الهيئة العامة للترفيه في السعودية: هندسة المجتمع والدين والسياسة

تحت عنوان الترفيه، ومن بواباته المفتوحة على مدار العام، تدور في السعودية عجلة تغيير اقتصادي واستثماري تحمل في طيّاتها مشروعًا سياسيًا. يبدأ هذا المشروع بالتسليم للخطط الأميركية والغربية، وينتهي بتهيئة المجتمع لقبول التطبيع مع العدو الإسرائيلي. ولم تُوقف هذه العجلةَ أحداثُ السابع من أكتوبر 2023 ولا حرب الإبادة التي تلتها، فقد أطلقت الهيئة موسمها السنوي في 23 أكتوبر 2023، في ذروة معركة طوفان الأقصى، وكأن ما يجري في غزة لا يعني أرض الحرمين في شيء.
أُنشئت الهيئة العامة للترفيه في أيار/مايو 2016، بعد أسابيع من إعلان محمد بن سلمان “رؤية 2030″. دعت الرؤية إلى تفعيل الصناديق الحكومية في تأسيس المراكز الترفيهية، واستقطاب المستثمرين، وعقد الشراكات مع شركات الترفيه العالمية. وكانت الحجة المعلنة أن المواطن السعودي ينفق أموالًا طائلة في دبي والقاهرة وبيروت وإسطنبول وأوروبا بحثًا عن ترفيه لا يجده في بلده، فقرّر القيّمون استقدام هذا الترفيه إلى الداخل وتحويله إلى استثمار وأرباح. تعاقب على رئاسة الهيئة أحمد الخطيب ثم محمد بن عبد الملك آل الشيخ، إلى أن تسلّمها تركي آل الشيخ المقرّب من ولي العهد. وأعلن آل الشيخ مطلع 2019 استراتيجية تطمح إلى وضع المملكة بين أول أربع وجهات ترفيهية في آسيا وأول عشر في العالم. وتوالت بعدها المبادرات: برنامج ابتعاث جامعي في تخصصات الترفيه، و”بوابة الترفيه” لإصدار التراخيص عام 2020، وصندوق “Big Time” للإنتاج السينمائي. وأُضيفت إليها شراكات مع مجلس الملاكمة العالمي ورابطة الملاكمة العالمية، وجائزة “القلم الذهبي” للرواية بقيمة 690 ألف دولار.
تبدو مهام الهيئة في نصوصها الرسمية إدارية بحتة: اقتراح الأنظمة، ووضع الاستراتيجيات، ومنح التراخيص، وضبط المحتوى “بما يتناسب مع الهوية العربية والإسلامية للمملكة”، ودعم القطاع الخاص وجذب الاستثمار الأجنبي. غير أن وظيفتها الفعلية أبعد من ذلك بكثير، إذ تتمثل في دفع المجتمع السعودي نحو تغيير نفسي وسلوكي ينقله من الفكر الديني السلفي إلى فكر دنيوي منفتح. ويكفي النظر إلى طبيعة التراخيص الممنوحة لإدراك وجهة هذا التحوّل، فأغلبها يقوم على حفلات الغناء والرقص والاستعراضات السائدة في المجتمعات الغربية.
وقد تحوّلت المملكة خلال سنوات قليلة إلى ساحة لكبرى فعاليات الترفيه الدولية. فموسم الرياض الذي انطلق عام 2019 بلغ في نسخته الخامسة نحو 20 مليون زائر. واستضافت المملكة مهرجان “MDLBEAST” للموسيقى الإلكترونية، وعروض المصارعة الحرة “WWE” التي ستتوَّج باستضافة “WrestleMania” عام 2027 للمرة الأولى خارج أميركا الشمالية. وتُضاف إلى ذلك جولات الملاكمة العالمية، وسباقات الفورمولا 1 في جدة والفورمولا E في الدرعية، وبطولة “Six Kings Slam” للتنس، ومهرجان “Gamers8” للألعاب الإلكترونية، ومدينة “Six Flags” التي افتُتحت في القدية أواخر 2025. وعادت دور السينما منذ 2018 لتخاطب جيلًا ناشئًا يتفتح وعيه على مظاهر لم تعرفها الأجيال السابقة. أما العُلا والحِجر فقد تحوّلتا إلى منتجعات فاخرة ومسارح للحفلات. ويحدث ذلك رغم أن الحِجر هي ديار ثمود التي نهى النبي (ص) عن دخولها إلا باكين، “حذرًا أن يصيبكم مثل ما أصابهم”، فهي في الوعي الإسلامي موضع عبرة لا موضع نزهة.
يكشف هذا المسار تناقضًا صارخًا مع الموقع الذي تدّعيه السعودية بوصفها عاصمة للعالم الإسلامي. فالدولة التي عاشت قرونًا على المحافظة الصارمة والفصل بين الجنسين ومنع الفنون، انعطفت فجأة نحو مجتمع الحفلات الراقصة والاختلاط والمشاهير. واللافت أن أرشيف الهيئة يخلو تمامًا من كلمتي “الغناء” و”الرقص”، إذ يُستعاض عنهما بكلمة “الموسيقى”، فيما تُروَّج مسابقات لتأدية الأذان للإيحاء بتوازن مفقود. ولن تنسى الذاكرة الإسلامية مشهد مجسّم الكعبة المضاء يحيط به راقصون على وقع موسيقى صاخبة، في افتتاح موسم الرياض في 28 تشرين الأول/أكتوبر 2023، بالتزامن مع بدء الإبادة في غزة.
لم يقتصر التحوّل على المجتمع، بل طال ميزان القوة بين المؤسسة السياسية والمؤسسة الدينية. فقد جُرّدت هيئة الأمر بالمعروف من صلاحياتها، وتوسّعت صلاحيات هيئة الترفيه، ونشأت وزارة الثقافة وهيئات الأفلام والفنون والرياضة كمؤسسات بديلة. وما كانت فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز تعدّه من المعازف المحرّمة صار قطاعًا اقتصاديًا رسميًا تنظّمه الدولة وتروّج له عالميًا. وحذّر المفتي عبد العزيز آل الشيخ مطلع 2017 من الحفلات والسينما، وارتفعت أصوات معترضة، فجاءت حملة اعتقالات طالت أكثر من عشرين عالمًا وأكاديميًا، بينهم الشيخ سلمان العودة، لتُسكت أي اعتراض علني. فالدولة لم تنتظر أن تقتنع المؤسسة الدينية، بل أعادت توزيع السلطة التي تحدد المقبول والجائز. وقد وصفت مؤسسة كارنيغي ذلك بالانتقال من أولوية دينية في تنظيم المجال العام إلى أولوية سياسية، فيما رأى معهد بروكينغز فيه تحديًا مباشرًا للتحالف التاريخي بين آل سعود والمؤسسة الدينية.
وفي الوقت نفسه، لم تتخلَّ الدولة عن رأسمالها الديني، بل فصلت بين وظيفتين: دولة حارسة للحرمين تطمح إلى رفع عدد المعتمرين إلى 30 مليونًا سنويًا، ودولة منفتحة على السياحة والترفيه. ويخدم المساران معًا هدف تحويل المملكة إلى وجهة استثمارية عالمية. ولشرعنة ذلك، قُدّم الترفيه بوصفه جزءًا من “جودة الحياة” و”الإسلام المعتدل”، ورُبط بخلق الوظائف واستيعاب الشباب دون الخامسة والثلاثين. ورُصد للقطاع 240 مليار ريال خلال عشر سنوات، ثم جرت مأسسته بتنظيم شامل للتراخيص والعقوبات عام 2026. واستُكمل ذلك بإعادة كتابة الماضي، حين قدّم ابن سلمان مشروعه عام 2017 بوصفه عودة إلى سعودية ما قبل 1979.
خلف الواجهة الاستثمارية تتكشف أهداف سياسية واضحة. أولها منافسة دبي وقطر في الإبهار والانفتاح. وثانيها تهيئة الوعي الجمعي لتقبّل التطبيع، فحين يصبح “الأجنبي” بنجومه وثقافته جزءًا من الحياة اليومية، يتراجع حضور الإسرائيلي بوصفه عدوًا، بالتوازي مع تصنيف إيران عدوًا أول. وكان المسار نحو التطبيع العلني ماضيًا حتى السابع من أكتوبر، قبل أن تؤخّره حرب الإبادة. وثالثها كسر هيبة المقدّس بعدما وصلت الحفلات إلى تخوم مكة والمدينة. ورابعها نقل مركز الهوية من الرمزية الدينية إلى وطنية سعودية قائمة على الاقتصاد والرياضة والترفيه. وفي هذا النموذج تمنح الدولة المواطن المتعة وجودة الحياة مقابل احتكارها تنظيم المجال العام، وتعيد تشكيله ليصبح “منافسًا عالميًا”. وفي هذا السياق، استُخدمت المرأة بوابة رئيسية للتغيير، وجرى الرهان على جيل شاب يألف السلوك الجديد حتى يغدو طبيعيًا، مع حرص دائم على ألا يتحول الانفتاح الاجتماعي إلى استقلال سياسي.
ولا يمكن فصل هذا كله عن المشروع الغربي لإعادة تشكيل العالم الإسلامي، الذي صاغته مؤسسة راند بعد أحداث 11 أيلول في وثيقتي “إسلام حضاري ديمقراطي” (2003) و”بناء شبكات إسلامية معتدلة” (2007). فقد قسّمت الوثيقتان المسلمين إلى أصوليين وتقليديين وحداثيين وعلمانيين، لتحديد “الشركاء” و”الخصوم” وتحييد الأغلبية. ويبدو خطاب “الإسلام المعتدل” السعودي ترجمة عملية لهذا التصنيف.
أخيرًا، يؤدي الترفيه وظيفة الإلهاء. فصفحات الرأي في الصحف السعودية تكاد تخلو من السياسة لصالح التكنولوجيا والرياضة والسفر، فيما تغيب فلسطين ومعاناة غزة والضفة عن اهتمامات الجمهور. ويزيد من خطورة ذلك صمت العلماء في العالم الإسلامي، من باكستان إلى ماليزيا وإندونيسيا، ما يترك سؤالًا مفتوحًا: إلى أين ستنتهي استراتيجيات الترفيه في أرض الحرمين؟
المصدر الأصلي: alkhanadeq.com




