حرب التكتيكات: كيف تفوق اليمن على منظومات الاعتراض السعودية؟

حرب التكتيكات
تتعرض السعودية للإذلال العسكري بشكل واضح للجميع، جراء فشلها في صدّ واعتراض الهجمات التي ينفذها اليمن بقيادة حركة أنصار الله، حيث لم يساعدها تفوقها العسكري بالإمكانيات كماً وعدداً، ولا وقوف العالم كلّه الى جانبها ودعمها مادياً ومعنوياً، من منع هجمات القوات المسلحة اليمنية الي تردّ على الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد. حتى أن هنالك العديد من التحليلات والإحاطات العسكرية التي تم نشرها في وسائل إعلام عربية وأجنبية، تؤكّد على هذا التقييم، بل وتشير الى فشل العمليات الهجومية الجوية السعودية وعبثيتها في تدمير القدرات اليمنية. وهذا ما يعني أن حكام السعودية أدخلوا بلادهم في مستنقع، كلما سارعوا في الخروج منه كان أفضل لهم ولما بقي من كرامتهم ومستقبلهم.

فما هي أبرز العوامل التي أدت الى هذا الاقتدار اليمني؟
أمّا أبرز العوامل والأسباب للاقتدار اليمني فهي:
_براعة القوات المسلحة اليمنية في شن الهجمات، عبر إطلاق أسراب من الطائرات المسيّرة أولاً لإشغال أنظمة الدفاع الجوي والاعتراض الصاروخي، مما سمح لصواريخ كروز والصواريخ الباليستية اليمنية المتطورة بتفادي الاعتراض وإصابة أهدافها.
_غياب الإنذار المبكر، حيث أكّدت العديد من وسائل الإعلام والعربية والأجنبية نقلاً عن مصادرها، أن السلطات السعودية قررت إجراء تحقيق لمعرفة الأسباب التقنية وراء عدم توفير أنظمة الدفاع الجوي إنذاراً مبكراً قبل وقوع الضربات لا سيما خلال الأيام القليلة الماضية (مثل عند استهداف مطار الملك خالد في العاصمة الرياض)، مع العلم بأن المقذوفات اليمنية قطعت مسافة تتجاوز 1000 كيلومتر للوصول إلى هدفها.
_تحديات المنظومة: تواجه المنظومة الدفاعية (مثل صواريخ باتريوت) تحديات في التعامل مع الرؤوس الحربية والمناورات المحدثة والمطوّرة التي تمتلكها الصواريخ اليمنية، التي أظهرت دقة نقطية في إصابة الأهداف.
_استنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضية: تواجه السعودية، فضلاً عن داعمتها أمريكا وباقي دول معسكر العدوان، نقصاً ونضوباً حاداً في ذخائر منظومتي الدفاع الجوي والاعتراض الصاروخي “باتريوت” و”ثاد”، بعد استهلاك كميات كبيرة منها خلال المواجهات المستمرة والعدوان على الجمهورية الإسلامية في إيران، وبطئ الشركات المنتجة لهذه الصواريخ في تجديد المخزون بالوقت الحالي حتى ما بعد أشهر وربما سنوات، بالإضافة الى تعدد التهديدات الذي يضع القوات السعودية في ضغط شديد لتحديد أولويات التصدي والدفاع، لجهة الأهمية الحيوية للأهداف وقربها من المنظومات. فعلى سبيل المثال استهداف مواقع حيوية وقريبة نسبياً مثل مطار الملك خالد الدولي في الرياض، يفرض تحديات على القوات السعودية ومن يدعمها من قوات أجنبية، في سرعة رد الفعل ومنع أي شظايا أو اختراقات من الوصول للأرض.
_مواجهة السعودية لصعوبة كبيرة في حماية جميع أصولها بسبب اتساع مساحتها، وتنوع الأهداف وكثرتها من مطارات وخطوط أنابيب ومنشآت نفطية وقواعد عسكرية. فلا يوجد تغطية كافية لحماية كل شيء في وقت واحد، وستكون احتياجات السعوديين وحلفائهم من الدفاعات الجوية لا حدود لها.

فايننشال تايمز: تكتيكات أنصار الله واستنزاف الذخائر الاعتراضية يكشفان ثغرات الدفاعات السعودية
وقد أشارت الى هذه الأسباب، صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية في إحاطة عسكرية نشرتها مؤخراً، حيث أكدّت أن التحديات التي تواجه منظومة الدفاع الجوي السعودية لا ترتبط بمجرد حجم الإنفاق العسكري أو امتلاك أنظمة اعتراض متطورة، بل تتصل أيضاً بتطور التكتيكات الهجومية للقوات المسلّحة اليمنية التابعة لحكومة صنعاء، واستنزاف مخزونات الصواريخ الاعتراضية، واتساع رقعة الأهداف المطلوب حمايتها، وصعوبة اكتشاف منصات إطلاق الصواريخ المتحركة وتدميرها. زاعمةً أن هذه التحديات تتفاقم مع اضطرار السعودية إلى التعامل مع تهديدات متزامنة من إيران شرقاً واليمن جنوباً، بما يفرض ضغوطاً إضافية على قدراتها الدفاعية وتوزيع مواردها العسكرية!!
ونقلاً عن مصدر وصفته بالمطّلع على تفاصيل الهجمات، استخدمت القوات المسلحة اليمنية “طائرات مسيّرة بعيدة المدى، يُعتقد أنها من طرازي “صماد-2” أو “صماد-3″، لاستكشاف نطاقات تغطية منظومات الاعتراض السعودية وتحديد حدود فعاليتها. ثم لجأوا إلى استخدام صواريخ كروز يُرجّح أنها مشتقة من الصاروخ الإيراني “قدس-4″، وتتميز بقدرتها على التحليق على ارتفاعات منخفضة وتغيير مسارها، الأمر الذي يزيد صعوبة اكتشافها واعتراضها”.
وفي تفسيره للتكتيكات اليمنية، يرى الباحث في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية ساشا بروخمان في المقال نفسه، أن حركة أنصار الله تعتمد استراتيجية تقوم على استنزاف التغطية الدفاعية السعودية وتشتيت بطاريات الاعتراض. وتتمثل هذه الاستراتيجية في مهاجمة هدف مهم بصورة متكررة على مدى عدة أيام، لإجبار السعودية على نقل منظومات دفاعية محدودة العدد إلى المنطقة المستهدفة، ثم مراقبة المواقع التي أُعيد نشر تلك المنظومات بعيداً عنها، تمهيداً لاستهداف منشآت حيوية أخرى أصبحت أقل حماية. مشيراً إلى أنه لا تقتصر الغاية من توزيع الهجمات اليمنية على مناطق جغرافية متعددة على إصابة الأهداف التي تُطلق الصواريخ والمسيّرات باتجاهها، بل تشمل إضعاف كثافة الدفاعات الجوية السعودية وإجبارها على إعادة الانتشار بصورة مستمرة. ويتوافق هذا التقييم مع تتابع الهجمات على المطارات والمنشآت النفطية والمدن، في ظل اضطرار السعودية إلى حماية شبكة واسعة من المواقع الاستراتيجية باستخدام موارد دفاعية محدودة قياساً إلى حجم الأراضي والأهداف المطلوب تأمينها.
ومن جهته، يعزو المدير الإداري البارز في مؤسسة “تريندز” والباحث المشارك في “تشاتام هاوس”، بلال صعب، الإخفاقات الدفاعية الأخيرة، قبل كل شيء، إلى تكتيكات اليمنيين ومشكلات التنسيق بين منظومات الدفاع الصاروخي السعودية. أما ديفيد دي روش، الذي سبق أن أشرف على برامج تعليمية لكبار قادة الدفاع الجوي السعودي، فرأى بأن جوهر المشكلة لا يكمن في افتقار القادة السعوديين إلى المعرفة العسكرية، بل في تطور تكتيكات اليمنيين وظهور تحديات جديدة تتصل بوسائل اختراق الدفاعات واستنزاف قدراتها.
هنا استنتجت “فايننشال تايمز” إلى أن القوات اليمنية المسلحة استفادت من سنوات القتال ضد السعودية وإسرائيل وأمريكا في تطوير فهم أكثر دقة لنقاط القوة والضعف في الرادارات ومنظومات الاعتراض الغربية. وأنها استفادت أيضاً من الدروس التي استخلصتها إيران وحلفاؤها في جبهة المقاومة خلال المواجهات العسكرية مع أمريكا وإسرائيل، بما في ذلك الهجمات الصاروخية التي استهدفت قواعد ومنشآت حيوية في منطقة الخليج.
وفي السياق نفسه، يحذر الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن روبرت تولاست، من أن اليمنيين يستطيعون، إذا أتيحت لهم فرصة التخطيط الكافي، تركيز أعداد كبيرة من الصواريخ على هدف محدد بهدف إغراق دفاعاته، حتى لو كان يتمتع بحماية جيدة. ويقارن تولاست التحديات السعودية بالمشكلات التي تواجه أوكرانيا وإسرائيل وأمريكا، في ظل الضغوط المفروضة على إنتاج الصواريخ الاعتراضية وصعوبة توزيعها بين الأهداف التي تتفاوت أهميتها الاستراتيجية. ويرى تولاست أن مواجهة هجمات بهذا الحجم تتطلب الانتقال من الاعتماد على اعتراض الصواريخ بعد إطلاقها إلى استهداف منصات إطلاقها داخل المناطق الخاضعة لحكومة صنعاء. ويشدد على أهمية الجمع بين جمع المعلومات الاستخبارية الدقيقة والاستفادة من أسطول المقاتلات السعودية الكبير من طراز “إف-15” لتنفيذ ضربات تستهدف هذه المنصات. لكنه يشير في المقابل إلى أن أمريكا وإسرائيل واجهتا صعوبات كبيرة في القضاء على منصات الصواريخ الإيرانية المتحركة، رغم استخدام الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة ووسائل الاستطلاع المتقدمة. وهو ما يوضح أن امتلاك التفوق الجوي والتكنولوجي لا يضمن بالضرورة القدرة على تحديد مواقع الإطلاق المتحركة وتدميرها قبل استخدامها.
وفي إطار متصل، تعتقد الصحيفة أن حركة أنصار الله تمتلك شبكات واسعة من الكهوف والأنفاق الطبيعية والمصطنعة في المناطق الجبلية شمال اليمن، ما يزيد صعوبة اكتشاف منصات الصواريخ ومواقع تخزينها وتدميرها. مضيفةً بأن الحركة تمكنت من الصمود أمام سنوات من الغارات الجوية السعودية، أعقبتها حملات قصف أميركية وإسرائيلية واسعة، وهو ما يحد من فرص القضاء السريع على قدراتها الهجومية من خلال الضربات الجوية وحدها.

التسوية السياسية ووقف العدوان والحصار أقلّ كلفة
وعليه، فإن استمرار رهان السلطات السعودية على التصعيد العسكري، بدلاً من معالجة جذور الصراع وإنهاء الحصار، سيدفعهم إلى مزيد من الاستنزاف المالي والعسكري، ويعمّق انكشافهم أمام هجمات جديدة. أما الخروج من هذه المعادلة، فيبدأ بإدراك محمد بن سلمان أن استمرار الحرب لا يضمن تحقيق الأهداف السعودية، وأن التسوية السياسية ووقف العدوان والحصار سيكونان أقل كلفة من مواصلة مواجهة مفتوحة تتآكل فيها فاعلية التفوق العسكري، وتتزايد معها المخاطر على أمن المملكة واستقرارها.
المصدر الأصلي: alkhanadeq.com





