من منع الحرب إلى ضبط سقفها: التحوّل في وظيفة السلاح النووي

منذ أن دخل السلاح النووي معادلات القوة، ساد الاعتقاد بأنه الضمانة القصوى لمنع الحرب. غير أن وقائع السنوات الأخيرة، من أوكرانيا إلى مضيق هرمز، ومن كشمير إلى شبه الجزيرة الكورية، وضعت هذا الاعتقاد أمام اختبار قاسٍ: ترسانات هائلة لم تمنع اندلاع الحروب، وتفوّق نووي لم يُسكت خصومًا لا يملكون قنبلة واحدة. في هذا السياق تأتي دراسة العميد الركن نضال زهوي، مدير مركز الدراسات الأنتروستراتيجية، بعنوان «تحوّل وظيفة القوة النووية في النظام الدولي»، لتطرح سؤالًا مباشرًا: أين ذهب الردع النووي؟ وهل فقد قدرته على منع الحرب، أم أن وظيفته انتقلت من منع الحرب إلى ضبط التصعيد؟
تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن الردع النووي لم يفقد جوهره، وإنما تغيّر نطاق فعاليته. فهو ما زال قادرًا على ردع الحرب الشاملة والتهديدات الوجودية، لكنه بات أقل قدرة على منع الحروب المحدودة والصراعات الهجينة التي تدور دون العتبة النووية.
وتبدأ بالتأصيل النظري، فتعود إلى مفهوم التدمير المتبادل المؤكد وإلى أطروحات شيلينغ وسنايدر وباول، لتخلص إلى أن معضلة الردع هي المصداقية وليست القدرة على التدمير. فالخصم لا يسأل هل تملك الدولة السلاح، بل هل ستستخدمه فعلًا في هذه الحالة بالذات. ومن هنا تصوغ الدراسة الردع بوصفه حصيلة تفاعل خمسة عناصر: القدرة، وأهمية المصلحة، وإدراك الخصم، ومصداقية الإرادة، والتحكم بالتصعيد.
ثم تنتقل إلى ما تسميه «الصراع دون العتبة النووية»، أي المساحة الواسعة بين السلام والحرب النووية، حيث تُخاض المواجهة بالصواريخ والمسيّرات والهجمات السيبرانية والحرب الاقتصادية والوكلاء. وتستند هنا إلى مفارقة الاستقرار وعدم الاستقرار: كلما صارت الحرب النووية أبعد عن الاستخدام، اتسع هامش الحركة تحتها. فالخصم لا يحتاج إلى هزيمة القوة النووية، بل إلى العمل حيث يتعذر عليها استخدام قدراتها القصوى بصورة مقنعة.
وتختبر الدراسة فرضيتها في أربع حالات:
– الحرب الروسية ـ الأوكرانية: لم تمنع الترسانة الروسية الحرب ولا الدعم الغربي لكييف، لكنها ربما أسهمت في منع مواجهة مباشرة بين موسكو وحلف الأطلسي. ومن هذه الحالة تستخرج الدراسة تمييزها المحوري: الردع النووي يعمل كسقف يحدّ من التصعيد، لا كحاجز يمنع الفعل.
– المواجهة الأميركية ـ الإيرانية عام 2026: لم يمنع التفوق النووي الأميركي طهران من الرد بالصواريخ والمسيّرات واستخدام ورقة مضيق هرمز، وما تبع ذلك من اضطراب في أسواق الطاقة. وتستنتج الدراسة أن دولة غير نووية تستطيع إنتاج «ردع الكلفة»، فيكفي أن ترفع ثمن تحقيق أهداف خصمها من دون أن تملك القدرة على تدميره.
– الهند وباكستان: تؤكد مواجهة أيار/مايو 2025 أن التوازن النووي يتعايش مع الصدام المحدود، وأن اقتراب العمليات التقليدية من البنية النووية يرفع خطر سوء الحساب.
– كوريا الشمالية: يرتبط السلاح هنا ببقاء النظام مباشرة، فترتفع مصداقية التهديد. لكن الدراسة تنبّه إلى «مفارقة المصداقية النووية»: الردع الأكثر مصداقية ليس بالضرورة الأكثر استقرارًا.
وتتناول الدراسة بعد ذلك أثر التكنولوجيا. فالذكاء الاصطناعي والأسلحة فرط الصوتية والقدرات السيبرانية والفضائية لم تُلغِ الردع، لكنها ضيّقت زمن القرار، وزادت هشاشة منظومات القيادة والسيطرة، وطمست الحدود بين الضربة التقليدية والنووية. وينشأ عن ذلك «خطر انتقال المجال»، أي أن يبدأ الصراع في ميدان غير نووي وينتهي بالمساس بالاستقرار النووي.
وفي استشراف المستقبل ترسم الدراسة ثلاثة مسارات محتملة: استمرار الردع التقليدي لمنع الحرب الشاملة، أو تبلور ردع متعدد الطبقات تتصدره القوة النووية، أو تآكل الاستقرار الاستراتيجي تحت ضغط التكنولوجيا والانتشار وتراجع الثقة بالمظلات النووية.
وتنتهي إلى إعادة تعريف الردع كمنظومة من أربعة مستويات: نووي، وتقليدي، وردع كلفة، وردع سياسي واستراتيجي. وخلاصتها أن الردع النووي لم يختفِ، بل فقد احتكاره لمفهوم الردع، وانتقل من كونه الأداة المركزية لمنع الحرب إلى الطبقة العليا في منظومة أوسع لإدارة الصراع.
وتترتب على ذلك نتيجة تتجاوز الإطار النظري: الدولة غير النووية لم تعد عاجزة عن التأثير في حسابات قوة نووية، وهو ما أظهرته التجربة الإيرانية بوضوح. فميزان القوة لم يعد يُقاس بعدد الرؤوس النووية وحده، بل بالقدرة على الوصول إلى ما يعتمد عليه الخصم من جغرافيا وممرات وطاقة واقتصاد. ويبقى استقرار النظام الدولي رهنًا بإدارة العلاقة بين القدرات النووية والتقليدية والتكنولوجية، وبإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة.
لتحميل الدراسة من هنا
المصدر الأصلي: alkhanadeq.com




