صحافة

إيران تحت الحصار: كيف تُواجه “الإنزال الاقتصادي”؟

   لم تعد العقوبات الأميركية على إيران مجرد حزمة من القيود المالية والتجارية المتفرقة، بل تحولت، مع إعلان واشنطن في 24 آب/أغسطس 2026 ما سمّته «عملية الإنزال الاقتصادي»، إلى محاولة لإعادة بناء منظومة ضغط شاملة تستهدف مصادر الإيرادات، وقنوات الدفع، والنقل البحري، والطيران، والذهب، والتكنولوجيا، والأصول الرقمية، والشبكات الوسيطة التي تسمح للاقتصاد الإيراني بالبقاء متصلاً بالاقتصاد العالمي. وأعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن الهدف هو «قطع كل شريان اقتصادي» يُبقي النظام الإيراني قائماً وتوسيع نطاق العقوبات الثانوية على الأطراف الأجنبية التي تستمر في التعامل مع إيران.

لكن السؤال الاقتصادي والسياسي الأهم لا يتعلق بقدرة واشنطن على فرض عقوبات جديدة؛ فالولايات المتحدة تمتلك بالفعل أدوات مالية ومصرفية وتجارية استثنائية، وإنما يتعلق بقدرتها على تحويل هذه الأدوات إلى حصار اقتصادي كامل قادر على تغيير سلوك إيران أو دفعها إلى الانهيار أو إجبارها على تقديم تنازلات استراتيجية.

هي مرحلة جديدة، تدخلها إيران وهي تمتلك خبرة تراكمية طويلة في التعامل مع العقوبات والالتفاف عليها، وشبكات تجارية ومالية بديلة، وقدرة على إعادة توجيه التجارة، وسوقاً داخلية كبيرة، وقاعدة إنتاج محلية واسعة في عدد من القطاعات، وعلاقات اقتصادية متنامية مع الصين وروسيا ودول الجوار. وفي المقابل، فإن هذه المناعة ليست مطلقة؛ إذ يبقى الاقتصاد الإيراني معرضاً لضغوط حقيقية في سعر الصرف، والتضخم، والاستثمار، والوصول إلى التكنولوجيا، وكلفة النقل والتأمين، والإيرادات النفطية، والقدرة الشرائية للمواطن الإيراني.

لذلك فإن التقييم العلمي للحصار الجديد لا ينبغي أن ينطلق من ثنائية مبسطة تقول إن «العقوبات فشلت» أو إن «العقوبات ستسقط إيران». الأصح أن الحصار يملك قدرة مرتفعة على إحداث الضرر الاقتصادي في إيران، لكنه يواجه معضلة وهي تحويل الضرر إلى نتيجة سياسية حاسمة.

“الإنزال الاقتصادي” مختلف عن العقوبات السابقة

الجديد في الاستراتيجية الأميركية ليس مجرد إضافة أسماء وكيانات جديدة إلى قوائم العقوبات، وإنما توسيع مجال الاستهداف من القطاعات الإيرانية المباشرة إلى الشبكات التي تجعل الاقتصاد الإيراني قابلاً للحياة والاستمرار.

تقول وزارة الخزانة الأميركية بصراحة إن أي جهة تساعد إيران في غسل الأموال أو الالتفاف على العقوبات يمكن أن تتعرض للحرمان من الوصول إلى النظام المالي الأميركي. كما أن واشنطن أعلنت أنها ستمنح الدول والأطراف المعنية جداول زمنية لاتخاذ إجراءات ضد النشاط المرتبط بإيران، ثم تتدخل بصورة أحادية إذا لم تستجب.

وهنا تظهر أهمية آلية «العقوبات الثانوية» لأن الشركة الأجنبية لا تخشى فقط العقوبة الأميركية المباشرة، وإنما تخشى خسارة الوصول إلى الدولار، والأسواق الأميركية، والبنوك الدولية، والتأمين، والتكنولوجيا، وسلاسل التوريد.

وثمة رأي آخر يرى أنه كلما توسّعت عقوبات واشنطن ستدفع الدول المتضررة إلى بناء آليات مالية وتجارية بديلة عن النظام الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة. وهذا ما نراه في منظمات دولية مثل البريكس وشانغهاي اللتين تسعيان لإيجاد عملة مستقلة، وأسواق خاصة بها، وأنظمة مالية بعيدة عن هيمنة الدولار الأميركي.

الهدف الأميركي تغيير المعادلة السياسية

إن العقوبات الجديدة هي تحول مهم في التفكير الأميركي بعد فشل أدوات الضغط العسكرية في تحقيق تغيير حاسم، حيث اتجهت واشنطن إلى دمج الحرب الاقتصادية بالحصار البحري والضغط العسكري المحدود. واستخدمت واشنطن للمرة الأولى بصورة واضحة تعبير «الحرب الاقتصادية» ضد إيران، وأن الهدف العام للاستراتيجية الأميركية يتراوح بين تغيير السلوك الإيراني وتغيير النظام السياسي.  ولهذا فإن التحدي الأميركي الحقيقي هو تحويل الضغط الاقتصادي إلى ضغط اجتماعي شعبي ثم إلى ضغط سياسي. وهذا ما تراهن عليه واشنطن.

الحصار البحري هو الحلقة الأهم

إن الانتقال الأميركي من العقوبات إلى الحصار البحري يمثل تصعيداً نوعياً حيث تريد واشنطن تقليص قدرة طهران على استخدام الممرات البحرية، وفي الوقت نفسه الضغط على الطرق البديلة، بما في ذلك طرق التجارة البرية مع دول الجوار.

وتكمن أهمية البحر في أن النفط الإيراني، والسلع المستوردة، والمواد الأولية، وقطع الغيار، وبعض المعدات الصناعية، تحتاج إلى شبكات نقل دولية. لكن المشكلة بالنسبة إلى واشنطن أن البحر ليس فضاءً اقتصادياً فقط، بل هو فضاء جيوسياسي فمضيق هرمز لا يؤثر في إيران وحدها، بل هو جزء من بنية سوق الطاقة العالمي، وتكشف بيانات حركة الملاحة في المضيق حجم التحول الذي أحدثه التصعيد. ففي 10 أيلول/سبتمبر 2026 لم يتجاوز عدد السفن العابرة للمضيق سبع سفن، مقارنة بمتوسط يومي بلغ نحو 125 سفينة قبل الحرب، وبمتوسط حديث يقارب 15 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة. ويشير ذلك إلى أن الحصار البحري لم يعد مجرد تهديد نظري، بل أصبح عاملاً فعلياً في خفض حركة التجارة والطاقة عبر أحد أهم الممرات البحرية في العالم. ولهذا فإن الضغط على إيران في هرمز يتحول بسرعة إلى ضغط على المستهلكين والمصانع وشركات النقل وشبكات الطاقة في آسيا وأوروبا والولايات المتحدة نفسها.

ووفق تقديرات نقلتها تقارير السوق، يرى Bank of America أن استمرار اضطراب تدفقات النفط يمكن أن يدفع برنت إلى نطاق 120 دولاراً، بينما قد يؤدي اتساع الضرر في البنية التحتية للطاقة إلى مستويات أعلى بكثير.

وهذا يفسر أهمية تقدير بنك أوف أميركا، والذي يربط اضطرابات هرمز بإمكانية وصول برنت إلى 120 دولاراً أو أكثر إذا تعرضت البنية التحتية لأضرار واسعة واقتصادياً، هذه ليست مسألة إيرانية فقط. فارتفاع النفط ينتقل إلى: تكاليف النقل، أسعار الوقود، تكاليف الإنتاج، أسعار الغذاء، التضخم، توقعات أسعار الفائدة، عوائد السندات، أرباح الشركات، الإنفاق الاستهلاكي، والموازنات الحكومية وبالتالي فإن الحصار البحري يمكن أن يتحول إلى أداة ضغط عكسي إذا رفعت إيران كلفة الطاقة على الولايات المتحدة وشركائها.

إجراءات الحكومة الإيرانية في مواجهة الحصار

يطغى الموضوع الاقتصادي والحصار على مواقف وتصريحات المسؤولين الإيرانيين وسبل المواجهة، فيما كان التحول الأهم في السياسة الاقتصادية الإيرانية، وفق تصريحات وزير الاقتصاد علي مدني زاده، هو أن الحكومة لا تريد أن تكتفي بإدارة آثار العقوبات، بل تتحدث عن تحضيرها مسبقا لبرنامج اقتصادي مقاوم لمدة عامين، يتضمن خططاً مسبقة لمواجهة السيناريوهات المختلفة. وقال مدني زاده إن جميع الأجهزة الاقتصادية، من البنك المركزي إلى وزارات الصناعة والطرق والزراعة والعمل، لديها خطط للتعامل مع السيناريوهات المختلفة.  مشيرا الى  “أن الهدف من الحصار هو التأثير في معيشة الشعب الإيراني” مضيفا، إن الحكومة لن تسمح لخصومها بتحقيق أهدافهم، وأن الفريق الاقتصادي للحكومة أعدّ إجراءات مضادة لمواجهة السيناريوهات المختلفة في عدة مستويات أهمها:

1- الإنتاج المحلي

وفق مصادر إيرانية إن نحو 97% من السلع والمواد الأساسية متوفرة في إيران محلياً ولديها اكتفاء ذاتي غذائي، كما أن القطاعات الصناعية والزراعية لم تتوقف عن الإنتاج. وهذا لا يعني أن إيران مكتفية ذاتياً في كل شيء مئة بالمئة. فهي تحتاج إلى التكنولوجيا، وبعض المواد الوسيطة، والمعدات المتقدمة، وقطع الغيار، ومكونات الصناعة، لكن وجود قاعدة صناعية وزراعية كبيرة يسمح باستبدال جزء من الواردات أو تأجيلها أو الحصول عليها عبر أسواق بديلة.

2- إعادة توجيه التجارة

يمثل بحر قزوين منفذاً مهماً، وتستطيع روسيا التي تسيطر عليه توفير بعض السلع والمواد لإيران، بما في ذلك منتجات الطاقة. كما تشير إلى دور الطرق البرية والقطارات الصينية في تعويض جزء من النقص البحري.

فإيران ليست جزيرة معزولة. إنها تقع بين الخليج الفارسي، وبحر قزوين، وآسيا الوسطى، والقوقاز، وتركيا، والعراق، وباكستان، وأفغانستان. ولذلك فإن إغلاق منفذ لا يؤدي بالضرورة إلى إغلاق الاقتصاد كله. وقد أعلنت كل من تركيا والعراق وباكستان وروسيا والصين رفضهما العقوبات الجديدة ضد إيران.

3- حماية العمالة

خصصت الحكومة، وفق تصريح وزير الاقتصاد، نحو 80 ألف مليار تومان من قروض رأس المال العامل للحفاظ على فرص العمل، وقال إن البرامج حالت دون فقدان نحو 600 ألف فرصة عمل. وهذا الإجراء مهم لأن العقوبات تصبح أكثر خطورة عندما تنتقل من القطاع الخارجي إلى سوق العمل. ففقدان الوظائف يقلل الدخل، ويخفض الاستهلاك، ويضغط على البنوك، ويزيد الإنفاق الاجتماعي، ويضعف الإيرادات الضريبية، وقد يحول الصدمة الخارجية إلى ركود داخلي. لذلك فإن حماية العمالة تمثل أداة استقرار اقتصادي وسياسي في آن واحد.

4- تسريع التخليص الجمركي

من الإجراءات اللافتة خفض متوسط بقاء السلع في الجمارك من نحو عشرة أشهر، بحسب الوزير، إلى ثمانية أيام، مع هدف الوصول إلى ثلاثة أيام. هذه ليست مسألة إدارية صغيرة في اقتصاد تحت العقوبات، كل يوم تأخير في الميناء أو الجمارك يرفع تكلفة التخزين والتمويل ورأس المال العامل ومخاطر التلف وتكلفة التأمين وتكلفة سعر الصرف.

5- تأمين السلع الأساسية

وضعت الحكومة موضوع الحفاظ على السلع الأساسية ومنع خلو الأسواق من السلع ضمن أولوياتها، مع توسيع برامج الدعم للفئات ذات الدخل المنخفض واستخدام برنامج «السلة التموينية» وبرنامج «الائتمان الوطني» للشرائح الوسطى.

6-دعم القطاعات المتضررة

تشير المعلومات إلى تضرر أكثر من ثلاثة آلاف مؤسسة اقتصادية بصورة مباشرة في الحرب، وإلى إدراجها ضمن برامج الدعم المصرفي.

7- إعادة إعمار الصناعة

السرعة في إعادة البناء وإعمار ما هدمته الحرب، وعلى سبيل المثال، فإن مصنع “فولاد مباركة” في أصفهان وهو الأكبر في إيران والشرق الأوسط في انتاج الحديد والفولاد وقد استهدف بضربات أميركية خلال الحرب الأخيرة، إن هذا المصنع كان ينبغي أن تستغرق عامين عملية إعادة إعماره وفق للخبراء، إلا انها أُنجزت خلال فترة أقل من شهرين حسب المسؤولين عنه. هذا المثال يعكس أولوية سياسية واقتصادية إيرانية واضحة عدم السماح بخلل أو توقف في عجلة الإنتاج لا سيما في القطاع الصناعي.

8- إدارة التضخم

من أخطر نقاط سوء الفهم في تقييم الاقتصاد الإيراني الخلط بين انخفاض التضخم وانخفاض الأسعار. وزير الاقتصاد أشار إلى أن التضخم الشهري انخفض إلى النصف وفق ما نقله عن البنك المركزي، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن انخفاض التضخم لا يعني انخفاض الأسعار، وإنما يعني تباطؤ معدل ارتفاعها.

إن المشكلة الأساسية ليست في غياب السلع فهي متوفرة، بل في انخفاض القدرة الشرائية نتيجة تراجع قيمة العملة المحلية وارتفاع الأسعار (الدولار الواحد يعادل الآن 230 ألف تومان إيراني).

لهذا فإن ارتفاع سعر الدولار مقابل الريال الإيراني يمثل عاملا مهما ومؤثرا على الإيرانيين، وحتى السلع المنتجة محلياً تتأثر بسعر الصرف، لأن الإنتاج الداخلي يستخدم مواد أولية ومعدات وقطع غيار مستوردة، أو لأن المنتج المحلي يرتبط بسعر البديل المستورد لذلك فإن انخفاض العملة قد يؤدي الى صدمة خارجية، ارتفاع تكلفة المدخلات، ارتفاع أسعار المنتج، التضخم، انخفاض الأجور الحقيقية، وانخفاض الطلب. وهذا هو السبب في أن قدرة إيران على تأمين السلع لا تعني بالضرورة قدرتها على حماية مستوى المعيشة. ومن هنا يصبح الاستقرار النقدي جزءاً من الأمن القومي الاقتصادي.

وفي السياق، أعطى السيد مجتبى الخامنئي توجيهاته لرئيس البانك المركزي للمحافظة على احتياطيات العملات الأجنبية.

9- سوق رأس المال كأداة مقاومة للعقوبات

وفق تصريحات وزير الاقتصاد، أمّنت المؤسسات الاقتصادية نحو 55 ألف مليار تومان من التمويل عبر إصدار سندات الدين، كما سعت الحكومة إلى خفض تكلفة تمويلها وإدارة العجز عبر السندات وشهادات النفط ومشروع “الائتمان الوطني” وتكمن أهمية هذه السياسة في أنها تحاول نقل جزء من التمويل من المصارف الخارجية إلى السوق المالية المحلية وهذا لا يلغي الحاجة إلى العملات الأجنبية، لكنه يخفف الاعتماد على التمويل الخارجي.

10- الطاقة نقطة ضعف ونقطة قوة في الوقت نفسه

تواجه إيران اختلالات مزمنة في قطاع الطاقة، لكنها في الوقت نفسه دولة كبيرة في إنتاج النفط والغاز وتمتلك قاعدة صناعية مرتبطة بالطاقة. خلال الحرب تضرر جزء من البنية الإنتاجية، وعملت الحكومة على تعويض اختلالات الطاقة عبر وزارة النفط والطاقة، ومنظمة التخطيط، والبنك المركزي، وغيرها. وتشير المعلومات إلى أن استهلاك الطاقة، الذي كان يرتفع بنسبة 6–7% سنوياً في بعض القطاعات، بدأ يتراجع في بعض المجالات نتيجة ترشيد الاستهلاك.

وفي السياق، يبرز موقف وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد، إذ أكد في مقابلة بثها التلفزيون الرسمي أن جزيرة خرج، التي تمثل مركزاً رئيسياً لصادرات النفط الإيرانية، تعرضت لنحو 550 ضربة خلال الأشهر السابقة، لكنها واصلت العمل.

11- تحويل مدخرات الأسر من الدولار والذهب إلى الاستثمار

هذه إحدى الأفكار الأكثر ذكاءً في البرنامج الاقتصادي الإيراني، لأنها تستهدف السلوك المالي للأسر. فعندما يخاف المواطن من انخفاض العملة، فإنه يشتري الدولار أو الذهب لكن هذا السلوك يؤدي إلى:

-زيادة الطلب على العملات الأجنبية.

-زيادة الطلب على الذهب.

-ارتفاع سعر الصرف.

-زيادة التضخم.

-زيادة الضغط على الشرائح الفقيرة.

ولذلك تسعى الحكومة الإيرانية، إلى خلق أدوات استثمارية تسمح للشرائح الأعلى دخلاً بتوظيف مدخراتها في السوق المالية أو الصناديق الاستثمارية، بما في ذلك أدوات تحقق عائداً بالعملة الأجنبية. ويأتي ضمن ذلك صندوق استثماري بالعملات الأجنبية وشهادات النفط. لكن نجاحها يتوقف على الثقة، إذا فقد المواطن الثقة بالعملة المحلية والمؤسسات المالية، فلن تكفي المنتجات الاستثمارية وحدها.

12- تحويل التحدي الى فرصة

من أكثر الأفكار أهمية في البرنامج الحكومي ما سماه وزير الاقتصاد تحويل «نقاط الضعف» إلى فرصة، وهذا يعني أن العقوبات، من وجهة نظر الحكومة، لا ينبغي أن تؤدي فقط إلى الدفاع عن الوضع القائم، بل إلى إزالة الاختناقات التي كانت موجودة أصلاً. وتشمل هذه الإصلاحات: تسهيل التراخيص، تقليل عوائق الإنتاج، تسهيل التجارة، تطوير الممرات، إصلاح السوق المالية، تقليل مدة التخليص الجمركي، جذب رأس المال الخاص، تطوير الطاقة المتجددة، وتوجيه المدخرات إلى الإنتاج بدلاً من الذهب والعملات. وثمة حزمة لتسهيل التجارة وإزالة عوائق الإنتاج اجتازت مراحلها الفنية، وكان يفترض أن تنتقل إلى مرحلة الإقرار الحكومي.

وإذا أردنا اختزال المشكلة الاقتصادية الإيرانية في متغير واحد، فهو الدخل الحقيقي للمواطن والقدرة الشرائية. حيث يمكن للدولة أن تمنع المجاعة، وتؤمن الوقود، وتحافظ على المصانع، وتوفر السلع الأساسية، لكنها لا تستطيع منع تآكل القدرة الشرائية إذا انخفضت العملة وارتفعت الأسعار. وهنا تظهر الآثار الاجتماعية مثل انتشار الفقر، تآكل الطبقة الوسطى، زيادة الهجرة الاقتصادية، انخفاض الاستهلاك، ارتفاع الطلب على الذهب والعملات، وتراجع الاستثمارات.

ويمكن تلخيص الاستراتيجية الإيرانية في حزمة إجراءات وخطوات مترابطة هي:

– الحفاظ على الاحتياطيات من العملات الأجنبية.

– تنويع الشركاء التجاريين.

–توسيع التجارة مع دول الجوار.

–تطوير الممرات البرية والبحرية البديلة.

– استخدام الصين وروسيا كمنفذين رئيسيين للتجارة البديلة.

–توسيع التسوية بالعملات غير الدولار، خصوصاً اليوان.

–استخدام المقايضة والنفط مقابل السلع والخدمات.

– دعم الإنتاج المحلي.

– حماية فرص العمل.

– تمويل رأس المال العامل للمؤسسات المتضررة.

– تسريع التخليص الجمركي.

– دعم السلع الأساسية.

– استخدام سوق رأس المال.

– إصدار السندات وشهادات النفط.

–تطوير أدوات استثمار بالعملات الأجنبية.

– الاستثمار في الطاقة المتجددة.

– تحديث محطات الكهرباء.

– إدارة استهلاك الطاقة.

– إعادة إعمار المنشآت المتضررة.

–وضع برنامج اقتصادي هجومي لمدة عامين.

هذه الإجراءات لا تعني أن الجمهورية الإسلامية تجاوزت الحصار كلياً، لكنها تؤكد أنها لا تتعامل معه كصدمة مفاجئة بلا أدوات استجابة. إلا أن قدرة الحكومة على تنفيذ خطتها تواجه عائقاً آخر وفق خبراء إيرانيين، يتمثل في غياب الرقابة البرلمانية، مع استمرار إغلاق مجلس الشورى الإيراني منذ اندلاع الحرب في 28 شباط/فبراير الماضي واغتيال قائد الثورة الشهيد السيد علي خامنئي.

أين تكمن قوة الحصار الأميركي؟

بعد عرض أدوات إيران للمواجهة الاقتصادية، يمكن تحديد مصادر القوة الأميركية في خمسة مستويات هي:

أولاً: الدولار وهو أكبر أداة ضغط أميركية.

ثانياً: العقوبات الثانوية حيث تهدد واشنطن الشركات الأجنبية التي تتعامل مع إيران.

ثالثاً: التكنولوجيا إيران تحتاج إلى تقنيات متقدمة في الطيران والصناعة، والرقائق، والآلات، والبرمجيات.

رابعاً: النقل والتأمين حيث يمكن للعقوبات أن ترفع تكلفة الشحن والتأمين بصورة كبيرة.

خامساً: القدرة على التنسيق الدولي حيث تستطيع الولايات المتحدة استخدام نفوذها لدى الحلفاء والدول الخليجية والدول الأوروبية وشبكات النظام المالي العالمي.

وتكشف الإجراءات الأميركية ضد شركات ومؤسسات مرتبطة بشركة طيران “ماهان إير” مثالاً واضحاً على استراتيجية استهداف الشبكة بدلاً من الشركة وحدها. ففي تموز/يوليو 2026 استهدفت الخزانة الأميركية شركات وأفراداً في عدة دول، وقالت إنهم يقدّمون خدمات تجارية ولوجستية لماهان إير.

وتتهم واشنطن بعض الشركات بتسهيل شراء أو نقل ثلاث طائرات Boeing 777 إلى ماهان إير عبر الإمارات وسلطنة عُمان، ونقل قطع طائرات مسيرة ومعدات صناعية وقطع طائرات أميركية الصنع.

تكتسب العقوبات على الطيران أهمية اقتصادية خاصة فقطاع الطيران الإيراني يعاني منذ عقود من صعوبة الحصول على الطائرات وقطع الغيار والتكنولوجيا والتأمين والخدمات الفنية.

سادساً: الذهب والعملات المشفرة

إن إدخال الذهب والأصول الرقمية في استراتيجية العقوبات يكشف أن واشنطن فهمت أن إيران تحاول تطوير بدائل عن النظام المالي التقليدي. وقد أعلنت الخزانة الأميركية في آب/أغسطس استهداف منصات أصول رقمية قالت إنها تستخدم في غسل الأموال المرتبطة بإيران. كما سبق أن استهدفت شبكة مالية مرتبطة بالسيد بابك زنجاني شملت خدمات مالية وذهباً وأصولاً رقمية وشركات متعددة الجنسيات.

أما الذهب، فمشكلته الأساسية هي أن شراءه يحتاج إلى سيولة، ونقله يحتاج إلى شبكات ومخاطر، كما أن الأسواق الرئيسية للذهب تخضع هي الأخرى لنظم رقابة. وبالتالي فإن هذه الأدوات تستطيع تخفيف الضغط، لكنها لا تستطيع وحدها بناء نظام مالي بديل كامل.

سابعاً: تجفيف مصادر التمويل لحلفاء إيران

الحصار الاقتصادي ينعكس على إيران أيضا من خلال الحصار على حلفائها في المنطقة، حيث يعاني حلفاء إيران في المنطقة من ضغوط مالية متزايدة بفعل العقوبات الأميركية التي تعرقل قدرة طهران على تحويل الأموال. وتشير وزارة الخزانة الأميركية إلى أن العقوبات استهدفت بصورة مباشرة شبكات تحويل الأموال والصرافة المرتبطة بحزب الله في لبنان، فيما تؤكد أن إيران تبقى مصدراً رئيسياً لتمويله.  وتقول واشنطن إنها عطّلت شبكات جمعت أو حوّلت أكثر من 100 مليون دولار لصالح الحزب، فيما استهدفت شبكات أخرى لنقل مئات ملايين الدولارات نقداً.  كما طالت الإجراءات قنوات يُتهم بعضها بنقل الأموال من إيران إلى حماس في غزة، ما ضيّق هامش الحركة أمام شبكات التمويل المرتبطة بطهران.  لكن هذه الضغوط لا تعني قطع التمويل بالكامل، إذ ما زالت شبكات الصرافة والاقتصاد النقدي والأنشطة التجارية توفر بدائل لتجاوز العقوبات.

ما هي نقاط الضعف الأميركية؟

1-الطاقة

كلما شددت الولايات المتحدة الحصار على إيران، زادت أهمية سوق النفط. وإذا أدى الحصار إلى انخفاض صادرات إيران، لكن في الوقت نفسه تسبب في ارتفاع عالمي كبير في الأسعار، فقد تستعيد إيران جزءاً من خسارتها من خلال السعر. فإذا انخفضت الكمية بنسبة معينة وارتفع السعر بنسبة أكبر، فإن الإيرادات لا تنخفض بالضرورة بالمقدار نفسه.

والأهم أن ارتفاع النفط يضغط على الاقتصاد الأميركي والغربي وتمنع إيران من خلال مضيق هرمز تصدير النفط الخليجي ايضا. وقد أصبحت هذه المخاطر أكثر وضوحاً في أيلول/سبتمبر 2026، مع وصول برنت إلى نحو 107 دولار وارتفاع تقديرات BofA إلى 95–120 دولاراً في سيناريو استمرار اضطرابات الإمداد، وإلى مستويات أعلى في السيناريوهات الأشد.

2-وول ستريت

إن وصول مؤشر CAPE إلى مستويات تاريخية مرتفعة، وهو مرتبط بمخاطر فقاعة جديدة شبيهة بفقاعة الإنترنت، فالبيانات المتاحة في أيلول/سبتمبر 2026 تؤكد أن مؤشر Shiller CAPE كان عند نحو 41 في آب/سبتمبر، أي ضمن مستويات تاريخية مرتفعة جداً. إن ارتفاع أسعار الأصول، بالتزامن مع صدمة نفطية وارتفاع التضخم، يمكن أن يخلق معضلة للسياسة النقدية الأميركية.

3- مشكلة تعدد الجبهات

ثمة نقطة استراتيجية شديدة الأهمية تكمن في قدرة الولايات المتحدة على إدارة عدة أزمات في الوقت نفسه. فواشنطن تواجه إيران وروسيا في أوكرانيا والصين، وأمن الخليج، أسواق الطاقة، أوروبا، والالتزامات العسكرية العالمية. ولا يعني هذا أن الولايات المتحدة غير قادرة على إدارة أكثر من جبهة، لكنها تواجه تكاليف كبيرة وتحديات جمة.

4-الصين تحد استراتيجي للحصار

موقف الصين يعدّ مؤشرا أساسيا في مدى تأثير العقوبات على إيران لا سيما ان الصين تشتري نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية، وأن المصافي الصينية الصغيرة تمثل الجزء الأكبر من هذا الطلب. وقد أظهرت بيانات نقلتها رويترز أن الصين استوعبت أكثر من 80% من صادرات النفط الإيرانية في عام 2025، بما يعادل نحو 1.38 مليون برميل يومياً، وهو ما مثّل نحو 13.4% من واردات الصين البحرية من النفط الخام. وكانت المصافي المستقلة الصينية، المعروفة باسم «تي بوتس»، هي المشتري الرئيسي، في حين تجنبت شركات النفط الصينية الحكومية الكبرى شراء النفط الإيراني على نطاق واسع منذ 2018–2019 بسبب مخاطر العقوبات الأميركية. كما تعتمد التجارة بين البلدين بدرجة متزايدة على اليوان بدلاً من الدولار، وعلى صيغة “النفط مقابل السلع والخدمات” وهذا النموذج يقلل من فاعلية العقوبات الثانوية.

إيران تحتاج إلى السلع الصينية، والصين تحتاج إلى النفط الإيراني. وبالتالي توجد مصلحة تجارية متبادلة يمكنها أن تستمر حتى في ظل انخفاض التعامل بالدولار لكن الصين ليست محصنة بالكامل.

وكشفت تقارير حديثة أن إيران تستخدم ترتيبات شبيهة بالمقايضة لتحويل جزء من عائدات النفط إلى أرصدة لشراء السلع الصينية، بما يسمح بتجاوز أجزاء من النظام المصرفي التقليدي. ووفق تحقيق لرويترز، وفرّت هذه الآلية شرياناً مالياً مهماً لطهران، في الوقت الذي تحصل فيه الصين على النفط الإيراني بأسعار مخفضة.

الشركات الصينية الكبرى التي تمتلك مصالح ضخمة في الولايات المتحدة قد تكون أكثر حذراً من الشركات الصغيرة والمصافي المستقلة. وهذا يخلق انقساماً داخل الاقتصاد الصيني نفسه بين الشركات المرتبطة بقوة بالسوق الأميركية، والشركات الأقل اعتماداً على الولايات المتحدة، والمصافي الصغيرة، والبنوك الإقليمية، والوسطاء.

لهذا واشنطن لا تحتاج إلى إقناع الصين كلها بالانصياع، بل يكفي جعل تكلفة التعاون مع إيران مرتفعة بما يكفي بالنسبة إلى عدد كبير من الشركات الصينية حتى تمتنع عن التعامل التجاري مع إيران. لكن إذا توسعت العقوبات الثانوية بصورة مفرطة، يمكن أن تدفع الصين إلى تسريع بناء أنظمة دفع بديلة، وزيادة استخدام اليوان في التجارة، وتطوير شبكات تسوية لا تمر بالدولار.

إن أهمية الصين لا تكمن فقط في كونها مشترياً للنفط الإيراني، بل تمثل بديلاً مؤسسياً جزئياً للنظام الغربي. فكلما اتسعت التجارة الإيرانية مع الصين باستخدام اليوان، وكلما توسعت ترتيبات المقايضة والتسوية الثنائية، وكلما تطورت البنوك والشبكات التجارية البديلة، أصبحت العقوبات الأميركية أقل قدرة على احتكار الوصول إلى التجارة الدولية.

لكن ثمة مشكلة عالقة هي أن الشركات الصينية تواجه عوائق تنفيذية ومشاكل بيروقراطية داخل إيران بسبب تعدد المؤسسات. بالإضافة الى غموض بشأن مستقبل المواجهة في مضيق هرمز وتأثيره على حركة التجارة الصينية في المنطقة.

تحتاج واشنطن إلى الصين لنجاح الحصار النفطي لكن الضغط على الصين يمكن أن يؤدي إلى صراع اقتصادي أميركي–صيني أوسع وهنا تجد واشنطن نفسها أمام معادلة صعبة إذا ضغطت على الصين كثيراً فهي تخاطر بتدويل الصراع، وإذا ضغطت قليلاً تبقى إيران قادرة على تصدير جزء مهم من نفطها. ولهذا فإن الصين ليست مجرد «ثغرة» في الحصار؛ إنما تحد استراتيجي لقدرة واشنطن على التصعيد.

5- روسيا وبحر قزوين

ثمة مشكلة بالغة الدلالة على وجود مشكلة في التعون الروسي الإيراني وهو الاتفاق الائتماني الروسي بقيمة 20 مليار دولار لاستيراد السلع الأساسية، ولم يُنفذ منه، وفق التصريحات الإيرانية والروسية، سوى نحو مليار دولار، فيما توجد نحو 2.5 مليار دولار من الموارد الإيرانية في روسيا. هذه الحالة تكشف الهوة بين المستوى السياسي والمستوى الاقتصادي وأن العلاقات الاقتصادية بين طهران وموسكو لم ترق الى المستوى السياسي القائم بينهما.
مع ذلك أظهرت موسكو اهتماما بتزويد إيران بالسلع والحاجيات الأساسية عبر بحر قزوين الذي تسيطر عليه. وهي التي رفضت بشدة الحصار الأميركي الجديد على طهران.

6-مضيق هرمز: معادلة الألم المتبادل

تعلن الجمهورية الإسلامية مبدأ العقوبات مقابل العقوبات، والحصار مقابل الحصار، والحرب الاقتصادية مقابل الحرب الاقتصادية، مع اعتبار مضيق هرمز أحد عناصر الردع الاقتصادي الإيراني. وفي علم الاقتصاد السياسي، هذه المعادلة تعني الانتقال من الرد على العقوبات إلى رفع الكلفة على الخصم. إذا كانت واشنطن تفرض على إيران خسارة اقتصادية، فإن إيران تحاول جعل تنفيذ العقوبات نفسها مكلفاً على واشنطن وحلفائها. وهنا يصبح الهدف ليس «كسر الحصار» بالضرورة، بل منع الحصار من أن يصبح الوضع الطبيعي الجديد. وهذه نقطة استراتيجية شديدة الأهمية وناجعة الى حد كبير.

تحاول واشنطن تصوير المنطقة باعتبارها أمام معسكرين: إيران والصين من جهة، والولايات المتحدة وحلفاؤها من جهة أخرى، بهدف التأثير في خيارات دول مجلس التعاون الخليجي. لكن الاقتصاد الخليجي نفسه مرتبط بالصين ارتباطاً عميقاً في التجارة والطاقة والاستثمار. ولهذا فإن تحويل الصراع مع إيران إلى مواجهة شاملة مع الصين يضع دول الخليج أمام معادلة صعبة فهي تحتاج إلى المظلة الأمنية الأميركية، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى الصين اقتصادياً.

«تصفير» صادرات النفط الإيرانية!

نظرياً تستطيع واشنطن خفض الصادرات بدرجة كبيرة. لكن التصفير الكامل أكثر صعوبة. والتجربة السابقة تثبت ذلك فالنفط يمكن أن يتحرك عبر طرق عديدة أهمها: شركات وسيطة، أساطيل ظل، تغيير أعلام السفن، إعادة تحميل، تغيير وثائق المنشأ، شبكات تأمين بديلة، شركات تجارية صغيرة، مصافٍ مستقلة، وتسويات بعملات غير الدولار.

وقد أظهرت الخزانة الأميركية نفسها أنها تنظر إلى هذه الشبكات باعتبارها تحدياً مستمراً؛ فهي تستهدف شبكات الشحن والتمويل والوسطاء في دول متعددة، وليس إيران وحدها. وهذا يعني أن واشنطن يمكن أن تجعل صادرات إيران أكثر تكلفة وأقل كفاءة، لكنها تواجه صعوبة أكبر في جعلها صفراً.

ويأتي موقف رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف في هذا الإطار ليقدّم التصور الإيراني لمعادلة التصفير. ففي 1 أيلول/سبتمبر، نُقل عنه في وسائل الإعلام الإيرانية قوله” إذا أراد العدو ألا نُصدّر النفط من الخليج الفارسي، فلن يتمكن أحد من تصدير النفط”. وتكتسب تصريحات قاليباف أهمية إضافية لأنها تربط بين الجبهة الاقتصادية والجبهة العسكرية بصورة صريحة وعلنية.

لماذا تفشل استراتيجية «الاختناق الكامل»؟

لأن الاقتصاد الإيراني ليس اقتصاد دولة صغيرة تعتمد على منفذ واحد فهناك سوق محلية كبيرة، إنتاج زراعي وصناعي، علاقات مع الصين، علاقات مع روسيا، حدود برية وبحرية مع عدة دول، بحر قزوين، ممرات برية، خبرة طويلة في الالتفاف على العقوبات، نظام مالي محلي واسع، موارد نفط وغاز، قاعدة بشرية وصناعية كبيرة، اقتصاد مقاوم. كل هذه العناصر لا تمنع الضرر، لكنها تقلل منه وتمنع الاختناق والانهيار.

وثمة تقدير إيراني يشير بأن احتياطيات المواد الغذائية والسلع الأساسية تكفي لفترة من الأشهر، وأن وضع الذهب والعملات الأجنبية متماسك، وأن عائدات النفط التي أمكن تحصيلها عبر البحر خلال الشهرين الماضيين (بقيمة 27 مليار دولار أميركي) ساعدت على تأمين الاحتياجات حتى نهاية السنة.

الوقت لصالح مَن أمريكا أم إيران؟

لا يدور الصراع بين أمريكا وإيران حول حجم العقوبات، بل حول مَن يصل إلى حدود التحمل ومَن يصرخ أولا، وهذه من أهم الاستنتاجات، فالولايات المتحدة تراهن على أن إيران ستصل إلى نقطة يصبح فيها الضغط الاقتصادي والسياسي والاجتماعي أكبر من قدرة الدولة على التحمل. لكن إيران تراهن على أن كلفة الضغط ستنتقل تدريجياً إلى الاقتصاد الأميركي والغربي عبر النفط، والتضخم، وأسعار الفائدة، وسلاسل التوريد.

فإذا تمكّنت إيران من الصمود12 أو 18 أو 24 شهراً، وفق خبراء اقتصاديين إيرانيين بينما ترتفع تكلفة النفط وتتعقد الجبهة الدولية، فقد تتغير حسابات واشنطن. لهذا فإن السيناريو الأكثر واقعية على المدى القصير هو تأثير العقوبات في الاقتصاد الإيراني، ولكن لن يؤدي بالضرورة لا الى انهيار اقتصاد إيران ولا تقديم طهران تنازلات سياسية. لا سيما مع استمرار إغلاق إيران لمضيق هرمز الاستراتيجي وقريبا باب المندب الذي بات تحت سيطرة حلفائها في اليمن وترجيحات بارتفاع أسعار النفط الى أكثر إلى مستويات 120 دولاراً أو أكثر.

وفي السياق، لوّحت طهران باستخدام القوة العسكرية كأداة للردع والضغط، وهو ما عبّر عنه أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي بالتهديد بتوسيع القيود على الملاحة في مضيق هرمز “اضربوا أصولنا، وستُضرب أصولكم”. وقال في 23 آب/أغسطس” أي دولة تشارك في فرض قيود اقتصادية علينا ستُعتبر عدواً”، محذراً من “رد زلزالي”، كما وجّه تحذيراً إلى دول المنطقة قائلاً إن مشاركة هذه الدول في الحرب الاقتصادية الأميركية قد تعني أنه “لن تخرج حتى قطرة نفط” من منطقة الخليج، بما في ذلك عبر طرق التصدير البديلة بعيداً عن مضيق هرمز.

لم يبقَ الأمر في إطار التهديد، إذ أعلنت إيران عن منطقة بحرية محظورة ستُدرج السفن التي تدخلها على قوائم العقوبات، بالتزامن مع فرض قيود على بعض مسارات الملاحة.

خلاصة واستنتاج

إن المشكلة الأساسية في تقييم الحصار الأميركي الجديد على إيران هي الخلط بين القدرة على إلحاق الضرر والقدرة على فرض النتيجة السياسية. فالولايات المتحدة تملك بالفعل أدوات استثنائية تجعلها قادرة على رفع تكلفة التجارة الإيرانية بصورة كبيرة. والحملة الجديدة أكثر اتساعاً من سابقاتها لأنها لا تستهدف القطاعات الإيرانية وحدها، بل تستهدف البنية الخارجية التي تسمح للاقتصاد الإيراني بالعمل. وهذا ما يفسر إدخال الأصول الرقمية والتكنولوجيا والذهب والطيران والشحن في نطاق الاستهداف الجديد. لكن القوة الأميركية تصطدم بثلاثة حدود رئيسية هي الصين، الجغرافيا الإيرانية، وسوق الطاقة.

فإذا أدى الضغط إلى تعطيل جزء كبير من تدفقات النفط، فإن واشنطن قد تحقق هدفاً تجاه إيران، لكنها تخلق في الوقت نفسه صدمة في سوق الطاقة العالمي. أما إيران، فإنها لا تملك القدرة على تجاهل العقوبات أو الادعاء بأن الاقتصاد لم يتأثر. فارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وضغط سعر الصرف وصعوبة الوصول إلى التكنولوجيا والاستثمار والتمويل الخارجي تمثل نقاط ضعف حقيقية.

لكن إيران في المقابل بنت خلال سنوات العقوبات اقتصاداً مقاوماً أكثر قدرة على التكيف مع العزل الجزئي، والأهم أن الحكومة الإيرانية تحاول، وفق برنامجها المعلن، الانتقال من الدفاع إلى الإدارة الاستباقية للصدمة. فبرنامج العامين ذي المحاور السبعة، يهدف إلى التقليل من آثار العقوبات على الاقتصاد الداخلي.

لهذا يمكن القول أن الصين تمثل الحلقة المفصلية، ومضيق هرمز يمثل الحلقة الجيوسياسية، وسعر الصرف يمثل الحلقة الاجتماعية، والنفط يمثل الحلقة العالمية.

والسؤال الحاسم هو: هل تستطيع واشنطن جعل تكلفة استمرار الاقتصاد الإيراني أعلى من قدرة إيران على التحمل السياسي والاجتماعي، قبل أن تصبح تكلفة حصار إيران أعلى على الاقتصاد الأميركي وحلفائه من الفائدة الاستراتيجية التي يسعى إليها؟

لكن ما تكشفه تجربة السنوات السابقة، وما يظهر من بنية الحصار الجديد، هو أن الاقتصاد الإيراني أصبح أكثر قدرة على مقاومة الصدمات مما كان عليه في بدايات العقوبات، في حين أصبحت كلفة الضغط على إيران أكثر ارتباطاً بسوق الطاقة والصين والجغرافيا الإقليمية. وهذا يعني أن استراتيجية «الخنق الاقتصادي الكامل» تواجه مشكلة بنيوية: كلما اقتربت واشنطن من إغلاق منافذ إيران، اقتربت في الوقت نفسه من رفع تكلفة الإغلاق على النظام الاقتصادي الدولي الذي تقوده.

والخلاصة الأكثر دقة في لغة علم الاقتصاد السياسي هي أن واشنطن انتقلت من سياسة العقوبة إلى سياسة الإكراه الاقتصادي المرّكب، بينما تنتقل إيران من سياسة التكيف مع العقوبات إلى محاولة بناء ردع اقتصادي. وبين الاستراتيجيتين تتشكل معركة طويلة لا يكون فيها النصر لمن يفرض أكبر عدد من القيود، بل لمن يستطيع تحمل كلفة اللعبة لفترة أطول، ونقل جزء أكبر من تكلفتها إلى الطرف الآخر.

حينئذ لن يكون أمام الطرفين سوى العودة الى المفاوضات، ما يعني أن الطرفين وصلا إلى استنتاج أن كلفة الاستمرار أعلى من كلفة التسوية لكن ذلك يحتاج إلى تغير في معادلة القوة، فإيران تحتاج إلى إثبات أن الحصار لا يؤدي إلى الانهيار، والولايات المتحدة تحتاج إلى إثبات أن التعنت الإيراني ليس بلا تكلفة.

هذا هو الفارق بين “فعالية العقوبة” و”فعالية الإكراه” لا سيما إذا تعرفنا أكثر على ماهية الشعب الإيراني وعلاقته مع قيادته، وان الإيرانيين منذ نحو 190 يوما متواجدين في الساحات والميادين دعماً لحكومتهم وقيادتهم ويطالبونها الاستمرار في الحرب وعدم الرضوخ والاستسلام، بل عدم الذهاب الى مفاوضات عبثية مع الأميركيين. هنا العامل الديني الثقافي يساهم بقوة في مواجهة آثار العقوبات، والتقليل من مخاطر الحصار الأميركي الجديد.



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع “wakalanews”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى