صحافة

الذراع الروبوتية الإسرائيلية.. لماذا يحتاج الجيش الإسرائيلي إلى جنوده أكثر من روبوتاته؟

في مساء 8 أيلول/سبتمبر 2026، وقف رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي، الجنرال إيال زامير، في حيفا خلال حفل تخريج الدورة 153 لضباط البحرية، ليعلن عن إنشاء “ذراع الوسائل غير البشرية والذكاء الاصطناعي”، واصفًا إياها بـ”النقلة التاريخية” التي ستبدأ عملها خلال أسابيع قليلة. غير أن هذا الإعلان لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق أوسع: فقبل ثلاث سنوات فقط كان الجيش نفسه يمتلك حول قطاع غزة جدارًا وُصف حينها بـ”العائق الذكي”، مزودًا بأجهزة استشعار وكاميرات ورشاشات تُدار عن بعد، بحيث يكتفي عدد قليل من الجنود بمراقبة الشاشات. لكن في صباح 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 انهار هذا البناء “الذكي” بالكامل في أقل من ساعة واحدة، ما اضطر “إسرائيل” إلى استدعاء نحو 250 ألف جندي احتياط لتغطية الفشل الذريع لهذه المنظومات. واليوم، يعود الجيش الإسرائيلي إلى الرهان على التكنولوجيا مجددًا، وبمقياس أوسع هذه المرة، مُسمّيًا هذه العودة “درسًا مستفادًا”. فما هي حقيقة هذه الذراع الجديدة التي أعلنها زامير؟

منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي، تبنّت القيادة العسكرية الإسرائيلية تصورًا عُرف بـ”الجيش الصغير والذكي”، ونُسب في النقاش الإسرائيلي إلى رؤية إيهود باراك. استند هذا التصور إلى ثلاث مقدمات أساسية: أولاها أن عصر الحروب البرية الكبرى قد انتهى، وثانيها أن سلاح الجو إلى جانب أجهزة الاستخبارات والوحدات الخاصة كافية لإدارة ما يُعرف بـ”المعركة بين الحروب”، وثالثها أن قوة النار الدقيقة تُغني عن حشد كتلة بشرية كبيرة من الجنود الذين لا ضرورة لاستدعائهم من فراشهم وأماكن عملهم وأسرهم. على أساس هذه المقدمات، جرى تقليص تشكيلات الاحتياط، وأُحيلت منظومات عسكرية كاملة إلى التقاعد، وخُفّضت مدة الخدمة الإلزامية.

بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، أعلن النقاش الإسرائيلي عمليًّا وفاة هذه العقيدة. فقد كتب معلقون عسكريون إسرائيليون أن ما جرى في تلك الصبيحة لم يكن نتاج جيش صغير وذكي، بل جيش صغير ومغرور، وأن المطلوب هو العودة إلى “جيش كبير” يقوم أساسه على المقاتلين لا على أجهزة الاستشعار. وبالفعل، استوجبت الحرب المندلعة منذ ذلك التاريخ رفع عدد الكتائب المنتشرة على الحدود وفي الضفة الغربية من 38 كتيبة إلى 89 كتيبة، بحيث بات الجيش الإسرائيلي يسيطر عمليًّا على مساحة تقارب 1,220 كيلومترًا مربعًا، ويقيم 63 موقعًا عسكريًّا موزعة بين غزة ولبنان وسورية. بعبارة أخرى، وعلى نقيض رؤية “الجيش الصغير والذكي” التي سادت قبل 7 أكتوبر، جرى استدعاء أوسع قدر ممكن من الاحتياط البشري. فلماذا حدث كل هذا رغم امتلاك “إسرائيل” لأفضل التقنيات الذكية في ميدان القتال؟

يكمن الجواب في أن منظومة الاحتياط داخل الجيش الإسرائيلي تؤدي وظيفتين لا يمكن لأي روبوت أن يسدّهما. الوظيفة الأولى هي أن جيش الاحتياط يحوّل حرب الدولة إلى حرب يخوضها المجتمع بأكمله، وهذا ما يعجز الروبوت عن فعله. فعندما يستدعي الجيش أعدادًا كبيرة من الإسرائيليين، تدخل الحرب إلى أماكن العمل والأحياء والبيوت، ويشارك سكان الحي في تشييع الجنازات، ويعلّق أصحاب العمل لافتات دعم لزملائهم المقاتلين، وتُلصق الملصقات على السيارات. من خلال هذه الممارسات اليومية، يتشكّل ما يمكن تسميته بـ”النحن” الإسرائيلية، إذ ينشأ التضامن الداخلي من مشاركة الأجساد الفعلية في الحرب ومن حضورها المباشر في حياة الناس اليومية. وحين تعتمد “إسرائيل” على ذراع روبوتية قائمة على الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، فإنها ستكون بلا شك أكثر فتكًا، لكنها لن تنجح في تحقيق التعبئة الداخلية التي تشكل الوقود الذي يصمد به المجتمع الإسرائيلي أمام الحروب الطويلة.

أما الوظيفة الثانية فتتمثل في أن استدعاء المواطنين الإسرائيليين إلى الخدمة العسكرية يُسهم في بناء شرعية اجتماعية لحرب تثير اعتراضات أخلاقية واسعة، كما هي الحال في الحرب الجارية اليوم. فالتعبئة العامة تحوّل الحرب من قرار حكومي بحت إلى تجربة جماعية يشارك فيها عدد كبير من الأسر والجماعات وأماكن العمل. وحين يصبح الابن أو الزوج أو الزميل جزءًا من القوات المقاتلة، يميل المحيط الاجتماعي إلى الدفاع عن استمرار الحرب، لأن إدانتها قد تبدو كأنها إدانة مباشرة لـ”مجتمع اليهود الإسرائيليين” وتضحياتهم. وعلى النقيض من الروبوتات، تُنتج تعبئة الاحتياط البشري شبكة واسعة من المصالح والمشاعر المرتبطة باستمرار الحرب: تنظّم المؤسسات حملات دعم للجنود، ويجمع السكان التبرعات، ويمنح أصحاب العمل امتيازات للمجندين، وتحتفي وسائل الإعلام بقصصهم. وتُنتج هذه الممارسات مجتمعة واقعًا اجتماعيًّا تصبح فيه الحرب حاضرة في الحياة اليومية باعتبارها واجبًا جماعيًّا.

من هذا المنطلق، يمكن فهم إعلان إيال زامير في أيلول 2026 عن تأسيس ذراع عسكرية للروبوتات والأنظمة غير المأهولة والذكاء الاصطناعي. فعقيدة “الجيش الصغير والذكي”، التي تبنّتها إسرائيل خلال العقود الماضية، قامت على افتراض أن التفوق التكنولوجي والاستخباراتي قادر على تقليص حجم الجيش البشري وتعويض الحضور الكثيف للقوات. وقد كشف 7 أكتوبر، والحرب متعددة الجبهات التي تلته، عن حدود هذا الافتراض بوضوح، إذ أعادت الحرب فرض الحاجة إلى الألوية البرية، والسيطرة المكانية، والانتشار الطويل الأمد، والاستدعاء الجماعي لقوات الاحتياط. لذلك، لن تحلّ الذراع الروبوتية الجديدة محل اللواء العسكري، بل ستسعى تدريجيًّا إلى تقليص عدد المواطنين الذين يستدعيهم الجيش لتشغيلها وحمايتها وإسنادها.

ويقف وراء هذا القرار اعتباران مترابطان. يتعلق الأول بموقع الجيش الإسرائيلي داخل اقتصاد التكنولوجيا العسكرية العالمي، إذ يوسّع الذكاء الاصطناعي سوق الأسلحة ويعيد تشكيل العلاقة بين الجيش وشركات التقنية العالية والجامعات والصناعات الأمنية. ويؤدي الجيش الإسرائيلي دورًا مركزيًّا في هذه السوق، لأنه يوفر للشركات بيانات عملياتية ومجالًا لاختبار الأنظمة وتحسينها، ثم يمنحها بعد ذلك ختم “مجرب في ميدان المعركة”. وهكذا تتحول غزة والضفة الغربية ولبنان إلى مختبرات تكنولوجية فعلية، بينما تتحول الخبرة المتراكمة في المراقبة والاستهداف والقتل إلى سلعة قابلة للتصدير على نطاق عالمي.

أما الاعتبار الثاني فيتعلق بتقليل عدد القتلى والمصابين الإسرائيليين في الحروب المقبلة. فالروبوتات قادرة على تنفيذ مهمات الاستطلاع، واقتحام المباني والأنفاق، ونقل الذخيرة، وكشف العبوات الناسفة، وحراسة المواقع، وربما اختيار الأهداف ومهاجمتها مباشرة. ويتيح ذلك للجيش الإسرائيلي توسيع نطاق عملياته مع خفض الكلفة البشرية التي يتحملها المجتمع الإسرائيلي في الوقت نفسه.

وتكمن المفارقة الأعمق في أن تقليل الخسائر البشرية الإسرائيلية قد يجعل قرار خوض الحرب أسهل لا أصعب. فحين تفصل التكنولوجيا المجتمع عن نتائج استخدام القوة المباشرة، تنخفض حساسيته تجاه استمرار القتال، ويتسع التفاوت في توزيع الموت بين الإسرائيلي من جهة، والفلسطيني أو اللبناني من جهة أخرى. من هنا، تمثل الذراع العسكرية الجديدة مشروعًا سياسيًّا بقدر ما تمثل مشروعًا عسكريًّا: إنها تسعى إلى حماية المجتمع المحارب من كلفة حربه، مع إبقاء المجتمعات الأخرى مكشوفة بالكامل أمام آلتها.


المصدر الأصلي: alkhanadeq.com

wakalanews.com — متابعة الخبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى