معادلة الحد الجنوبي وباب المندب: استنزاف الفصائل وتآكل الخيارات البرية للتحالف
تتسع رقعة المواجهات في اليمن مع انتقال ثقل المعارك إلى جبهات غرب لحج وجنوب تعز، حيث تكتسب التحركات العسكرية لقوات صنعاء أهمية تتجاوز السيطرة على المواقع الجبلية، نظراً إلى ارتباطها بالممرات المؤدية إلى مضيق باب المندب. ويضع هذا التقدم السعودية أمام تحديات ميدانية متزايدة، في ظل تعثر الرهان على الضربات الجوية، وتراجع تماسك الفصائل المحلية التي تعتمد عليها الرياض في إدارة المواجهة البرية.
ويأتي التصعيد السعودي على مديريات محافظة صعدة، ولا سيما مران، عبر غارات جوية مكثفة وقصف صاروخي، في سياق تحركات عسكرية تشير التقارير الواردة بشأنها إلى استعدادات لفتح جبهات جديدة على الحدود. وفي المقابل، تتحدث تقارير يمنية عن استهداف قوات صنعاء مواقع حيوية في المنطقة الشرقية السعودية، شملت الخُبر ومحيط بقيق، بما يوسّع نطاق المواجهة نحو مناطق ترتبط بأهمية اقتصادية واستراتيجية للمملكة. ويعكس تبادل الضربات اتساع المخاطر المرتبطة بأي تصعيد بري، خاصة مع تزايد احتمالات انتقال المواجهة إلى مستويات يصعب احتواؤها جغرافياً.
وتبرز التطورات في غرب لحج وجنوب تعز بوصفها مؤشراً إلى حجم الضغوط التي تواجهها الفصائل المدعومة سعودياً. فالمعلومات الميدانية المتداولة تتحدث عن سيطرة قوات صنعاء على مواقع في جبهة المنصورة ورأس العارة وعقبة المنصورة وجبل ذي عهده، إلى جانب مواجهات في الأغبرة، وتقدم في مناطق جبلية بحيفان والشمايتين والمواسط باتجاه التربة. وتكتسب هذه المواقع أهميتها من طبيعتها الجغرافية وإشراف بعضها على محاور استراتيجية قريبة من باب المندب، ما يمنح السيطرة عليها قيمة عسكرية تتصل بحركة القوات وخطوط الإمداد، فضلاً عن تأثيرها في التوازنات المحلية.
في المقابل، تكشف التطورات داخل الفصائل الموالية للرياض عن أزمة تتجاوز الخسائر الميدانية. إذ تشير المعلومات الواردة إلى انشقاقات في صفوف العمالقة ودرع الوطن، ورفض بعض التشكيلات الانتقال إلى جبهات القتال، وصولاً إلى تسريح اللواء الثاني والعشرين عمالقة، وتسليم اللواء الثالث عتاده، وفق ما يتم تداوله. كما تبرز الضربات التي استهدفت تحشدات في لحج وتعز، بما فيها مواقع تابعة لفصائل الإصلاح، حجم الضغوط التي تتعرض لها هذه التشكيلات. ويضع هذا التفكك السعودية أمام معضلة توفير قوة برية متماسكة، في وقت تتراجع فيه قدرة الاستقطاب المحلي وتتزايد الخلافات بين مكونات المعسكر المناهض لصنعاء.
وتدفع هذه المعطيات الرياض إلى إعادة النظر في خياراتها العسكرية، بعدما أظهرت المواجهات أن التفوق الجوي لا يضمن تحقيق مكاسب برية مستقرة. وتبرز في هذا السياق مساعي استعادة التنسيق مع الإمارات، في ظل الخلافات السابقة حول إدارة الملف اليمني وتباين المصالح بين الطرفين. كما تتحدث تقارير عن تحركات لتشكيل تنسيق أمني إقليمي بمشاركة إسرائيلية، مع أدوار استخباراتية ودفاعية محتملة، غير أن طبيعة هذا التعاون وحدوده العملياتية لا تزال بحاجة إلى معطيات موثقة.
تتجه الأنظار إلى التقارير المتعلقة باستعانة السعودية بمستشارين لتجنيد مقاتلين من دول مجاورة، في محاولة لمواجهة النقص المحتمل في القوى البشرية. ويعيد هذا التوجه إلى الواجهة تجارب سابقة في تجنيد مقاتلين أجانب، بينها الاستعانة بشركات أمنية خاصة، فضلاً عن مشاركة قوات سودانية في الحرب. وتكشف هذه الخيارات عن صعوبة تعويض المقاتلين المحليين، لكنها تطرح أيضاً تحديات تتصل بالقيادة والسيطرة والقدرة على تثبيت المكاسب العسكرية، حتى في حال توفير أعداد إضافية من المقاتلين.
ويكتسب التقدم في المرتفعات المطلة على باب المندب أهمية إقليمية تتجاوز حدود الجبهات اليمنية، بالنظر إلى ارتباط المضيق بحركة التجارة الدولية والملاحة بين البحر الأحمر وخليج عدن. وقد أظهرت التغطيات الدولية الأخيرة تصاعد القلق من اتساع المواجهات بالقرب منه، بالتزامن مع استمرار العمليات العسكرية والنزوح في مناطق القتال.
وتبقى السيطرة على المرتفعات عاملاً مؤثراً في الحسابات العسكرية، من دون أن تعني بالضرورة امتلاك السيطرة الكاملة على الممر البحري أو القدرة على تعطيل الملاحة فيه.
تواجه السعودية، وفق هذه التطورات، اختباراً يتصل بقدرتها على تحويل اي تفوق عسكري إلى نتائج ميدانية مستقرة، في ظل تراجع تماسك الفصائل وتصاعد كلفة المواجهة. ومع اتساع المعارك نحو لحج وتعز، تزداد صعوبة الاعتماد على التشكيلات المحلية أو تجنيد مقاتلين أجانب لمعالجة الاختلالات القائمة. ويظل مستقبل المعركة مرتبطاً بقدرة الأطراف على تثبيت مواقعها وتأمين خطوط إمدادها، فيما يضع التمدد قرب باب المندب أمن الملاحة والتوازنات الإقليمية أمام احتمالات تصعيد إضافية.
المصدر الأصلي: alkhanadeq.com




