صحافة

تقنين القتل: قراءة في السياق التاريخي والسياسي لقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين

تقنين القتل

لم يأتِ قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، الذي أقرّه الكنيست بقراءته النهائية في 30 آذار/ مارس 2026 بأغلبية 62 نائباً مقابل 48، حدثاً طارئاً على المنظومة التشريعية الإسرائيلية، بل جاء تتويجاً لمسار طويل من القوانين التي استهدفت الحركة الأسيرة، من التغذية القسرية ومنع الزيارات إلى احتجاز جثامين الشهداء. فالاحتلال الذي ورث أنظمة الطوارئ البريطانية لسنة 1945 وأعاد إنتاجها بأسوأ صورها، لم يكن يوماً بحاجة إلى نصٍّ كي يقتل؛ إذ مارس الإعدام ميدانياً على الحواجز، وبطيئاً داخل الزنازين عبر التعذيب والإهمال الطبي المتعمّد والتجويع، حتى بلغ عدد شهداء الحركة الأسيرة نحو 328 أسيراً، بينهم 91 بعد السابع من أكتوبر. الجديد إذاً ليس القتل، بل الانتقال به من الممارسة إلى التشريع، ومن أوامر الجيش والشرطة إلى قانونٍ نافذٍ لا يستوجب تبريراً داخلياً ولا خارجياً.

يكشف القانون عن ذروة التحول في البنية السياسية الإسرائيلية نحو اليمين الديني القومي، وعن مجتمعٍ لم يعد يرى في الإعدام استثناءً بل “ضرورة قومية”. وقد تحوّل على يد إيتمار بن غفير إلى بندٍ ائتلافي وورقةٍ انتخابية، فيما وجد فيه نتنياهو أداةً لتماسك حكومته وامتصاص غضب قاعدتها. أما صياغته فتفضح وظيفته: يُطبَّق على الفلسطيني في الضفة الغربية وداخل الخط الأخضر، ويستثني اليهودي الذي يقتل فلسطينياً، ويحرم المحكوم من العفو والتخفيف، ويكتفي بأغلبية القضاة بدل إجماعهم. ثم استُكمل في أيار/ مايو 2026 بمحكمة عسكرية خاصة لأسرى “النخبة”، تُعفى من قواعد الأدلة والإثبات وتُبثّ جلساتها على الهواء.

وتتجاوز غاية القانون حدود العقاب إلى ما هو أبعد: نزع صفة المقاوم عن الأسير وتحويله إلى “عدو مطلق”، وتجفيف صفقات التبادل التي حرّرت أكثر من ثمانية آلاف أسير منذ 1968، بتصفية من يمكن أن يُفاوَض عليهم قبل أن يصبحوا ثقلاً على المفاوض الإسرائيلي. بذلك يغدو السجن مساراً مغلقاً نحو الموت، ويغدو القضاء نفسه أداة انتقام سياسي تُقونن الفصل العنصري وتمنحه غطاءً قضائياً، في خرقٍ صريح لاتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.

في هذا الإطار، تناولت ورقة علميّة جديدة أصدرها مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات بعنوان “القانون الإسرائيلي بإعدام الأسرى الفلسطينيين: قراءة في السياق التاريخي والسياسي”، أعدّتها الدكتورة إلهام جبر شمالي، قانون الإعدام الإسرائيلي بحق الأسرى الفلسطينيين في سياقه السياسي والاجتماعي والقانوني، وعلاقته بسلسلة القوانين والتشريعات الإسرائيلية التي استهدفت الشعب الفلسطيني والحركة الأسيرة الفلسطينية، وصولاً إلى إقرار قانون الإعدام سنة 2026.

وتناقش الورقة الجانب القانوني الدولي لقانون الإعدام، وترى أنه يشكل خرقاً لقواعد القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، ويتعارض مع ضمانات المحاكمة العادلة ومع العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية. كما تشير إلى أنّ تطبيق عقوبة الإعدام على الأسرى، وفق ما تطرحه الدراسة، يمثل جريمة حرب، بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجناية الدولية، ويمنح المحكمة ولاية قضائية للنظر في هذه الانتهاكات ومساءلة المسؤولين.

وتخلص الورقة إلى أن هذه القوانين حوّلت القضاء الإسرائيلي إلى أداة للانتقام، وقوّضت ضمانات المحاكمات العادلة، وأنّ قانون الإعدام جاء ضمن سياق تشريعات وسياسات إسرائيلية أخرى متعلّقة بالأسرى، منها قانون المقاتل غير الشرعي، وقانون شاليط، وسياسة الاعتقال الإداري.

وتشير نتائج الدراسة إلى أنّ خطورة القانون تكمن في توقيته وسياقه، وترى أنه أدى إلى شرعنة القتل المتعمد داخل السجون الإسرائيلية عبر الإهمال الطبي والتعذيب والتجويع، كما تؤكد ضرورة تدويل كل حكم إعدام يصدر بحق أي أسير فلسطيني، وتحويله إلى حالة من الضغط الدولي المستمر على “إسرائيل”. وترى الدراسة أنّ تسريع إقرار القانون يكشف اتجاهاً نحو شرعنة الإبادة قانونياً، وأنّ القانون لم يأتِ بجديد بقدر ما أحدث تحولاً قانونياً ورسّخ تشريعاً لجريمة القتل داخل السجون القائمة منذ سنوات عبر سياسات الإهمال الطبي والتعذيب والتجويع.

وتدعو الدراسة في نتائجها إلى موقف حازم من المؤسسات الدولية والإنسانية، والعمل على تصنيف القانون كجريمة ضد الإنسانية، وملاحقة ومتابعة القادة السياسيين والعسكريين الإسرائيليين في المحافل الدولية، من خلال المحكمة الجنائية الدولية ولجنة التحقيق التابعة لهيئة الأمم المتحدة.

لتحميل الدراسة من هنا


المصدر الأصلي: alkhanadeq.com

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى