صحافة

عائدات السلاح للغرب… والحروب والاقتتال للعرب

هل من قبيل الصدف أن تشهد دول عربية عديدة، الواحدة تلو الأخرى، منذ أكثر من ثلاثين عاماً، حروباً داخلية وخارجية تغذّيها أطراف دولية وإقليمية، تحصد أرواح عشرات الآلاف من البشر، وتخلّف أعداداً أكبر من الجرحى، وتدمّر مدناً وقرى بأكملها، وتُهجّر مئات الآلاف من المدنيين؟! إنه نزيف دم عربي لا يتوقف، نتيجة الانقسامات والحروب والاقتتال الداخلي، فضلاً عن المجازر التي يرتكبها الجيش “الإسرائيلي” في الأراضي العربية.

حروب دامية تتنقّل من الصومال وليبيا، مروراً بالسودان واليمن وغزة والضفة الغربية، وصولاً إلى لبنان وسوريا والعراق! فهل كُتب للعالم العربي، وخاصة الشرق الأوسط، أن يبقى وقوداً للحروب والفوضى والاقتتال؟ لماذا تنعم معظم دول العالم بالأمن والاستقرار، فيما نجد منطقة غربي آسيا بيئة خصبة للحروب الأهلية والإقليمية، والنزاعات بين أبناء الشعب الواحد؟

مَن يدعم هذه الحروب ويغذّيها بالمال والسلاح؟ هل الغرب، ومعه “إسرائيل”، بعيدان عن تحريك النعرات الدينية والقومية والطائفية والعرقية، وعن إشعال الاضطرابات وتقديم الدعم المباشر وغير المباشر لأطراف الصراع؟ هل يدرك زعماء دول غربي آسيا حجم التداعيات التي تخلّفها الاعتداءات “الإسرائيلية”، وما تحمله من أخطار على بلدان المنطقة وشعوبها؟! هل يدرك العرب ما تحمله سياسات “إسرائيل” من خطط مستقبلية للتوسع في أوطانهم؟ لماذا يؤثر الغرب أن يبقى الشرق الأوسط بؤرةً للاقتتال والحروب، فيما “إسرائيل” تضرب وتتوسّع؟ ما الغاية من شراء الدول العربية كميات هائلة من السلاح، وهي عاجزة عن تحصين بلدانها، وحماية أمنها القومي؟!

إنّ نظرة على واردات الدول العربية من الأسلحة تكشف حجم إنفاقها العسكري الهائل، الذي بلغ العام الماضي 137 مليار دولار، أي 43% من قيمة صادرات الأسلحة الأميركية إلى العالم، وفقاً لبيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI).

بين عامي 2000 و2010 بلغ الإنفاق العسكري العربي 582 مليار دولار، ليرتفع إلى 1,22 تريليون دولار بين عامي 2010 و2019. كما بلغ الإنفاق العسكري بين عامي 2020 و2024، حوالي 626 مليار دولار. بذلك وصل مجموع الإنفاق العربي على مشتريات الأسلحة بين عامي 2000 و2024 إلى 2.439 تريليون دولار بالأسعار الجارية سنوياً! بين عامي 2021 و2025، استحوذت السعودية وقطر والإمارات والكويت مجتمعة على 20% من إجمالي واردات الأسلحة العالمية الرئيسة. أميركا وحدها صدّرت 54% من الأسلحة إلى المنطقة، تليها إيطاليا بنسبة 13%، وفرنسا 11%، وألمانيا 7%. وهذا يعني أنّ جزءاً كبيراً من الإنفاق العسكري يغذي الاقتصادات الأميركية والأوروبية! في العام الماضي بلغ الإنفاق العسكري للسعودية 83.2 مليار دولار، و48.3 مليار دولار لـ “إسرائيل”، و25 مليار دولار للجزائر، و8.1 مليارات دولار للكويت، و7.4 مليارات دولار لإيران!

اللافت أنّ إيران رغم أنّ إنفاقها العسكريّ أقلّ بكثير من إنفاق السعودية و”إسرائيل”، استطاعت تطوير قدرات عسكرية لا تتناسب ظاهرياً مع حجم إنفاقها المعلن، لا سيما في مجالات الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المُسيّرة والقدرات البحرية غير التقليدية.

هنا يبرز السؤال الجوهري: هل حافظ الإنفاق العسكري الهائل على سيادة البلدان العربية واستقلالية قرارها، ومنع التدخل الغربي في شؤونها؟ هل منع هذا التسلّح تمادي “إسرائيل” في احتلالها وتوسّعها في الأراضي العربية؟! هل أدّى ذلك إلى وقف الانجراف للتطبيع معها، في وقت لا يزال دم الإنسان العربي يُسفك على يد جيش الاحتلال؟!

لصالح مَن تُنفق الأموال الهائلة على السلاح؟ ولخدمة مَن؟ وفي مواجهة مَن؟ مَن هو العدو الحقيقي لدولنا وشعوبنا، ومَن هو العدو الوهمي الذي يجري تصويره على أنه العدو الحقيقي؟ هل استطاع “التنافس” العربي ـ العربي، وما رافقه من دعم لأطراف مسلّحة متنازعة، أن يحافظ على سيادة ووحدة ليبيا، والسودان، والصومال، واليمن، وسوريا، ولبنان والعراق؟ هل تمكّنت دول عربية بما تملكه من إمكانات عسكرية ومالية ضخمة، من حماية حقوق الفلسطينيين، ووقف المجازر والاعتداءات “الإسرائيلية” عليهم وعلى اللبنانيين؟ في خدمة من تصبّ هذه الحروب التي تلتهم الأخضر واليابس؟ أليس من مصلحة الدول المصدّرة للأسلحة أن تستمرّ النزاعات والحروب الأهلية، كي لا تخسر أسواق السلاح مبيعاتها؟ أليس من المشروع التساؤل عن مدى العلاقة بين المصالح الاقتصادية لصناعة السلاح، واستمرار النزاعات المسلحة في غربي آسيا؟ هل وفرت الترسانة العسكرية الضخمة للدول العربية، استقلالية القرار الوطني والسيادي، بعيداً عن الإملاءات والضغوط والتوجيهات الخارجية؟

أليس من مصلحة القوى الغربية أن لا تتوقف الحروب الإقليمية والأهلية في منطقتنا، بل إذكاء وإيقاد نارها حتى تغذي أسواقها وتلتهم المزيد من الأسلحة؟

إنّ استمرار الحروب يطرح تساؤلات جدية بشأن تداخل المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للقوى الدولية مع النزاعات القائمة. إذ إنّ السلام والاستقرار والسيادة الفعلية والقرار الوطني المستقلّ يتعارض بشكل كبير مع حسابات القوى التي تسعى إلى تعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي والعسكري.

في هذا السياق، تبرز مسؤولية القوى الدولية، وفي مقدّمتها الولايات المتحدة، عن سياساتها ومواقفها في المنطقة، كما تبرز مسؤولية “إسرائيل” عن الاحتلال والاعتداءات والتوسّع في الأراضي العربية. وتتعاظم خطورة هذه السياسات عندما تعجز المؤسسات الدولية، وبالذات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، عن وضع حدّ للحروب والانتهاكات وحماية المدنيين.

هل تستطيع الدول العربية الاعتماد على الولايات المتحدة بشكل مطلق، أم أنّ عليها أن تدرك أنّ مصالح واشنطن الاستراتيجية تتقدّم في لحظات حاسمة، على التحالفات والوعود؟ كيف يمكن أن تكون ثروات المنطقة ومقدّراتها في قبضة قوى النفوذ، بذريعة الدفاع وحماية المنطقة وصون أمنها؟

على مَن يراهن العرب، وعلى مَن يعتمدون؟ على واشنطن التي لا تضمن المصالح العربية في كلّ الظروف، أم على “إسرائيل” التي لا تزال سياساتها التوسّعية واعتداءاتها مصدر قلق وتهديد لدول المنطقة؟!

في منتدى الأمن العالميّ الذي عُقد في قطر يوم 20 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، وجّه السفير الأميركي في تركيا، المبعوث الرئاسي الخاص إلى سوريا والعراق توم برّاك، رسائل مهمة حول الدور الأميركي في الشرق الأوسط، والحرب مع إيران، وأمن دول الخليج الفارسي.

أكد برّاك على بقاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط مع إعادة النظر في طبيعة دورها، وأنّ دول المنطقة باتت تدرك أنها لا تستطيع الاعتماد على واشنطن لحلّ جميع مشاكلها. وهذا لا يعني انسحاباً عسكرياً من المنطقة، وإنما تحميل الدول الإقليمية مسؤوليّة أكبر عن أمنها، مع احتفاظ واشنطن بنفوذها وقواعدها العسكرية. برّاك رأى أنّ واشنطن التي ضمنت الأمن الدولي على مدى ثمانين عاماً، لم تعد تستطيع تأدية هذا الدور بالطريقة نفسها. هذا يعني أنّ أميركا التي شاركت في 23 عملية ـ كما ذكر برّاك ـ لتغيير الأنظمة في الشرق الأوسط، بدا أنّ التدخل لتغيير الأنظمة والأشخاص في حالات كثيرة خطأ، ما يجعل واشنطن تعيد النظر في دورها كضامن أمني. لذا على دول الخليج الفارسي أن تتحمّل مسؤولية أكبر عن أمنها وتعزيز قدراتها الدفاعية المستقلة، وبناء ترتيبات أمنية إقليمية.

ذكر برّاك أنّ واشنطن تتطلع إلى تسوية تفاوضية للمشاكل، لأنّ التصعيد العسكري لا يضمن حلاً سياسياً مستداماً، لكن أميركا لن تنسحب من المنطقة ولن تتخلى عن حلفائها، وإنما ستحتفظ بنفوذها في المنطقة مع تقليل كلفة التدخل المباشر، وعلى القوى الإقليمية تحمّل مسؤولية أمنها، وأنّ الوجود العسكري لأميركا ونفوذها السياسي، وتسليحها لحلفائها ستبقى عناصر قوية ومؤثرة على القرارات الأمنية لدول المنطقة. بذلك تبقى المعادلة: توزيع الأعباء المالية والعسكرية على الدول، مع الاحتفاظ بنفوذ وقدرات واشنطن على التدخل عند الحاجة!

ماذا عن “إسرائيل” التي تحوّلت عند بعض العرب من عدو إلى صديق وشريك يسعون للاندماج معه، في حين تحوّلت إيران في نظرهم، إلى عدوّ تنبغي مواجهته، ونحن اليوم أمام وضع إقليمي جديد تُطرح فيه مشاريع سياسية خطيرة وتحالفات مشبوهة، أحد نماذجها “العصر الإبراهيمي”. إنّ التحدي الحقيقي يتمثّل في مواجهة النفوذ الأميركي والاحتلال “الإسرائيلي”، وإيقاف تدخل الغرب الذي ينتهك سيادة دول المنطقة، ويستنزف أموالها وثرواتها، ويجعل أمنها مرهوناً بقوى الهيمنة.

العالم العربي يعيش اليوم واقعاً متردياً، مهدّداً بالمزيد من التفكك والضعف، طالما أنّ سياساته وقراراته الاستراتيجية تلبّي توجيهات وأوامر ومصالح القوى الغربية! قادة المنطقة أمام مسؤوليتهم التاريخية لصون الأمن القومي للمنطقة، وإزالة الخلافات بين دولها، وتعزيز الثقة بينها، حتى لا تبقى المنطقة للغرب منجم طاقة وثروات يغرف منها، وتبقى هيمنته وحروبه في ديارنا حاضرة…



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: www.alalam.net

تاريخ النشر: 2026-10-24 17:10:00

الكاتب:

تنويه من موقع “wakalanews”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
www.alalam.net
بتاريخ: 2026-10-24 17:10:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى