عاجل عاجل | تظهر البيانات أن الطلب على البيرة يتعثر مع ارتفاع أسعار الغاز
صحافة

عاجل | “أسبوعان للوصول إلى قنبلة إيرانية”: الكذبة الكبرى لراية الحرب الزائفة

🚨 عاجل
📌 ملخص الخبر:
عاجل | "أسبوعان للوصول إلى قنبلة إيرانية": الكذبة الكبرى لراية الحرب الزائفة

يصف النائب الأمريكي السابق ديفيد ستوكمان، في هذا المأوضح الذي ترجمه موقع الخنادق الالكتروني، الادعاء الأمريكي الإسرائيلي القائل بأن مخزون إيران من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60% (HEU) يعادل امتلاك سلاح نووي خلال أسابيع، بأنه فكرة وكذبة خبيثة بكل معنى الكلمة، وبـ "الراية الزائفة الكبرى". مشيراً الى أن هذا التضليل الفجّ زائف بالكامل ومضلِّل على نحو خطير، إلى درجة تستوجب تفنيده بالكامل ومن جذوره. كاشفاً بأن أجهزة الاستخبارات الأمريكية تدرك هذا الأمر، وقد صرّحته مرات عديدة. لذلك وصف ستوكمان العدوان الصهيوأمريكي على إيران بأنه "أكثر الحروب تهوراً وغباءً وانعداماً للتبرير في التاريخ الأميركي"، لأنه لم يكن هناك أي تغيير على المستوى الاستخباري. مبيّناً بالتفنيد العلمي، الفروق الواضحة بين مسار تخصيب اليورانيوم حتى لو بنسب عالية (60% و90%) وبين المسار الحقيقي لصنع سلاح نووي. مستنتجاً بأن بنيامين نتنياهو وشبكته من المحافظين الجدد في واشنطن حوّلوا هذه الحقائق التقنية العادية إلى "كذبة جيوسياسية كبرى"، عبر الادعاء بأن تشغيل منشآت تخصيب اليورانيوم يعني حكماً السعي إلى إنتاج قنبلة نووية.

ووفقاً لستوكمان، فإن إيران طوال السنوات الخمس عشرة الماضية لم تكن مقيّدة بأي عائق تقني أو علمي أو هندسي أو مرتبط بالمعدات أو الكلفة يمنعها من تجميع عدد كافٍ من أجهزة الطرد المركزي لإنتاج مواد مخصّبة بدرجة صالحة لصنع قنبلة نووية. لكنها، رغم ذلك، لم تنتج لا مواد بنسبة 90% ولا قنبلة فعلية ــ بدائية كانت أم متطورة ــ لأن سياستها كانت تقوم على عدم السعي إلى امتلاك أسلحة نووية.

النص المترجم:

إن الفكرة التي يجري تكرارها بلا توقف اليوم، والقائلة إن مخزون إيران من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60% (HEU) يعادل امتلاك سلاح نووي خلال أسابيع، هي فكرة خبيثة بكل معنى الكلمة. وفي الواقع، فإن هذا التضليل الفجّ زائف بالكامل ومضلِّل على نحو خطير، إلى درجة تستوجب تفنيده بالكامل ومن جذوره.

لنبدأ إذاً بادعاء معسكر الحرب القديم، القائل إن نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60% التي كانت تمتلكها إيران حتى أيار/مايو 2025، بحسب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كان يمكن تحويلها إلى مستويات صالحة للاستخدام العسكري (90% أو أكثر) خلال بضعة أيام أو أسابيع باستخدام سلاسل أجهزة الطرد المركزي الموجودة.

ثم، ووفق هذه الرواية، "فجأة" تصبح إيران مالكة لعشر قنابل نووية.

لكن الحقيقة هي أنها لم تكن ستمتلك أي قنبلة نووية على الإطلاق. ولا حتى بشكل قريب.

والسبب أن إنتاج المادة الانشطارية ليس سوى الخطوة الأولى ــ وفي نواحٍ كثيرة الأسهل ــ على الطريق الطويل نحو إنتاج سلاح نووي موثوق وقابل للاستخدام العسكري. فإذا كان بناء السلاح النووي يشبه رحلة شاقة بطول 20 ميلاً عبر تضاريس وعرة، فإن امتلاك يورانيوم مخصّب بنسبة 60% لا يوصلك إلا ربما إلى "الميل الأول" من الرحلة.

وبصورة مجازية، تكون قد تجاوزت فقط التلال الأولى الخاصة بعملية فصل نظائر اليورانيوم. أما الأميال التسعة عشر المتبقية، فهي مليئة بوديان هندسية مجهولة، ومنحدرات تصنيع تقنية هائلة، وقمة نهائية لم تتمكن أي دولة من بلوغها من دون تجارب واسعة وأخطاء متكررة وإثباتات عملية تؤكد امتلاك القدرة الفعلية على تسليح التفاعل النووي وتحويله إلى قنبلة.

في الواقع، فإن هذا التمييز الحاسم بين إنتاج المادة الانشطارية وبناء سلاح نووي فعلي، كان في صلب تقديرات الاستخبارات الوطنية الأميركية (NIEs) طوال ما يقارب العقدين. فمنذ تقرير عام 2007 حول الملف الإيراني، وصولاً إلى شهادة مديرة الاستخبارات الوطنية الأميركية تولسي غابارد أمام الكونغرس الأميركي في آذار/مارس 2025، شدّدت الأجهزة الاستخبارية قدرة إيران على تخصيب اليورانيوم، لكنها أشارت أيضاً إلى غياب أي نشاط أو قدرة لديها فيما يتعلق بتسليح القنبلة النووية.

بل إن هذا الأمر هو أيضاً جوهر الحقيقة التي كان يتحدث عنها جو كينت منذ أن أطاح بموقعه داخل "الدولة العميقة" الأسبوع الماضي. وحتى في 28 شباط/فبراير، عندما أطلق دونالد ترامب أكثر الحروب تهوراً وغباءً وانعداماً للتبرير في التاريخ الأميركي، لم يكن هناك أي تغيير على المستوى الاستخباري. وبالتالي، حتى عندما بدأت القنابل والصواريخ تتساقط على طهران، لم تكن إيران قد اقتربت أساساً من سدّ الهوة الهائلة بين تخصيب اليورانيوم إلى مستويات مرتفعة من نقاء U-235، وبين تحويل ذلك إلى سلاح نووي فعلي.

ولفهم سبب عدم كفاية التخصيب وحده للوصول إلى السلاح النووي، يجب التمييز بوضوح بين العمليتين. فتخصيب اليورانيوم هو ببساطة عملية فصل نظائر U-235 عن نظائر U-238 الموجودة في خام اليورانيوم الطبيعي. وهذا الخام المختلط بالنظائر يُعرف باسم "الكعكة الصفراء"، ويجري تحويله كيميائياً داخل منشأة خاصة إلى "سداسي فلوريد اليورانيوم" (UF6)، وهو مركّب أبيض بلوري في درجة حرارة الغرفة.

بعد ذلك تُرسل الأسطوانات الحاوية على هذه المادة إلى منشآت التخصيب، حيث يتم تسخينها لتحويلها إلى غاز، ثم يُضخ الغاز داخل دوّارات تدور بسرعات هائلة تتراوح بين 50 ألفاً و70 ألف دورة في الدقيقة. وداخل هذه الدوّارات، تدفع القوة الطاردة المركزية الجزيئات الأثقل التي تحتوي على U-238 نحو الجدار الخارجي، بينما تتركز جزيئات U-235 الأخف قرب المركز.

وهذه العملية ضرورية جداً لأن اليورانيوم الطبيعي يحتوي فقط على 0.7% من نظير U-235 اللازم لصناعة القنبلة، فيما تشكل نظائر U-238 غير المفيدة نسبة 99.3%.

ولذلك، فإن كل جهاز طرد مركزي يحتوي على أنظمة لالتقاط تيارين منفصلين: الأول هو غاز مخصّب يحتوي نسبة أعلى قليلاً من U-235، والثاني غاز منخفض التخصيب يحتوي نسبة أكبر من U-238 غير المفيد. لكن المهم أن كل مرور واحد عبر جهاز الطرد لا يرفع نسبة التخصيب إلا بشكل طفيف جداً، يتراوح عادة بين 0.1% و0.5%.

ولهذا السبب، يحتاج الوصول من نسبة 0.7% الطبيعية إلى نسبة 3.67% الخاصة بالمفاعلات المدنية إلى عدد هائل من عمليات المرور عبر سلسلة ضخمة من أجهزة الطرد المركزي. فكيف إذا كان الهدف هو الوصول إلى 20% للأغراض الطبية، أو إلى 60% كما لدى إيران حالياً، أو إلى 90% اللازمة للأسلحة النووية؟

مع ذلك، فإن نقل الغاز المخصّب عبر سلاسل طويلة من أجهزة الطرد المركزي هو في النهاية جهد ميكانيكي ضخم، وليس تحدياً علمياً متصاعداً. بمعنى آخر، إذا استطعت الوصول إلى نسبة 4% الخاصة بالمفاعلات المدنية، يمكنك من حيث المبدأ الوصول إلى أي مستوى أعلى، بما في ذلك 90%.

ولهذا، فإن أي دولة قادرة على إنتاج وقود نووي للمفاعلات المدنية ــ وهناك عشر دول موقّعة على معاهدة حظر الانتشار تمتلك هذه القدرة ــ تستطيع أيضاً الوصول إلى مستوى 90% إذا قامت ببناء سلسلة طويلة كفاية من أجهزة الطرد المركزي.

ويقاس الجهد المطلوب للتخصيب بما يسمى "وحدات العمل الانفصالي" (SWUs)، وهي مقياس يحدد كمية الطاقة والعمل اللازمة للوصول إلى مستوى تخصيب معين.

فالوصول إلى نسبة 60% انطلاقاً من اليورانيوم الطبيعي يتطلب تقريباً بين 200 و250 وحدة عمل انفصالي لكل كيلوغرام. وبالنسبة إلى مخزون إيران البالغ 400 كيلوغرام، فهذا يعني أنها احتاجت إلى ما بين 80 ألفاً و100 ألف وحدة عمل انفصالي للوصول إلى هذا المخزون.

أما الانتأوضح من 60% إلى 90%، فهو يتطلب عدداً أقل بكثير من الوحدات الإضافية، يتراوح بين 40 و60 وحدة لكل كيلوغرام فقط، أي ما مجموعه بين 16 ألفاً و24 ألف وحدة إضافية.

وبالتالي، فإن أكثر من 85% من العمل المطلوب للوصول إلى مادة صالحة لصنع قنبلة كان قد أُنجز بالفعل بمجرد الوصول إلى مستوى 60%. ولهذا السبب تحديداً، فإن القفزة الأخيرة إلى مستوى 90% يمكن أن تحدث خلال أيام أو أسابيع إذا كان هناك مخزون كبير من مادة الـ60%.

لكن هنا تكمن الخدعة الكبرى في أسطورة "الاندفاع نحو القنبلة". فالمادة الانشطارية ليست قنبلة، حتى لو بلغت نسبة نقائها 90%. كما أن امتلاك أجهزة طرد مركزي أو مواد مخصبة ليس دليلاً بحد ذاته على وجود قدرة أو نية لصنع سلاح نووي.

فهناك اليوم 11 دولة أخرى تمتلك منشآت تخصيب. خمس منها دول نووية معلنة: الصين، فرنسا، روسيا، بريطانيا، والولايات المتحدة. وهناك "إسرائيل" التي تمتلك التخصيب والقنابل لكنها لم تعلن رسمياً. وهناك خمس دول أخرى ــ الأرجنتين، البرازيل، ألمانيا، اليابان، وهولندا ــ لا تمتلك أسلحة نووية، رغم امتلاكها مخزونات كبيرة من المواد المخصبة وقدرتها التقنية على الوصول سريعاً إلى نسبة 90% إذا أرادت ذلك.

والحقيقة أن إيران تشبه هذه الدول الخمس الأخيرة، وقد بدأت تشغيل منشآت التخصيب منذ عام 2006. ثم وصلت إلى نسبة 20% في منشأة نطنز في شباط/فبراير 2010، وفي منشأة فوردو في كانون الأول/ديسمبر 2011. وكانت كل هذه المنشآت خاضعة لتفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فيما كانت مخزونات إيران وأنشطتها معلنة ومتوافقة مع التزاماتها ضمن معاهدة حظر الانتشار النووي.

وبالتالي، فإن ما كان يجري في إيران لم يكن برنامجاً سرياً وغير شرعي لصنع قنبلة، بل مشروعاً شفافاً وخاضعاً للرقابة الدولية لإنتاج الوقود النووي لمحطة بوشهر المدنية.

لكن بنيامين نتنياهو وشبكته من المحافظين الجدد في واشنطن حوّلوا هذه الحقائق التقنية العادية إلى "كذبة جيوسياسية كبرى"، عبر الادعاء بأن تشغيل منشآت تخصيب اليورانيوم يعني حكماً السعي إلى إنتاج قنبلة نووية.

والواقع أن هذا الادعاء ليس سوى هراء كامل، وخدعة لفظية تشبه حيل السحرة.

بل أكثر من ذلك، فلو كان امتلاك قدرة تخصيب واسعة النطاق يعني تلقائياً امتلاك قنبلة، لكانت إيران قد امتلكتها قبل 15 عاماً. لكن الواضح أنها لم تكن تسعى فعلياً إلى تسليح برنامجها النووي، والأهم أن هذا الامتناع كان طوعياً، لأنها لم تكن تواجه أي عوائق تقنية أو اقتصادية تمنعها من رفع مستوى التخصيب إلى 90% بعد وصولها إلى نسبة 20% منذ عام 2010 وما بعده.

وهكذا، فإن جهاز الطرد المركزي هو مجرد جهاز طرد مركزي؛ وكل ما تحتاجه هو الأنابيب والوصلات الكهربائية لربط هذه الأجهزة معاً ضمن سلسلة عمل متكاملة. وبالمثل، فعندما تصبح البنية التحتية الأساسية لعملية التخصيب جاهزة ــ من أنابيب السلاسل، والأنظمة الكهربائية، ومضخات التفريغ، وأنظمة التحكم الإلكترونية، وأعمال التركيب ــ فإن الكلفة الإضافية لإنتاج جهاز طرد مركزي جديد تصبح متواضعة نسبياً. إذ تتراوح بين 25 ألف دولار تقريباً لجهاز "IR-1" القديم والبطيء من الجيل الأول، إلى أكثر من 70 ألف دولار لأحدث أجهزة "IR-6" المتطورة حالياً.

ولتبسيط الصورة بالأرقام، كان بإمكان إيران الحصول على ما يعادل 35 جهاز طرد مركزي إضافياً مقابل كلفة صاروخ كروز واحد من طراز "توماهوك"، لو كانت تشتري هذه المعدات من السوق العالمية، وهو ما تمنعه العقوبات. لكن بما أنها تنتج أجهزة الطرد عبر مورّدين محليين، فمن المرجح أنها كانت تحصل على عدد أكبر حتى من ذلك مقابل ثمن صاروخ "توماهوك" واحد.

وباختصار، فإن إيران طوال معظم السنوات الخمس عشرة الماضية لم تكن مقيّدة بأي عائق تقني أو علمي أو هندسي أو مرتبط بالمعدات أو الكلفة يمنعها من تجميع عدد كافٍ من أجهزة الطرد المركزي لإنتاج مواد مخصّبة بدرجة صالحة لصنع قنبلة نووية. لكنها، رغم ذلك، لم تنتج لا مواد بنسبة 90% ولا قنبلة فعلية ــ بدائية كانت أم متطورة ــ لأن سياستها كانت تقوم على عدم السعي إلى امتلاك أسلحة نووية.

وفوق ذلك، فمن الواضح جداً أن حتى الـ400 كيلوغرام من المواد المخصّبة بنسبة 60% لم تكن مرتبطة إطلاقاً بمحاولة التسلل إلى عتبة إنتاج القنبلة النووية. ومرة أخرى، يجب تذكّر السياق: فبصفتها دولة موقّعة على معاهدة حظر الانتشار النووي (NPT)، ومشغّلة للمفاعل النووي المدني الكبير في بوشهر، كان يُسمح لإيران بمعظم مخزونها الذي صادقت عليه الوكالة الدولية للطاقة الذرية في أيار/مايو 2025، والمتمثل في:

_7582 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصّب بدرجة مخصّصة للمفاعلات المدنية (أقل من 4%).

_1257 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصّب بنسبة 20% والمخصّص للاستخدامات الطبية.

أما ما كان موضع الجدل الحقيقي، فهو فقط 409 كيلوغرامات من المواد المخصّبة بنسبة 60%. لكن من الواضح تماماً لأي شخص لا يبحث عن ذريعة للحرب، أن إيران أنتجت هذه المادة، حتى حزيران/يونيو الماضي، كورقة تفاوضية. أي بهدف التوصل إلى اتفاق نووي جديد مع واشنطن، يحل محل الاتفاق الذي قام دونالد ترامب نفسه بنسفه من جانب واحد عام 2018، وبالتالي فتح الطريق أمام رفع العقوبات الاقتصادية الوحشية والمجنونة التي أعادت واشنطن فرضها على إيران.

إن الدليل على أن هذه المواد كانت مجرد "ورقة تفاوضية" لا يمكن أن يكون أوضح مما يظهره الرسم البياني أدناه. فخلال السنوات العشر التي سبقت الاتفاق النووي لعام 2015 مع إدارة باراك أوباما، رفعت إيران مخزونها من اليورانيوم المخصّب إلى مستوى يقل بقليل فقط عن المستوى الحالي، أي إلى نحو 9000 كيلوغرام. لكن، وبصورة تكاد تكون نسخة مطابقة للوضع الحالي، فإن 96% من هذه الكمية كانت عبارة عن مواد مخصّبة بدرجة وقود مدني تقل عن 4%، فيما كان نحو 350 كيلوغراماً منها مخصّباً بنسبة 20% للاستخدامات الطبية.

بمعنى آخر، فإن الجزء الأكبر من مخزون عام 2015 تم إنتاجه كورقة تفاوضية، وهذا ما كان عليه مصيره بالفعل. فعند دخول الاتفاق النووي (JCPOA) حيّز التنفيذ عام 2015، تم التخلص من كامل المواد المخصّبة بنسبة 20%، وفق ما شدّدته الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وفي الوقت نفسه، جرى أيضاً تخفيض المخزون الإجمالي من المواد المخصّبة بدرجة وقود نووي بنسبة 97%، وصولاً إلى مستويات تشغيلية ضئيلة جداً، بحسب تأكيدات الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وفي النهاية، احتفظت إيران فقط بـ300 كيلوغرام من أصل مخزون بلغ 9000 كيلوغرام. أي بكمية صغيرة للغاية كان يمكن تخزينها بسهولة داخل قبو النبيذ الخاص بدونالد ترامب في منتجع مارالاغو.

لكن عندما ألغى دونالد ترامب الاتفاق بشكل متهور في أيار/مايو 2018، بحجة أنه لا بد أن يكون اتفاقاً سيئاً لأنه لم يكن هو من تفاوض عليه، فإنه لم يفعل سوى دفع الإيرانيين إلى استئناف عملية تكديس المخزون مجدداً، كما يظهر بوضوح في الخط الأخضر في الرسم البياني المذكور.

ومن هنا تأتي المفارقة: فبعد حملة القصف العبثية التي شنّها ترامب في حزيران/يونيو 2025، من المرجح أن إيران بقي لديها ما يقارب 100% من مخزونها البالغ 9248 كيلوغراماً ــ بما في ذلك 409 كيلوغرامات من المواد المخصّبة بنسبة 60% ــ سليماً بالكامل.

ويستند هذا الاستنتاج إلى صور أقمار صناعية تبدو مقنعة إلى حد كبير، تُظهر أن مسرحية ترامب الهواة في "فن الصفقة"، عندما تحدث في حزيران/يونيو عن "مهلة أسبوعين لاتخاذ القرار" قبل تنفيذ الضربات الجوية، أتاحت عملياً للإيرانيين نقل شاحنات إلى منشأتي نطنز وفوردو وإخراج المخزونات إلى مواقع آمنة أخرى.

وبعبارة أخرى، نجح أوباما عبر التفاوض في خفض مخزون إيران من اليورانيوم المخصّب بنسبة تقارب 97%، بينما قام ترامب بقصف مخزون مماثل تقريباً ليبقى بعد القصف... عند نحو 9250 كيلوغراماً أيضاً!

على أي حال، فإن التزام الحكومة الإيرانية بفتوى الإمام الخامنئي التي تحرّم الأسلحة النووية، يتجلى في "الكلب الذي لم ينبح" داخل مجمّع الأنشطة النووية الإيرانية. والمقصود هنا ما يُعرف في الأوساط التقنية باسم "الحزمة الفيزيائية" (Physics Package)، وهي العنصر الحاسم الذي لا غنى عنه لصنع قنبلة نووية قابلة للعمل.

فهذه الأخيرة تتطلب جهازاً مصمماً بدقة هائلة، قادراً على الوصول إلى حالة "الحرج الفائق" (Supercriticality) خلال جزء من مليون جزء من الثانية. وهذا ما يطلق فعلياً التفاعل المتسلسل غير المسيطر عليه.

وعملياً، يعني ذلك أن المادة الانشطارية اليورانيوم المخصّب بنسبة 90% منU-235  يجب أن تُضغط بسرعة وقوة وانتظام شديدين، بحيث يصبح عدد النيوترونات الناتجة عن الانشطار أكبر من عدد النيوترونات المفقودة عبر التسرب أو الامتصاص، ما يؤدي إلى تضاعف التفاعل المتسلسل بشكل أُسّي وانفجاري خارج السيطرة. وكل الانفجار النووي يحدث تقريباً خلال جزء من مليون جزء من الثانية، مطلقاً طاقة تعادل آلاف الأطنان من مادة TNT قبل أن يتمزق الجهاز نفسه بالكامل.

تاريخياً، وُجد تصميمان أساسيان لما يسمى "الحزمة الفيزيائية": الأول هو تصميم "المدفع" الأبسط، والذي استُخدم مرة واحدة فقط في هيروشيما، والثاني هو تصميم "الانفجار الداخلي" (Implosion)، الأكثر كفاءة وتعقيداً، والذي استُخدم في ناغازاكي وفي معظم الأسلحة النووية الحديثة. ووفقاً للاستخبارات الأميركية، فإن إيران لم تُظهر قط إتقاناً لأي من هذين التصميمين ضمن صيغة عملية قابلة للاستخدام العسكري. وهي معلومة يمكن لأي شخص التحقق منها عبر "غروك 4" أو أي نظام ذكاء اصطناعي مشابه.

وعلى أي حال، فإن تصميم "الانفجار الداخلي" الذي تعتمد عليه جميع الدول الساعية إلى الانتشار النووي حتى اليوم، بالغ التعقيد والصعوبة. ويمكن تخيّل هذا التصميم على شكل كرة مجوّفة أو "حفرة" من اليورانيوم المخصّب بدرجة عسكرية، بحجم ثمرة جريب فروت تقريباً، تقع في مركز الجهاز. وتحيط بهذه "الحفرة" طبقة تُعرف باسم "المخمّد/العاكس" (Tamper/Reflector)، ثم تحيط بالطبقة الأخيرة من الخارج قشرة دقيقة التزامن من المتفجرات التقليدية الشديدة الانفجار.

وتُعتبر وظيفة هاتين الطبقتين الخارجيتين، اللتين تغلفان "حفرة" U-235 داخل القنبلة، أساسية لإطلاق الانفجار النووي المتسلسل فعلياً. كما أن تصنيعهما وتجميعهما يتطلبان مستوى هائلاً من الهندسة الفيزيائية والدقة التصنيعية.

في هذا السياق، يُصنع "المخمّد/العاكس" من معدن ثقيل، غالباً من البيريليوم أو اليورانيوم المنضّب، ويتألف من غلاف كروي مُصنّع بدقة، يتراوح سمكه عادة بين 5 و10 سنتيمترات، ويحيط بحفرة اليورانيوم كما تحيط قشرة البيضة بمحتواها. وهو يتموضع مباشرة بين العدسات المتفجرة المثبتة داخل الجدار الخارجي للقنبلة وبين حفرة U-235 الموجودة في المركز.

ويؤدي "المخمّد/العاكس" وظيفتين أساسيتين. أولاً، عندما تنفجر المتفجرات الموجودة في القشرة الخارجية، فإن كتلة هذا الغلاف وقوة قصوره الذاتي تعيقان تمدد الحفرة المتفجرة نحو الخارج لبضعة أجزاء حاسمة من الميكروثانية. وهذا ما "يبقي الحفرة متماسكة" لفترة كافية تسمح بحدوث أجيال إضافية عديدة من الانشطار قبل أن يتمزق الجهاز بالكامل. ومن دون "مخمّد" يعمل بدقة كاملة، فإن الحفرة ستتمدد بسرعة زائدة، وسينطفئ التفاعل المتسلسل قبل أوانه.

أما الوظيفة الثانية، فهي العمل كعاكس للنيوترونات، على غرار اللوحة الخلفية لكرة السلة (Backboard) التي تعيد الكرة إلى السلة. فمادة البيريليوم أو اليورانيوم المنضّب فعالة جداً في عكس النيوترونات الهاربة وإعادتها إلى الحفرة بدلاً من السماح لها بالتسرب. ومن خلال إعادة هذه النيوترونات إلى المادة الانشطارية، ترتفع كفاءة الانفجار بشكل كبير، ما يعني الحاجة إلى كمية أقل من اليورانيوم لتحقيق قوة تفجيرية كاملة.

أما القشرة الخارجية للقنبلة، فتتكون من كرة مصنوعة من الفولاذ أو الألمنيوم أو البلاستيك، وتحتوي على ما يُعرف باسم "العدسات شديدة الانفجار" المثبتة داخل هذه القشرة. وهذه العدسات المتفجرة هي عملياً وسائل الدفع والاشتعال التي تضرب الحفرة المركزية بسرعات وضغوط وانتظام هائل. ولذلك، ولكي تعمل القنبلة بشكل صحيح، يجب تصنيع هذه العدسات بدقة تصل إلى أجزاء من المليمتر.

وتُصنع هذه العدسات الدافعة من نوعين مختلفين من المتفجرات العسكرية التقليدية، يتمتعان بسرعات تفجير مختلفة عمداً. فعادة ما تكون المتفجرات الأسرع قائمة على مادتي HMX وTNT، بينما تكون المتفجرات الأبطأ من نوع "باراتول" (Baratol) ويتم صبّ هذين النوعين وتصنيعهما ضمن أشكال معقدة تشبه العدسات. ويسمح الفرق الدقيق في سرعات التفجير بإعادة تشكيل موجات الانفجار المتعددة وتحويلها إلى موجة صدم كروية متناظرة تماماً تضغط حفرة اليورانيوم بشكل متجانس.

ومرة أخرى، فإن التصميم الدقيق والتصنيع المحكم هما جوهر العملية كلها. ولذلك يتم تثبيت هذه العدسات المتفجرة بعناية شديدة على السطح الداخلي للقشرة الخارجية. فهي ليست قطعاً منفصلة أو مرتخية، بل تشكل فسيفساء ثلاثية الأبعاد دقيقة تملأ بالكامل الفراغ بين الهيكل الخارجي الصلب وطبقة "المخمّد/العاكس".

إن الغاية الكاملة من هذه المكوّنات المصممة بدقة، والطريقة التي تُرتَّب بها داخل الجهاز، هي تحقيق مستويات مذهلة من التزامن. أي أنه في لحظة التفجير، يجب أن تشتعل هذه المتفجرات بشكل متزامن ضمن هامش زمني لا يتجاوز أجزاء من النانوثانية، بحيث تولّد موجة صدم كروية مثالية تضغط "حفرة" اليورانيوم المخصّب بدرجة عسكرية نحو الداخل. وفي الواقع، يجب أن يكون هذا الانفجار الداخلي قوياً إلى درجة تضغط اليورانيوم إلى كثافات تعادل ضعفين أو ثلاثة أضعاف كثافة الرصاص.

ومن أجل الوصول إلى هذه الكثافات المطلوبة، لا بد من توليد ضغوط تبلغ عشرات ملايين الأجواء الجوية. ولتبسيط الصورة، يمكن مقارنة هذه الضغوط بما يوجد داخل إطار سيارة عادي، والذي لا يتجاوز عادة ضغطه بين جوّين وثلاثة أجواء فقط، لا ملايين الأجواء.

وفي الوقت نفسه، ترتفع حرارة المادة إلى ملايين الدرجات خلال لحظة خاطفة. لكن أي خلل أو عدم تماثل في الضغط أو الحرارة، حتى لو كان بحجم شعرة إنسان، يمكن أن يشوّه موجة الصدمة، ما يؤدي إلى اندفاع "الحفرة" بشكل غير متوازن، وبالتالي فشل الجهاز في تحقيق الانفجار المطلوب، لينتهي الأمر إما بانفجار ضعيف جداً أو بعدم حدوث شيء إطلاقاً.

كما يجب ضبط العملية كلها بدقة تقل عن جزء من الميكروثانية، فيما ينبغي أيضاً أن يبقى الجهاز آمناً ومستقراً أثناء النقل والتخزين والإطلاق.

وفوق ذلك، حتى لو امتلكت إيران اليوم المكوّنات شديدة الانفجار والتقنيات المعدنية الخاصة بـ"الحفرة"، فإنها ستواجه عقبة أخرى في مسار تحويل البرنامج إلى سلاح فعلي، وهي ما يُعرف بمشكلة "بادئ النيوترونات" (Neutron Initiator).

ويقع هذا العنصر داخل المركز المجوّف للحفرة الانشطارية الكروية، بحيث يكون محاطاً بالكامل باليورانيوم المخصّب بدرجة عسكرية. ويجب أن يكون "بادئ النيوترونات" قادراً على إغراق الحفرة المضغوطة بالنيوترونات في اللحظة الدقيقة التي تبلغ فيها أعلى درجات الانضغاط.

ومن الواضح أن إنتاج هذه المكوّنات ودمجها على نطاق صناعي مع الحفاظ على عوامل الأمان والموثوقية ليس أمراً بسيطاً على الإطلاق. وفي هذا السياق، تعتقد الاستخبارات الأميركية أن إيران أجرت بعض عمليات النمذجة والتجارب المحدودة، لكن الوصول إلى رأس حربي فعلي يتطلب سنوات من التصميمات المتكررة، واختبارات هيدروديناميكية تحت حرجة، ومحاكاة حاسوبية يجري التحقق من دقتها عبر بيانات حقيقية.

ثم تأتي مشكلة التصغير والقدرة على التحمل، وهي طبقة إضافية من التعقيد. فقد يكون بالإمكان نقل جهاز بدائي يزن مئات الكيلوغرامات عبر شاحنة أو سفينة، لكن إنتاج سلاح قابل للتحميل على صاروخ باليستي، وقادر على تحمّل حرارة واهتزازات العودة إلى الغلاف الجوي، ثم الانفجار بشكل موثوق على الارتفاع المطلوب ــ عادة بين 1500 و2500 قدم (458 متراً و763 متراً) في حالة الأسلحة المضادة للمدن ــ يتطلب تصغيراً جذرياً للحجم والوزن وإعادة تصميم كاملة.

ولكيلا يكون هناك أي التباس، فنحن نتحدث هنا عن سلاح مضاد للمدن، مصمم لقتل مئات آلاف المدنيين. فهذا هو جوهر "التهديد النووي الإيراني" المزعوم. وفي هذا الإطار، فإن الهجومين النوويين الوحيدين الآخرين ضد مدن كانا:

_قنبلة "ليتل بوي" التي انفجرت فوق هيروشيما على ارتفاع 1900 قدماً (578 متراً).

_قنبلة "فات مان" التي انفجرت فوق ناكازاكي على ارتفاع 1650 قدماً (503 متراً).

وعلى أي حال، فإن مشاكل دمج القنبلة مع الصاروخ، وتصغير حجم الرأس النووي بما يكفي، ليست أموراً بسيطة. فحتى كوريا الشمالية كانت رؤوسها النووية الأولى أكبر من أن تحملها صواريخها، واضطرت إلى سنوات إضافية من العمل لتصغير الرؤوس الحربية وجعلها قابلة للاستخدام.

وفي هذا السياق، فإن أفضل الصواريخ الإيرانية الحالية لا تزال غير مناسبة لهذه المهمة. فصاروخا "شهاب-3" و"سجيل" يعانيان من محدودية كبيرة في الحمولة، ما يجعلهما غير ملائمين لحمل سلاح نووي. إذ تبلغ قدرة "شهاب-3"، وهو أبعد الصواريخ البالستية الإيرانية العاملة مدىً، بين 700 و1000 كيلوغرام فقط، بينما يتيح "سجيل" العامل بالوقود الصلب حمولة تقارب بين 700 و1200 كيلوغرام.

في المقابل، فإن رأساً نووياً من الجيل الأول ــ يشمل "الحزمة الفيزيائية"، وطبقة "المخمّد"، والمتفجرات، وأنظمة التسليح والتفجير، وحماية العودة إلى الغلاف الجوي ــ من المرجح أن يزن أكثر من 1500 كيلوغرام. ما يعني أن إيران ستكون مضطرة إلى تصغير أي جهاز نووي بشكل كبير قبل أن تتمكن فعلياً من دمجه مع هذه الصواريخ، وهو تحدٍّ هندسي معقد لم تتمكن من تجاوزه حتى الآن.

يُضاف إلى ذلك أن مركبة العودة إلى الغلاف الجوي يجب أن تحمي الإلكترونيات والمتفجرات الحساسة من الضغوط الحرارية والميكانيكية الهائلة. كما أن دمج "الحزمة الفيزيائية" داخل هذه المركبة، مع الحفاظ على التوقيت الدقيق المطلوب لعملية الانفجار الداخلي، يُعد مجالاً هندسياً مستقلاً لم تُظهر إيران امتلاكها له أيضاً.

وربما تبقى العقبة الأكبر على الإطلاق هي الاختبارات والثقة بالنتائج. فلم تنجح أي دولة نووية في نشر ترسانة عملياتية من دون إجراء شكل من أشكال الاختبارات النووية الكاملة أو شبه الكاملة.

وذلك لأن البيانات التجريبية الناتجة عن التفجيرات الفعلية لا يمكن استبدالها. فالنماذج الحاسوبية والتجارب دون الحرجة لا تستطيع سوى تقريب الواقع، لا محاكاته بالكامل. وفي هذا السياق، السجل التاريخي للتجارب النووية هو كالتالي:

_الولايات المتحدة: 1054 اختباراً نووياً (1945 – 1992).

_الاتحاد السوفياتي/روسيا: 715 اختباراً(1949 – 1990) .

_فرنسا: 210 اختبارات (1960 – 1996) .

_بريطانيا: 45 اختباراً (1952 – 1991) .

_الصين: 45 اختباراً (1964 – 1996) .

_الهند: 6 اختبارات معلنة (1974 و1998).

_باكستان: 6 اختبارات معلنة (1998) .

_كوريا الشمالية: 6 اختبارات معلنة (2006 – 2017) .

_جنوب أفريقيا: لم تُجرِ أي اختبار، رغم أنها صنعت 6 قنابل من نوع "المدفع" خلال الثمانينيات، لكنها فككت البرنامج قبل تفجير أي منها.

أما إيران، فلم تُجرِ أي اختبار نووي إطلاقاً، لأنها لم تُحوّل برنامجها أصلاً إلى سلاح نووي.

أما البديل القائم على "الاختبارات الوكيلة"، أي استخدام المتفجرات التقليدية لمحاكاة ديناميكيات الانفجار الداخلي، فيمكن أن يوفر بعض البيانات المفيدة، لكنه لا يستطيع إعادة إنتاج الضغوط الهائلة وتدفّقات النيوترونات التي يولدها انفجار نووي حقيقي.

ولذلك، فإن غياب أي اختبار واسع النطاق مكتشف، أو أي برنامج موثوق للاختبارات البديلة منذ عام 2003، بقي ركناً أساسياً في تقديرات مجتمع الاستخبارات الأميركي المستمرة، والتي تفيد بأن إيران لم تمارس أي أنشطة تتعلق بتسليح برنامجها النووي.

وقد أعادت تولسي غابارد التأكيد على هذا التوافق الحاسم خلال شهادتها أمام لجنتي الاستخبارات في مجلسي النواب والشيوخ يومي 25 و26 آذار/مارس 2025. إذ أوضحت، بصفتها مديرة للاستخبارات الوطنية الأميركية:

"لا يزال مجتمع الاستخبارات يقدّر أن إيران لا تقوم ببناء سلاح نووي، وأن القائد الأعلى علي الخامنئي لم يمنح الإذن بإحياء برنامج الأسلحة النووية الذي علّقه عام 2003."

وأشارت تولسي غابارد إلى الحجم غير المسبوق لمخزون إيران من اليورانيوم المخصّب، لكنها رسمت خطاً فاصلاً وواضحاً بين إنتاج المواد النووية وبين تحويلها إلى سلاح فعلي. كما انسجمت تصريحاتها مع "التقييم السنوي للتهديدات لعام 2025" غير السري، والذي سلّط الضوء على التقدم الإيراني في التخصيب، مع التشديد في الوقت نفسه على غياب أي استئناف لأنشطة تصميم الأسلحة النووية.

وحتى بعد الضربات العسكرية التي نُفذت بين عامي 2025 و2026 وألحقت أضراراً بمنشآت التخصيب الإيرانية المعلنة، استمرت التقييمات اللاحقة في الفصل بين "مسار التخصيب" و"مسار التسليح النووي". وقد شدد مجتمع الاستخبارات الأميركي مراراً على أن استئناف برنامج تسليح نووي منظم لا يزال يتطلب قراراً سياسياً من القائد الأعلى الإيراني، ولم يتم رصد أي قرار من هذا النوع.

كما تعزز السوابق التاريخية الفجوة الهائلة بين امتلاك اليورانيوم عالي التخصيب وبين امتلاك قنبلة نووية فعلية. فقد أنتجت جنوب أفريقيا يورانيوم عالي التخصيب خلال الثمانينيات، وصنعت 6 قنابل من نوع "المدفع"، لكنها لم تختبرها مطلقاً، وفي النهاية قامت بتفكيك البرنامج بالكامل. وبالتالي، فهي لم تصل فعلياً إلى "السلاح النووي".

وبالمثل، حصلت ليبيا على تكنولوجيا أجهزة الطرد المركزي وبعض المواد الأولية لليورانيوم عالي التخصيب، لكنها لم تقترب إطلاقاً من امتلاك سلاح عملي قبل أن تتخلى عن المشروع عام 2003.

أما باكستان، التي غالباً ما تُقدَّم كمثال على الانتشار النووي السريع، فقد استفادت من دعم صيني واسع في مجالي التصميم والبنية التحتية للاختبارات. ومع ذلك، احتاجت إلى إجراء عدة تجارب نووية تحت الأرض عام 1998 قبل أن تتمكن من إعلان امتلاك قدرة ردع موثوقة.

في المقابل، عملت إيران تحت رقابة دولية مكثفة، من دون وجود راعٍ خارجي مماثل يزوّدها بمخططات رؤوس حربية مجرّبة أو بيانات اختبارات نووية حقيقية.

وفي هذا السياق، يجب أيضاً الإشارة إلى أن متطلبات التسليح النووي على المستوى الهندسي والتنظيمي تخلّف بصمات يمكن اكتشافها. فعلى سبيل المثال، تتطلب عمليات صبّ وتصنيع العدسات شديدة الانفجار منشآت متخصصة تترك آثاراً بيئية قابلة للرصد.

كما أن إنتاج مولدات النيوترونات يتضمن مواد مشعة وإلكترونيات دقيقة يمكن كشفها. أما دمج الرؤوس الحربية، فيتطلب ميادين اختبار مؤمّنة ومجهزة بأجهزة قياس وأنظمة اتصال ومراقبة. وكل هذه الأنشطة أصعب بكثير من حيث الإخفاء مقارنة بسلاسل أجهزة الطرد المركزي، التي يمكن توزيعها وإخفاؤها داخل أنفاق ومنشآت تحت الأرض.

وقد كانت قدرة مجتمع الاستخبارات الأميركي على مراقبة هذه المؤشرات الكاشفة ــ عبر المصادر البشرية، واستخبارات الإشارات، وأخذ العينات البيئية ــ سبباً رئيسياً وراء تقييمه المستمر بأن إيران لم تتجاوز عتبة التسليح النووي.

وفي الواقع، فإن هذا بالتحديد هو السبب الذي يجعل إلغاء دونالد ترامب للاتفاق النووي (JCPOA) في أيار/مايو 2018 خطوة شديدة الحماقة. فالخطة صُممت أساساً على قاعدة التمييز الحاسم بين التخصيب وبين التسليح النووي.

فالقيود الصارمة ولكن المعقولة التي فرضها الاتفاق على التخصيب، أبقت بشكل مناسب الباب مفتوحاً أمام إيران لإنتاج وقود نووي بدرجة مخصّصة للمفاعلات المدنية، من أجل تشغيل مفاعل بوشهر الكبير. لكن عمق وشدة نظام التفتيش المرافق لهذه الترتيبات جعلا احتمال تنفيذ أعمال التسليح المعقدة والواسعة والمليئة بالتحديات ــ كما جرى وصفها سابقاً ــ أمراً شبه مستحيل من دون اكتشافه، حتى لو تم التراجع عن قرار عام 2003 القاضي بوقف تلك الأنشطة.

وباختصار، فإن الـ400 كيلوغرام من المواد المخصّبة بنسبة 60%، التي أثارت كل هذا الذعر لدى دعاة الحرب بسبب إمكانية رفعها إلى مستوى عسكري خلال أسابيع، لم تكن سوى "الراية الزائفة الكبرى" في نهاية المطاف.

لم يكن هناك أبداً، إطلاقاً، أي احتمال لوقوع هجوم نووي "وشيك" على الأراضي الأميركية. نقطة على السطر.

فالحقيقة هي أن إيران لم تكن تمتلك أي جهاز نووي مُسلَّح وجاهز للاستخدام؛ ولم تكن تمتلك صاروخاً بعيد المدى بحمولة ثقيلة (تتجاوز 1000 كيلوغرام) يستطيع الوصول حتى إلى خُمس المسافة نحو واشنطن؛ كما أنها لم تمتلك القدرة على دمج قنبلة ــ لا تملكها أصلاً ــ مع صاروخ باليستي عابر للقارات بمدى 5000 كيلومتر، وهو أيضاً غير موجود لديها.

إن التداعيات المترتبة على هذا النقاش مقلقة إلى أقصى الحدود. فهي تعني أن بنيامين نتنياهو، ودونالد ترامب، وطاقمه الحربي المؤلف من المحافظين الجدد والجهلة و"هواة استعراض العضلات"، يتحركون استناداً إلى "راية زائفة" فاضحة تجعل كل ما سبقها يبدو ضئيلاً بالمقارنة.

وفي نهاية المطاف، فإن الخلط بين عمليات تخصيب اليورانيوم وبين القدرة الفعلية على صنع قنبلة نووية، يتناقض حتى مع الحد الأدنى من المعرفة التقنية التي تمتلكها آلة الحرب في واشنطن نفسها.

وبالنظر إلى الفوضى العسكرية التي تسبب بها هذا الأمر بالفعل، وإلى الكوارث الأسوأ التي تلوح في الأفق مع اقتراب احتمال الغزو البري، يمكن القول بوضوح كامل إن دونالد ترامب يستعد لتفجير الاقتصاد العالمي استناداً إلى "كذبة كبرى"، كذبة يدرك أي شخص يمتلك فعلياً المعرفة اللازمة لصنع قنبلة نووية أنها زائفة بالكامل، ومن اللحظة الأولى.


■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع "wakalanews":

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر: alkhanadeq.com بتاريخ: . الآراء والمعلومات الواردة في هذا المأوضح لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع "wakalanews"، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى