صاروخ محيط اليمني
ظهر صاروخ «محيط» للمرة الأولى في أيلول/ سبتمبر 2022 ضمن منظومة الصواريخ التي كشفت عنها حركة أنصار الله، باعتباره صاروخاً باليستياً أرض-بحر مخصص للتعامل مع الأهداف البحرية. وتربط تقديرات عسكرية منشأه بعملية تطوير لصواريخ «قاهر-2M»، وهي بدورها نتاج تحويل مخزونات يمنية قديمة من صواريخ «سام-2» السوفيتية إلى صواريخ باليستية.
أهمية «محيط» ترتبط بالوظيفة التي صُمم لأدائها. فالصواريخ الباليستية التي سبقت ظهوره، مثل «قاهر-1» و«قاهر-2M»، كانت موجهة أساساً ضد أهداف برية. أما «محيط» فدخل إلى معادلة مختلفة تماماً: استهداف سفينة متحركة في البحر من مسافة بعيدة.
وتعود بداية هذا المسار إلى صواريخ «سام-2» السوفيتية التي امتلكها الجيش اليمني منذ عقود. وبعد سيطرة أنصار الله على أجزاء واسعة من مخزون الجيش، جرى تحويل عدد من هذه الصواريخ من منظومات أرض-جو إلى صواريخ أرض-أرض. كانت النتيجة «قاهر-1»، الذي قُدّر مداه بنحو 250 كيلومتراً، ثم «قاهر-2M» بمدى يقارب 400 كيلومتر. ومع مرور الوقت، لم يعد التطوير مقتصراً على زيادة المدى أو حجم الرأس الحربي، وإنما اتجه أيضاً إلى تغيير طبيعة الأهداف التي تستطيع هذه الصواريخ التعامل معها.
خصائصه
صاروخ له هيكل أسطواني طويل، مع مقدمة مخروطية وأسطح تحكم في الجزء الخلفي. وتوحي هذه البنية بالتصميم الباليستي التقليدي ابذي يعتمد على الاستقرار والتحكم خلال مراحل الطيران المختلفة.
وتشير طبيعة الصاروخ إلى اعتماده على دفع صاروخي يعمل بالوقود الصلب.
وعو صاروخ أرضي الإطلاق، ما يعني أن استخدامه لا يتطلب وجود منصة بحرية أو طائرة. ويمكن نقل الصاروخ واستخدامه من منظومات إطلاق برية، وهو ما يمنح القوة التي تشغله قدرة على توزيع منصات الإطلاق داخل مناطق مختلفة.
وتربطه تقديرات عسكرية بعائلة «قاهر»، وبصورة أوسع بالتحويلات التي أجريت على صواريخ «سام-2».
وتظهر أهمية هذه التحويلات عند النظر إلى طبيعة المهمة الجديدة. لأن السفينة ليست هدفاً ثابتاً يمكن تحديد إحداثياته ثم إطلاق الصاروخ باتجاهها؛ فهي تتحرك باستمرار، وقد تغير سرعتها واتجاهها خلال زمن طيران الصاروخ. لذلك فإن تحويل صاروخ باليستي إلى سلاح قادر على التعامل مع هدف بحري يتطلب منظومة معلومات وتوجيه أكثر تعقيداً من تلك المطلوبة لضرب منشأة ثابتة.
وهنا تظهر أيضاً طبيعة العلاقة بين الخبرة المحلية والتقنيات الإيرانية. تشير دراسات وتقارير دفاعية إلى أن عملية تطوير الصواريخ اليمنية استفادت من تقنيات ومكونات تمتلكها الجمهورية الإسلامية، خصوصاً في مجالات التوجيه والإلكترونيات. لكن في الوقت نفسه، اعتمد أنصار الله على مخزونات الأسلحة اليمنية القديمة وعلى عمليات تعديل وتصنيع وتجميع داخل اليمن.
منذ تصاعد العمليات البحرية لأنصار الله في البحر الأحمر أواخر عام 2023، إسنادا لغزة أصبحت السفن التجارية والعسكرية المرتبطة بكيان الاحتلال جزءاً من بنك الأهداف الذي تتعامل معه المنظومة الصاروخية اليمنية. واستخدمت الحركة خليطاً من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة والزوارق الهجومية، ما جعل التهديد البحري أكثر تنوعاً من الاعتماد على سلاح واحد.
في يوليو/ تموز 2025 أوردت وسائل إعلام دولية (AP/Reuter) أن “الحوثيين” اغرقوا سفينة شحن (إترنيتي C) بصواريخ انفجارية يرجح انها من عائلة محيط، ونشرت فيديو تظهر فيه إطلاق عدة صواريخ نحو السفينة قبل غرقها. هذه التطورات كلها أظهرت قدرة أنصار الله على تتبع الأهداف البحرية المتحركة وتصويب صواريخ باليستية باتجاهها بدقة كبيرة، وهو ما لم يكن متاحاً سابقاً.
وفي أيلول/سبتمبر 2025، أعلن المتحدث العسكري لأنصار الله استهداف ناقلة النفط الإسرائيلية «سكارليت راي» بصاروخ باليستي على مسافة تجاوزت 1100 كيلومتر.
وفي آب/أغسطس 2026، أعلن أنصار الله عملية أخرى ضد سفينة إنزال سعودية وعدد من الزوارق المرافقة لها قبالة سواحل المخا، وقال المتحدث يحيى سريع إن الصواريخ أصابت أهدافها.
هذه العمليات تكشف الفارق الأساسي الذي أحدثته الصواريخ الباليستية في المعركة البحرية.
وهذا يفسر أيضاً الأثر الذي تجاوز السفن التي تعرضت للهجوم. فالمواجهة في البحر الأحمر دفعت شركات شحن إلى إعادة تقييم المخاطر، فيما اختارت سفن كثيرة سلوك طرق أطول حول رأس الرجاء الصالح بدلاً من المرور عبر البحر الأحمر وقناة السويس. وهنا تتحول القدرة الصاروخية من وسيلة لإصابة هدف محدد إلى أداة تؤثر في حركة الملاحة، حتى عندما لا تقع إصابة مباشرة.
المصدر الأصلي: alkhanadeq.com




