيون وسياسيون أمضوا سنوات طويلة في المنفى، مثل المغنيين محسن نامجو وبيجن مرتضوي.
لا تعني هذه الموجة من النزعة القومية تأييد الجمهورية الإسلامية. فما زال كثير من الإيرانيين يشعرون باستياء عميق من قيادة البلاد، لكن غضبهم من حكومتهم تراجع أمام غضبهم من واشنطن. ففي السابق، كان معظم الإيرانيين يشككون في ادعاء الجمهورية الإسلامية أن الولايات المتحدة تسعى إلى تدمير بلدهم، بل كانوا يأملون أن تسعى طهران إلى إقامة علاقات أفضل مع واشنطن. لكن قصف المدن الإيرانية والتهديدات المتكررة التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإبادة حضارة البلاد، إذ قال مثلاً إنه قد “يفجّر الأمة بأكملها” ويدفعها “إلى الجحيم من دون أي فرصة للنجاة”، غيّرا المواقف. وأصبح الإيرانيون من مختلف الأطياف السياسية يعتقدون الآن أن الولايات المتحدة تريد محو بلدهم من الوجود، أو على الأقل إجباره على الاستسلام لجميع المطالب الأميركية.
وقد تجلّى هذا الاستنتاج في محادثاتنا المطوّلة مع إيرانيين من مختلف التوجهات الفكرية، التي بدأنا إجراءها عندما قصفت واشنطن إيران للمرة الأولى في حزيران/يونيو 2025، وواصلناها حتى اليوم، متتبعين خلالها تطور مواقفهم السياسية. وقد عبّرت الغالبية العظمى عن استيائها العميق وغضبها من حكومتها عقب المجازر التي وقعت رداً على الاحتجاجات الشعبية الواسعة في كانون الثاني/يناير. لكننا وجدنا أن الآراء السياسية تبدّلت بصورة جذرية مع استمرار الحرب وتصعيد ترامب خطابه الداعي إلى الإبادة.
وقال لنا علي، البالغ من العمر 45 عاماً، وهو معارض مخضرم أمضى سنوات في السجن بسبب نشاطه في القضايا الاجتماعية والسياسية: “لقد آمنا كثيراً بالوعود الأميركية. لكن هذه الحرب، وكل ما قاله ترامب وإدارته وفعلوه، أظهرت بوضوح أن الأميركيين باعونا وهماً. إنهم لا يريدون سوى إخضاع إيران بالكامل، وهذا أمر لا نقبله”.
وعبّرت مهسا، وهي كاتبة وفنانة في الثلاثينيات من عمرها، عن مشاعر مماثلة، قائلة: “كل ما كنا نعتقد أن الولايات المتحدة تمثله، من حرية واحترام وديمقراطية، أراه الآن أكاذيب. وعلى الرغم من الغضب الذي شعرت به تجاه دولتنا على مدى سنوات، فإن هذا وطننا، وليس لأي دولة خارجية الحق في قتل قادتنا، وإلقاء القنابل على أطفالنا، ومحاولة تدميرنا”.
لذلك، ليس مستغرباً أن تستقطب مراسم تشييع خامنئي في تموز/يوليو ملايين المشيّعين، رغم أن البلاد كانت في خضم الحرب. وخلال المراسم، وزّع المشاركون أعلاماً حمراء ترمز إلى رغبتهم في الانتقام بالدم. وبعد ذلك بوقت قصير، هاجمت إيران سفناً تجارية كانت تعبر مضيق هرمز، ما أدى إلى انهيار وقف إطلاق النار الهش الذي كانت قد توصلت إليه مع الولايات المتحدة قبل 3 أشهر.
يبدو أن كثيراً من المسؤولين الأميركيين يعتقدون أن الضغط الاقتصادي الشديد سيؤدي في نهاية المطاف إلى تغيير المواقف، وأن الإيرانيين سيقررون محاولة إسقاط حكومتهم إذا عانوا بما فيه الكفاية، أو أن الجمهورية الإسلامية، خوفاً على بقائها، ستذعن للمطالب الأميركية. لكن هذا ضرب من التفكير القائم على الأوهام. فقد أمضت إيران السنوات الخمس عشرة الماضية في تطوير اقتصاد صُمّم خصيصاً لمقاومة الحرب الاقتصادية الأميركية. فعلى سبيل المثال، أقام المسؤولون الإيرانيون علاقات متينة مع التجار في الدول المجاورة، وجعلوا البلاد شبه مكتفية ذاتياً فيما يتعلق بالغذاء. ونتيجة لذلك، ورغم معاناة الاقتصاد الإيراني وارتفاع التضخم، لم تشهد المدن والبلدات حتى الآن نقصاً في السلع أو الخدمات الأساسية.
وقال حميد رضا، وهو مهندس يتنقل بانتظام بين أصفهان وطهران لأغراض العمل: “من المذهل مدى حسن إدارة الأمور داخل البلاد. الأسعار مرتفعة، لكن لم يحدث أي نقص على الإطلاق في أي مكان في البلاد. لقد أُدير كل شيء داخلياً بعناية كبيرة”.
ولا يعني ذلك أن الإيرانيين يشعرون بالتفاؤل حيال مستقبل بلدهم. فهم قلقون بشأن المستقبل، ويتوقون إلى عودة الهدوء وتخفيف الأعباء الاقتصادية. لكنهم لا ينظرون إلى الحرب الأميركية الإسرائيلية باعتبارها حرباً تحررية، بل يرونها عدواناً غير مبرر. وقد أدت النزعة القومية الناجمة عنها إلى طمس الخطوط الفاصلة بين الفصائل السياسية، وإلى تقليص احتمالات اندلاع انتفاضة سياسية جديدة. وهكذا، أسهمت الحرب في تعزيز الجمهورية الإسلامية.
الألم والمكاسب
على غرار السكان، اتخذت الحكومة الإيرانية موقفاً أكثر عدائية تجاه واشنطن منذ اندلاع الصراع. وقد عيّن القائد الأعلى الجديد للبلاد، مجتبى خامنئي، شخصيات مقرّبة وموثوقة في مناصب رئيسية، رغم أنه لا يزال متوارياً عن الأنظار. وتنتمي هذه الشخصيات في معظمها إلى التيار المتشدد، وترتبط بالحرس الثوري الإسلامي.
ويعتقد هؤلاء، ومن بينهم مستشار الأمن القومي محسن رضائي، وقائد القوات شبه العسكرية الإيرانية الرئيسية المعنية بالشؤون الداخلية حسين طائب، أن ردع أي هجمات جديدة يتطلب رداً حاسماً وعدائياً على أي استفزاز. كما يشككون في جدية واشنطن بشأن الدبلوماسية. ويشيرون إلى أن الولايات المتحدة هاجمت إيران مرتين خلال المفاوضات، ثم تراجعت عن مذكرة التفاهم التي وقّعتها مع إيران في حزيران/يونيو، وهو ما يدفعهم إلى القول إنه لا يمكن الوثوق بها. بل إنهم يعتقدون أن إبداء الولايات المتحدة اهتماماً بالمحادثات قد يكون مؤشراً إلى أنها تخطط لشن هجمات جديدة، كما حدث في حزيران/يونيو 2025 وشباط/فبراير 2026.
أما المعتدلون نسبياً في إيران، فلديهم موقف مختلف بعض الشيء. وقد دأبت هذه النخب، التي تضم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ورئيس مجلس الشورى الإسلامي محمد باقر قاليباف، والرئيس السابق حسن روحاني، ووزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف، على الدعوة إلى مواصلة البحث عن حل دبلوماسي للصراع. وشدّد بزشكيان وقاليباف على الصعوبات الاقتصادية التي يواجهها المواطنون العاديون.
لكن المسافة الفاصلة بينهم وبين قادة التيار المتشدد في البلاد ليست كبيرة كما قد يبدو. وكما قال لنا أحد المحللين المطلعين على هذه الشخصيات: “لا أحد يقول إن على إيران الاستسلام”. فقد يعتبرون تخفيف الأعباء الاقتصادية أولوية قصوى، لكنهم يرون أن الحل يكمن في إجبار الولايات المتحدة على تنفيذ مذكرة التفاهم التي وقّعتها في حزيران/يونيو.
وبحسب الرؤية الإيرانية، التزمت واشنطن بموجب الاتفاق بتجميد أصول إيران، ورفع جميع العقوبات، وعدم مهاجمة البلاد مجدداً، ودفع تعويضات، مقابل لا شيء سوى وقف إطلاق النار واستئناف حركة التجارة عبر مضيق هرمز، مع احتفاظ إيران بإمكانية فرض رسوم على المرور عبره.
ومنذ نهاية الصيف، أعلن رضائي وقاليباف أن أي مسار دبلوماسي يجب أن يبدأ بعودة الولايات المتحدة إلى مذكرة التفاهم. وبعد الاجتماعات الأخيرة للأمم المتحدة في نيويورك، قال لنا المحلل نفسه إن هذه الشخصيات تعتقد أن “ترامب ليس مستعداً” لإجراء محادثات حقيقية.
وبدلاً من ذلك، يرون أنه لن يعود إلى الاتفاق إلا إذا تقبّل حقيقة انتصار إيران، وهو ما يعني زيادة كلفة الحرب على الولايات المتحدة.
لذلك، سيكون سلوك إيران غير مقيّد وغير متناسب. وإذا استؤنفت الحرب، فستشن إيران هجمات في أنحاء المنطقة بأكملها، لا في محيطها المباشر فحسب. ويسود في طهران اعتقاد بأن ضبط النفس والتصرف بصورة يمكن التنبؤ بها لن يؤديا إلا إلى استدعاء مزيد من الضغوط الأميركية، ولن يساهما في تحقيق أهدافها العسكرية الرئيسية، والمتمثلة في دفع واشنطن إلى سحب جميع قواتها من الخليج الفارسي والإقرار بتفوّق إيران.
وتهدف الهجمات الإيرانية المتكررة على القواعد والمنشآت العسكرية الأميركية في الأردن وسوريا ومختلف أنحاء الخليج الفارسي إلى تحقيق هذا الهدف بالفعل. وقد حققت هذه الهجمات نجاحاً إلى حد ما؛ إذ ألحقت أضراراً جسيمة بعدد من الأصول الأميركية، ما أجبر الولايات المتحدة على نقل العديد من عملياتها ومواردها العسكرية إلى إسرائيل والأردن، والاعتماد على قاعدة في وسط المحيط الهندي لتوفير الدعم اللوجستي. كما دفعت التهديدات بشن هجمات إيرانية واشنطن إلى سحب جميع قاذفاتها من طراز “بي-1” من قاعدة في المملكة المتحدة.
وفي الوقت نفسه، تسعى طهران إلى دفع شركاء واشنطن في الخليج إلى إغلاق القواعد العسكرية الأميركية الموجودة في بلدانهم. ولتحقيق ذلك، أعلنت إيران صراحة أن السلام والأمن في الخليج الفارسي سيعتمدان على إخراج الجيش الأميركي من المنطقة، كما قصفت مراراً دولاً خليجية تشتبه في مساعدتها المجهود الحربي الأميركي.
ومن غير المرجح في نهاية المطاف أن تتمكن إيران من إنهاء الوجود العسكري الأميركي في منطقة الخليج. لكنها فعلت ما يكفي لدفع الدول العربية إلى إعادة التفكير ملياً في الاعتماد على المظلة الأمنية الأميركية، وهو ما قد يؤدي إلى تقليص البصمة العسكرية الأميركية في المنطقة.
وبالطبع، تستطيع إيران إجبار الجيش الأميركي على الخروج من جوارها من دون الحصول على تخفيف للعقوبات الاقتصادية. وفي الواقع، أعلنت إدارة ترامب إطلاق ما أسمته “يوم الإنزال الاقتصادي”، جزئياً بسبب إنهاك الجيش، ولأن الهجمات الإيرانية على البحرية الأميركية أجبرت السفن الأميركية على الابتعاد أكثر عن السواحل الإيرانية.
لكن إيران تعتقد أنها تستطيع إكراه خصمها على التوصل إلى تفاهم اقتصادي من نوع ما، عبر إلحاق أضرار مالية كافية به. ولهذا الغرض، عملت طهران على رفع أسعار النفط والغاز والديزل ووقود الطائرات ومشتقات النفط الأخرى، من خلال مهاجمة عدد من منشآت الطاقة في منطقة الخليج، بما في ذلك حقل رأس لفان للغاز في قطر، رداً على هجوم إسرائيلي استهدف حقل بارس الجنوبي للغاز في إيران، ومنشآت نفطية في ميناء الفجيرة الإماراتي.
كما تستهدف إيران ناقلات النفط والغاز الطبيعي، وتسعى إلى إحكام سيطرتها على مضيق هرمز، الذي تعتبره جزءاً من الأراضي الإيرانية السيادية. وقد واجهت واشنطن هذه المساعي برد قوي، ونجحت مؤخراً في المساعدة على مرور ناقلات عبر هذا الممر البحري الضيق. لكن هذه العمليات تطلبت موارد بحرية هائلة، ولا تستطيع الولايات المتحدة مواصلتها إلى ما لا نهاية.
ويقدّم شركاء إيران الإقليميون لها يد العون أيضاً. فقد هاجمت فصائل عراقية مدعومة من إيران خط أنابيب نفطياً حيوياً ينقل النفط السعودي إلى منشآت على البحر الأحمر، ما سيؤدي إلى خفض إمدادات النفط العالمية بصورة ملحوظة لأشهر عدة. كما واصل حلفاء إيران الحوثيون في اليمن مهاجمة المنشآت النفطية السعودية.
وتمكّن الحوثيون أيضاً من السيطرة على مساحات شاسعة جديدة من الأراضي والوصول إلى مضيق باب المندب، ما يساعدهم على تهديد البحر الأحمر، الذي تمر عبره 12% من التجارة العالمية. وأظهرت هذه الهجمات كذلك أنه رغم تعرض شبكة حلفاء إيران لأضرار في لبنان وسوريا، فإنها لا تزال تتمتع بقدرات كبيرة على المستوى العام.
الثبات على النهج
قد تعتقد الولايات المتحدة أنها حاصرت إيران وضيّقت الخناق عليها، لكن طهران لا توافقها الرأي. فهي لا ترى نفسها في موقف المتراجع أو الطرف الذي استنفد خياراته، بل تعتقد أنها انتزعت لنفسها مكانة قوة عظمى. وهي فخورة بأدائها العسكري، وتشعر بأنها باتت تحظى باحترام دولي لم يسبق لها أن نالته. وقد احتفى المسؤولون في طهران بالصور التي أظهرت استقبال وفد إيران بحفاوة من جانب الدول الأعضاء، خلال اجتماعات منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة “بريكس” غير الغربية في أيلول/سبتمبر.
لا تزال إيران تواجه تحديات هائلة، ولم تجد بعد وسيلة لتحويل ما حققته في الحرب إلى مكاسب مستدامة في زمن السلم. لكنها مستعدة لمواصلة القتال إذا اقتضت الحاجة ذلك، ومتى اقتضت. وتعتقد الحكومة، وفقاً لما قاله محلل إيراني بارز مقرّب من صانعي السياسات في البلاد، إن الشعب الإيراني “مستعد لتحمّل الألم الاقتصادي والمعاناة، إذا كان ذلك يعني أنه سينتصر”.
كما توحّدت النخب الإيرانية حول استراتيجية مشتركة. وبعبارة أخرى، تثق طهران بأنها قادرة على تحقيق النصر من خلال التمسك بنهجها ومواصلة السير في المسار نفسه. ولا حاجة إلى تقديم أي تنازلات.
المصدر الأصلي: alkhanadeq.com




