صحافة

التحديات السعودية فرصةً لـ”إسرائيل”: هندسة القيادة الإقليمية من بوابة الأزمة

التحديات السعودية

لا يصبّ التقدّم الذي يحققه أنصار الله في اليمن في مصلحة الولايات المتحدة ولا “إسرائيل”. فالسيطرة على الساحل الغربي والمناطق المتاخمة لباب المندب، ومعها جزر وممرات بحرية وعمق برّي واسع، تمنح الحركة عمقاً استراتيجياً وموقعاً مؤثراً في الملاحة الدولية. وصار بإمكانها تهديد السعودية والسفن المرتبطة بـ”إسرائيل” والولايات المتحدة، ما يرفع كلفة أي هجوم عليها ويفتح أمامها الطريق إلى فرض قواعد اشتباك إقليمية. ولم يعد تأثيرها محصوراً في الداخل اليمني، فقد امتد إلى أمن البحر الأحمر وصادرات النفط والغاز وحركة السفن نحو قناة السويس، وإلى الأمن البحري الإسرائيلي، وحسابات واشنطن في القرن الأفريقي، وقدرة الرياض على حماية حدودها وممراتها التجارية.

وأمام هذا التحدي تنحصر أولويات السعودية في حماية حدودها ومنشآتها النفطية وتجنّب حرب استنزاف جديدة. أما الإمارات فتنشغل بتثبيت نفوذها في جنوب اليمن، وفي الموانئ والجزر، وبين القوى المحلية الجنوبية، ومنع توحيد البلاد. وعند هذا التباين تتقاطع مصالح واشنطن وتل أبيب مع أبوظبي في تحويل المأزق السعودي إلى فرصة لإعادة تشكيل النفوذ الإقليمي، ودفع مسار التطبيع ليكون بديلاً استراتيجياً عن الدور السعودي التقليدي، ضمن معادلة “إسرائيل هي الحل” في رؤية “الشرق الأوسط الجديد”.

تتراكم على الرياض تحديات متداخلة. أولها اقتصادي يتصل بتصدير النفط وتنويع الدخل، وبضغط الإنفاق العسكري وتمويل الحروب ومتطلبات رؤية 2030. وثانيها أمني على الحدود الجنوبية، حيث تكبّدت المملكة وحلفاؤها خسائر ميدانية كبيرة، وباتت أراضيها ومطاراتها ومنشآتها النفطية في مرمى الاستهداف، فيما يهدد الإمساك بمداخل باب المندب صادراتها ووارداتها عبر البحر الأحمر. ويضاف إلى ذلك الإغلاق الإيراني لمضيق هرمز الذي تمرّ عبره معظم صادرات النفط السعودي. ثم تأتي منافسة إقليمية متعددة الجبهات: إيران عبر حلفائها في اليمن والعراق ولبنان، وتركيا في أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى والبلقان، والإمارات في القرن الأفريقي. ويكشف ذلك كله عجز المملكة عن حماية نفوذها بقوتها الوطنية وحدها، وعن بناء استقلال خارجي يصون مشروعها ويحفظ قيادتها للعالم الإسلامي.

غير أن جوهر المشكلة لا يكمن في التحالف الأميركي-السعودي بحد ذاته، وإنما في توظيف واشنطن للأزمات لتقييد القرار السعودي، وإعادة ترتيب المنطقة بطريقة تُفقد المملكة نفوذها وشرعيتها العربية والإسلامية، وتستنزفها في ملفات اليمن والخليج وفلسطين. ويبلغ ذلك حدّ الابتزاز حين تُربط الضمانات الأمنية بالانضمام الكامل إلى المحور الإسرائيلي، من دون ثمن سياسي واضح سوى تحويل الرياض إلى طرف أمني-اقتصادي يدير أزمات المنطقة وفق الأجندة الأميركية-الإسرائيلية. وبهذا تنتقل السعودية من دولة “صانعة للنظام الإقليمي” إلى دولة داخل نظام تضع قواعدَه قوى خارجية.

يجري هذا التوظيف عبر مسارات مترابطة. فالاتفاقات الإبراهيمية (2020-2021) أرادتها واشنطن كتلةً إقليمية تحمي مصالحها عبر “حصان طروادة” إسرائيلي يسمح بتقليص وجودها العسكري المباشر، وتكسر عزلة الكيان وتفتح له الأسواق، وتعيد صياغة المفهوم الأمني الخليجي على أساس الشراكة معه، بما يُضعف ثقل الدولة المركزية لصالح دول ذات ملاءة مالية وجغرافيا محدودة كالإمارات. ويُقدَّم الكيان في هذا السياق شريكاً أمنياً واقتصادياً ومظلة حماية، في مقابل تكريس إيران تهديداً رئيسياً، وتسويق التطبيع طريقاً إلى الاستقرار والتحديث. والهدف الأعمق فصل التطبيع عن الحل الفلسطيني وتحييد القضية بوصفها عقبة، وإعادة تعريف دول المنطقة كدول “ما بعد الصراع” تنشغل بالاقتصاد والتكنولوجيا الخاضعين للهيمنة.

وتجلّى هذا المسار في التطورات اليمنية في أيلول 2026، حين طلبت الرياض من واشنطن وتل أبيب المساعدة في وقف انهيار الجبهات قرب باب المندب، بما يشمل الدعم الاستخباري عبر القيادة المركزية الأميركية والإنذار المبكر وحماية المنشآت الحيوية. وتلقّفت “إسرائيل” الطلب، فأبدت وفق تقارير إسرائيلية استعداداً مشروطاً يجعل المساعدة بوابة إلى تطبيع، ولو محدوداً أو غير معلن، لا يُغلق الباب أمام التطبيع الكامل. وتعمل كذلك، وفق مصادر دبلوماسية، على أن تقدّم الإمارات دعماً ميدانياً للسعودية مقابل اعتراف الرياض بنفوذ أبوظبي في الجنوب اليمني.

وتقوم الرؤية الإسرائيلية على نسج دوائر حول السعودية وفق “سياسة الأطراف”، أي دعم كيانات محلية بديلة تخلق حزام أزمات يشغل الرياض، وتعزيز التحالفات مع الدول المحيطة، والسيطرة على الممرات المائية عبر التطبيع مع دول القرن الأفريقي، وقاعدة في سقطرى، وتحالفات بحرية كـ”حارس الازدهار” و”أسبيدس”، وتطوير إيلات وحيفا محاورَ لوجستية بديلة. ويرتبط ذلك بممرات النقل والطاقة التي تصل الهند بأوروبا عبر الإمارات والأردن و”إسرائيل”، بما يقلّص أهمية السعودية جسراً برياً وطاقوياً.

ومع ذلك تواجه الاستجابة الأميركية-الإسرائيلية عقبات حقيقية تحدّ من التدخل المباشر، منها الكلفة السياسية للضربات، والتداخل مع الملف الإيراني، وخطر تحويل باب المندب إلى هرمز ثانٍ. ولهذا يرجح خيار الاحتواء مع عمل استخباري قد يستهدف قيادات الحركة.

وخلاصة الأمر أن كل ضغط إضافي على الرياض يرفع حاجتها إلى شريك، فتبرز “إسرائيل” حلاً جاهزاً. وقد حقق هذا المسار نجاحاً جزئياً في جعل المملكة طرفاً يبحث عن مظلة خارجية، وفي توسيع نفوذ الإمارات في القرن الأفريقي والجنوب اليمني. لكنه لن يبلغ التبعية الكاملة بسهولة، فالسعودية قوة اقتصادية وطاقوية كبرى ذات ثقل جيوسياسي ورمزية دينية. وتملك الرياض أن تجعل موقعها مصدراً لقوة تفاوضية لا سبباً للاستغلال، إن اختارت استقلالاً تدريجياً يقوم على تنويع الشراكات والموازنة في قضايا المنطقة بما يخدم مصالح شعوبها، لا الاستراتيجيات الأميركية.


المصدر الأصلي: alkhanadeq.com

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى