صحافة

المسارات المحتملة لتدخّل تركيا وباكستان في الحرب على اليمن

المسارات المحتملة

يمثّل تفعيل اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وباكستان وتركيا انتقالًا من التعهّد السياسي بالمساندة إلى اختبار الالتزام العسكري الفعلي. غير أنّ التوافق على حماية الأراضي السعودية لا يعني بالضرورة التوافق على خوض حرب مشتركة داخل اليمن. فالدول الثلاث تلتقي حول تعزيز أمن المملكة، لكنها تختلف في دوافعها وفي حدود استعدادها لتحمّل كلفة التصعيد، في حين لا يزال حجم الانتشار الفعلي والصلاحيات العملياتية المشتركة غير محسومين.

جاء قرار التفعيل خلال اجتماع طارئ عُقد في الرياض في الخامس من تشرين الأول/أكتوبر 2026. وتزامن ذلك مع تصاعد الحرب في اليمن، إذ سيطر أنصار الله بشكل مفاجئ وسريع على مناطق واسعة من الساحل الغربي وصولًا إلى باب المندب، واستهدفوا العمق السعودي بالصواريخ الباليستية والمسيّرات. وهذا التزامن يضع التحالف أمام مستويين محتملين من الانخراط، أولهما حماية العمق السعودي، وثانيهما توفير الظروف العسكرية التي تتيح للرياض وحلفائها اليمنيين مواصلة عملياتهم. ومع ذلك، لا يعني الإعلان عن التفعيل أنّ انتشار القوات قد اكتمل، ولا أنّ قيادة عمليات ثلاثية قد أُنشئت، ولا أنّ قواعد اشتباك تسمح بضرب أهداف داخل اليمن قد اعتُمدت. ولهذا فإنّ ما يحدّد طبيعة التحالف هو المهام المسندة إلى قواته ومكان تنفيذها وسلطة القرار وحدود استخدام القوة، أكثر مما يحدّدها حجم الانتشار. فانتشار محدود بصلاحيات قتالية واسعة قد يدلّ على التصعيد أكثر من انتشار كبير تقتصر مهمته على الحماية والتدريب.

وتسعى الرياض من خلال التحالف إلى تحقيق أهداف مترابطة. فهي تريد توسيع الردع بإظهار أنّ أي هجوم على أراضيها قد يستدعي تدخّل قوتين عسكريتين إقليميتين. وتريد كذلك تقاسم أعباء الدفاع الجوي والإنذار المبكر وحماية المنشآت النفطية والمطارات والمدن، فتتحرّر موارد سعودية إضافية للعمليات في اليمن. ويُضاف إلى ذلك سعيها إلى تنويع شراكاتها الأمنية وإضافة طبقة دفاعية إلى علاقتها بالولايات المتحدة، من دون أن يكون التحالف قادرًا على تعويض جميع وظائف الدعم الأميركي. أما الهدف الأخير فهو الحفاظ على دورها في ساحة تعدّها الحديقة الخلفية الأساسية لأمنها. وتكمن المعضلة في أنّ استمرار الهجمات قد يدفع الرياض إلى توسيع مفهوم الدفاع ليشمل ضرب مصادر التهديد داخل اليمن، وعند هذه النقطة تظهر حدود التوافق مع أنقرة وإسلام آباد، اللتين تريدان مساندة السعودية من دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة تتجاوز مصالحهما المباشرة.

يمكن تتبّع تطوّر التدخّل عبر مسارات متداخلة قد يقود أحدها إلى الآخر تدريجيًا. يبدأ المسار الأول بالدفاع الجماعي المحدود داخل السعودية، ويقوم على نشر دفاعات جوية وقدرات للحرب الإلكترونية وفرق تقنية ووحدات حماية، وعلى تعزيز الإنذار المبكر وتبادل المعلومات. وهذا المسار هو الأكثر ملاءمة للمصالح المشتركة، لأنه يمنح الرياض دعمًا عمليًا ويتيح للشريكين الوفاء بالتزاماتهما ضمن مهمة واضحة. لكنّ فعاليته تُقاس بقدرته على الحدّ من أضرار الهجمات اليمنية، فإذا استمرت الضربات المؤثرة اتسعت الفجوة بين القيمة السياسية للتحالف ونتائجه الميدانية، وتصاعدت المطالب بنقل المهمة إلى خارج الحدود. ومن هنا ينفتح المسار الثاني، وهو الإسناد غير المباشر وفق معادلة “حماية العمق بدل المشاركة في القتال”. ففيه يتولّى الأتراك والباكستانيون جانبًا من حماية العمق السعودي ويقدّمون الصيانة والإمداد والمراقبة ويطوّرون منظومات القيادة والسيطرة، بينما تواصل الرياض والقوات اليمنية التابعة لها العمليات داخل اليمن.

غير أنّ هذا الإسناد يقترب من المشاركة القتالية متى استُخدمت المعلومات والقدرات المقدّمة لتحديد أهداف داخل اليمن أو لدعم الضربات مباشرة، حتى لو بقي وصفه الرسمي دفاعيًا.

ويتّجه المسار الثالث نحو مأسسة التحالف وتحويله إلى إطار مستدام له مؤسسات تنسيق وآليات لتبادل المعلومات وخطط للتدريب والانتشار. ويُعدّ تعيين أمين عام للتحالف مؤشرًا على هذا الاتجاه، وإن كان لا يكفي لإثبات قيام قيادة عسكرية موحّدة. وفي هذا النموذج تتولّى السعودية الاستضافة والتوجيه، وتركّز باكستان على الحماية والتدريب والدفاع الجوي، فيما تقدّم تركيا الأنظمة التقنية والحرب الإلكترونية والتعاون الصناعي. ويتوقّف استمرار هذا النموذج على وضوح الصلاحيات وآليات القرار والعلاقة بين مؤسسات التحالف والقيادات الوطنية. أما المسار الرابع، أي المشاركة القتالية المباشرة بضرب مواقع الإطلاق أو خوض عمليات جوية وبحرية وبرية ضد أنصار الله، فقد تتزايد الضغوط باتجاهه إذا وقع هجوم واسع الخسائر أو استُهدفت قوات الشريكين أو تعطّلت منشآت سعودية حيوية رغم تعزيز الدفاعات.

لكنّ هذا المسار يعرّض مصالح الدولتين للاستهداف، ويعقّد علاقتهما بإيران، ويفتح باب الاستنزاف والخلاف حول الأهداف والمدة، ولذلك يبقى أقلّ جاذبية لهما ما دامت البدائل الدفاعية تؤمّن حماية مقبولة. ويبقى أخيرًا احتمال أن يظلّ التفعيل سياسيًا يفوق التنفيذ العسكري، بأن تتأخّر المساهمة الفعلية بفعل الإجراءات القانونية واللوجستية. وتحتفظ هذه الصيغة بقيمة تضامنية وردعية، لكنها ترفع التوقّعات السعودية فوق مستوى الالتزام الفعلي، وتدفع أنصار الله إلى اختبار مصداقية التحالف، فيجد أعضاؤه أنفسهم أمام خيارين: تعزيز المشاركة أو القبول بتآكل قيمته الردعية.

ولفهم سبب ترجيح المسار الدفاعي ينبغي النظر في دوافع كلّ من الشريكين. فباكستان تسعى إلى صون علاقتها الأمنية التاريخية بالسعودية وترسيخ صورتها شريكًا موثوقًا وتوسيع مكانتها خارج جنوب آسيا، كما تستفيد من الروابط الاقتصادية وفرص التدريب والتسليح، وإن لم يثبت وجود مقابل مالي محدّد للانتشار. لكنها في المقابل تواجه قيودًا تجعل الحرب الهجومية مكلفة، أبرزها حدودها الحساسة مع إيران، وجبهتاها مع الهند وأفغانستان، وعمليات مكافحة التمرّد، والحساسيات السياسية والطائفية في الداخل. ولا يزال رفض البرلمان الباكستاني المشاركة في حرب اليمن عام 2015 شاهدًا على صعوبة الانتقال من التعاون الأمني إلى حرب خارجية. ولذلك يُرجَّح أن تكتفي إسلام آباد بدور الضامن الدفاعي، فتجمع بذلك بين الوفاء للرياض والحفاظ على توازنها مع طهران.

أما تركيا فتتمحور دوافعها حول توسيع حضورها الأمني في الخليج وتعميق شراكتها مع السعودية، وإدخال صناعاتها الدفاعية في ترتيبات أمنية طويلة الأمد عبر أنظمة الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية والمراقبة والاتصالات. غير أنّ علاقتها بإيران، التي يتداخل فيها التنافس مع التعاون، والجدل الداخلي حول الأساس القانوني لنشر القوات والموافقات البرلمانية اللازمة، يرجّحان أن تقدّم أنقرة قدرات تقنية مؤثرة بعدد محدود من الأفراد، وأن تُبقي أي انتشار أوسع رهنًا بقرار سياسي إضافي. وبهذا يصبح توافق الشريكين على الحماية والتدريب والإسناد أمتن بكثير من توافقهما على تغيير موازين القوى داخل اليمن.

وعلى المستوى الإقليمي، يسمح الطابع الدفاعي للتحالف بإبقاء قنوات التواصل مع طهران مفتوحة، في حين قد تقرأ إيران أي تحوّل هجومي على أنه اصطفاف أوسع ضد حلفائها. أما واشنطن فقد ترى في التحالف أداة لتقاسم الأعباء، من دون أن يعني ذلك تطابق مواقف أعضائه مع سياستها تجاه إيران أو استغناءهم عن الدعم الأميركي في الاستخبارات والإمداد. ويربط باب المندب الصراع بأمن الملاحة الدولية، لكنّ إنشاء قوة بحرية ثلاثية لا يزال احتمالًا يحتاج إلى تحديد جديد للمهمة والصلاحيات.

يمرّ تطوّر التحالف عبر ثلاث عتبات متتالية هي الانتشار ثم الصلاحيات ثم القتال المباشر. فزيادة القوات تثبت التنفيذ لكنها لا تعني توسيع الحرب، وتعديل قواعد الاشتباك يكشف تحوّلًا أعمق، أما المشاركة في الضربات فهي العتبة الأوضح للانتقال إلى القتال داخل اليمن. ويبقى المزج بين الدفاع المحدود والإسناد غير المباشر والمأسسة التدريجية هو المسار الأرجح، لأنه يوفّق بين حاجات الرياض وقيود شريكيها. وقد يستقرّ هذا النموذج إذا تراجعت الهجمات أو تقدّمت المفاوضات، لكنه يصبح عرضة للتوسّع إذا أخفقت الحماية. وفي حال عجزت الدفاعات الباكستانية والتكنولوجيا التركية عن إحداث فارق ملموس أمام الهجمات اليمنية، فلن تقتصر الكلفة على الميدان، بل ستطال مصداقية الدولتين العسكرية، وتضعف الثقة بباكستان شريكًا أمنيًا وبتركيا مورّدًا للتكنولوجيا الدفاعية.

وعندها ستكون أنقرة وإسلام آباد أمام خيارين: تعميق الانخراط لاستعادة المصداقية مع ما يحمله من خطر التورّط، أو تضييق المهمة للحدّ من الخسائر مع ما قد يُفهم منه إقرارًا بمحدودية قدرتهما.


المصدر الأصلي: alkhanadeq.com

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى