عاجل | ترامب بعد الحرب على إيران: قضايا التموضع وخيارات المواجهة المؤجّلة
عاجل | ترامب بعد الحرب على إيران: قضايا التموضع وخيارات المواجهة المؤجّلة
انتهت الحرب الأميركية-الإسرائيلية المفروضة على إيران إلى فشل إستراتيجي لم يُعِد المنطقة إلى ما كانت عليه قبل اندلاعها، بل أخرج إيران لاعباً مركزياً أكثر قدرة على التحكّم بمعادلات مضيق هرمز وباب المندب. فالحرب التي بدأت في 28 شباط 2026 وتخللتها هدنة شابتها مناوشات منذ 8 نيسان، لم تحقق أياً من أهدافها المعلنة وغير المعلنة، وانتهت بتوقيع "مأفادة تفاهم" بين رئيسي البلدين في 17 حزيران 2026 تؤطّر تفاوضاً مدته 60 يوماً. وفي ضوء هذه النتائج، تتقاطع أربع قضايا أساسية مع جوهر المشروع الأميركي-الإسرائيلي، يعمل عليها الرئيس دونالد ترامب بخيارات متعددة.
تتعلق القضية الأولى بوضعية النظام الإيراني من الداخل، حيث كشفت الحرب عن بنية تحتية استخبارية وتخريبية واسعة بناها "الموساد" بالتنسيق مع أجهزة أخرى في معظم المحافظات الإيرانية، رغم فشلها في زعزعة النظام أو إسقاطه. ووصف ترامب مأفادة التفاهم بأنها "استسلام إيران غير المشروط"، في تعبير عن رغبته أكثر من كونه توصيفاً واقعياً، وهو ما يكشف عن هدف ضمني للإدارة الأميركية يتمثل في الوصول إلى إيران مستسلمة عبر خيارات عدة: استخدام المأفادة كورقة ضغط مع التهديد الدائم بالعودة إلى القصف، أو فتح جولة جديدة من المواجهة الشاملة، أو ممارسة أقصى ضغط اقتصادي عبر إبقاء هيكل العقوبات وإعادة تفعيل الحصار البحري بهدف تعميق الفجوة بين الشعب والنظام، أو دعم شخصيات معارضة داخل النظام مع حوافز مالية لتحفيز "انتفاضة داخلية" تستفيد من ربط التدفقات المالية المشروطة بالالتزام بالاتفاق، وصولاً إلى الجمع بين هذه الخيارات وإضافة ملف الأقليات الانفصالية إليها.
أما القضية الثانية فترتبط بأمن "إسرائيل" الاستراتيجي، الذي تعرّض لاهتزاز كبير بعد أن أظهرت الحرب عجز منظومات الدفاع الإسرائيلية متعددة الطبقات، وكشفت سماء الكيان وأرضه أمام التهديد، ودفعت نتنياهو إلى رفض الانسحاب من المناطق الأمنية في لبنان إلى حين الحصول على ترتيبات تضمن مصالحه، مع الحفاظ على نوايا توسعية تخدم الأطماع السياسية الإسرائيلية والاقتصادية الأميركية في آن واحد. وتقوم الاستراتيجية الأميركية هنا على ضمان التفوق الإسرائيلي المطلق ومنع نشوء قوة إقليمية مستقلة، وذلك عبر فك وحدة جبهات المقاومة وفصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني، ومضاعفة الضغوط على لبنان لفرض ترتيبات أمنية دائمة تشمل خروج مقاتلي حزب الله من جنوب الليطاني وانتشار الجيش اللبناني تحت رقابة مشددة، تمهيداً لتفكيك حزب الله لاحقاً، مع إبقاء "إسرائيل" متمركزة في الجنوب طالما اقتضت "احتياجاتها الأمنية"، إلى جانب محاصرة تمويل المقاومة ومؤسساتها الاجتماعية والتربوية.
وتتمحور القضية الثالثة حول المحافظة على تدفق الطاقة عبر مضيق هرمز، الذي ينقل نحو 20-25% من استهلاك العالم اليومي من النفط، فيما يتجه نحو 84% منه إلى الأسواق الآسيوية وعلى رأسها الصين والهند، في حين لا تتجاوز حصة أوروبا وأميركا من هذا التدفق 3.8% و2.5% على التوالي، الأمر الذي يجعل التأثير الأميركي والأوروبي غير مباشر ومرتبطاً بارتفاع الأسعار عالمياً. وقد بيّنت الحرب أن البنتاغون قلّل من تقدير استعداد إيران لإغلاق المضيق، فانتقلت واشنطن وحلفاؤها من موقع المبادر إلى موقع المتحمّل للكلفة، بينما انتقلت إيران من الدفاع إلى موقع قوة تفاوضية. وأمام هذا الواقع، تتلخص الخيارات الأميركية في تسوية مؤقتة مع إيران تتيح استمرار الشحن عبر المضيق، إلى جانب العمل على بدائل لوجستية متعددة لا تخلو من نقاط ضعف: خط أنابيب حبشان-الفجيرة الإماراتي الذي لا يغطي سوى جزء محدود من الإنتاج، وخط أنابيب شرق-غرب السعودي العابر إلى البحر الأحمر والمعرّض للتهديد من حلفاء إيران في اليمن، ومشروع "سار" السككي السعودي الرابط بالأردن، إلى جانب مشروع سككي مدروس يصل السعودية بتركيا عبر الأردن وسوريا، ومخططات تركية لممرات بديلة عبر العراق ومصر وعُمان وحتى حول أفريقيا، فضلاً عن مشروع "القناة الجافة" العراقي المؤجل إلى 2028 كبديل استراتيجي لقناة السويس.
وتنطوي القضية الرابعة على إعادة ترتيب التوازنات الاستراتيجية، في ظل عجز أميركي تسليحي حاد استهلكت فيه معظم مخزونات الصواريخ، وحاجة الجيش الأميركي إلى ما لا يقل عن ثلاث سنوات لإعادة بناء مخزونه من صواريخ "توماهوك" والصواريخ الاعتراضية، إلى جانب نقص خطير في صواريخ "باتريوت" و"ثاد". وفي ظل هذا الواقع، تبدو "مأفادة التفاهم" أقرب إلى ترتيب مؤقت لا تسوية تاريخية، يسعى من خلاله ترامب إلى تجميد التصعيد وشراء الوقت لإعادة ملء المخازن، وقد طلب لهذا الغرض ميزانية دفاعية قياسية بقيمة 1.5 تريليون دولار للعام المالي 2027 بزيادة 42%، إضافة إلى 80 مليار دولار لتغطية نفقات الحرب على إيران، وفعّل قانون "الإنتاج الدفاعي" لتسريع تصنيع الأسلحة. كما يعمل على تقوية شركائه الخليجيين دفاعياً ضمن "عقد أمني" جديد يجمع التحالف العسكري بالاستثمار الاقتصادي والتقني، ويعزز أدوارهم السياسية الوسيطة، ويشجّع مشاريع الربط الإقليمي للحد من قدرة أي طرف منفرد، خصوصاً إيران، على تعطيل الممرات، مع الاستمرار في تفتيت محور المقاومة عبر تسويات موضعية متجزّئة بدلاً من مواجهة جبهة موحدة.
وفي الخلاصة، باتت السيطرة على الممرات المائية سلاح التأثير الإيراني الجديد، إذ إن قدرة طهران على تعطيل تدفق الطاقة عبر هرمز وباب المندب أكثر تأثيراً وتدميراً على الاقتصادات الغربية من التهديد النووي نفسه. ومأفادة التفاهم، بما تحمله من فترة تفاوض ستين يوماً وتهديد أميركي بالعودة إلى الضغط العسكري والاقتصادي عند "فشل" المفاوضات، ليست بالنسبة لواشنطن اعترافاً بالهزيمة بقدر ما هي إعادة تموضع ضمن استراتيجية "الاحتواء الديناميكي"، حيث يُستبدل الحسم العسكري بالدبلوماسية لربح الوقت وتفكيك الخصم وتحضير ظروف أفضل لاستعادة الهيمنة. وتبقى الأيام الستون المقبلة اختباراً سياسياً حقيقياً أكثر من كونها مهلة تقنية، فالسؤال الحقيقي ليس فقط هل ستفضي إلى تسوية قابلة للحياة أم إلى هدنة مؤقتة، بل أين تكمن الألغام الأخطر: في مياه هرمز، أم في صراع التأويلات حول بنود المأفادة ذاتها.
تنويه من موقع "wakalanews":
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: alkhanadeq.com بتاريخ: . الآراء والمعلومات الواردة في هذا المأوضح لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع "wakalanews"، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.




