صحافة

النفط سلاح ذو حدّين.. مضيق هرمز ومعضلة الردع غير المتكافئ

منذ سبعينيات القرن الماضي، والصدمة النفطية التي أعقبت حرب عام 1973، تحوّل التحكم في تدفقات الطاقة إلى أداة من أدوات القوة السياسية. وبالنسبة إلى إيران، ظلّ مضيق هرمز «عنق زجاجة استراتيجي»، إذ كان يعبر من خلاله، وفقًا لتقديرات وكالة الطاقة الدولية لعام 2024، نحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط ومشتقاته، فضلًا عن كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال. وفي المواجهة الراهنة، انتقل هذا المفهوم من التهديد اللفظي إلى العمليات الميدانية؛ إذ أدّت الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ على السفن، وزرع الألغام، والإعلان عن مسارات غير مسموح بها، وارتفاع تكاليف التأمين ضد مخاطر الحرب، إلى تراجع حركة الملاحة. وفي الوقت نفسه، صعّدت الولايات المتحدة ضغوطها على عائدات طهران النفطية من خلال فرض حصار على الموانئ الإيرانية. ويتمثل السؤال الجوهري في ما إذا كان هذا النفوذ قادرًا على التحول، على المدى المتوسط، إلى ردع مستدام، أم أن الاستنزاف الاقتصادي والقدرة على إيجاد مسارات بديلة سيحوّلانه إلى أداة قصيرة الأمد.

يتمثّل التحوّل الأساسي في أن النفط لم يعد مجرد مصدر للدخل، بل أصبح سلاحًا ذا حدّين. فقد سعت الولايات المتحدة، من خلال الحصار البحري و«عملية المنبوذ الاقتصادي»، إلى حرمان إيران من الإيرادات واستنفاد مخزوناتها النفطية العائمة الموجودة خارج نطاق الحصار. في المقابل، رفعت إيران كلفة استمرار الحرب على واشنطن والاقتصاد العالمي، من خلال إثارة حالة من عدم اليقين بشأن مجمل تدفقات الطاقة في المنطقة. ومع ذلك، فإن الادعاء بـ«توقّف صادرات النفط الإيرانية» لا يتوافق مع بيانات تتبّع ناقلات النفط. فاستنادًا إلى تقارير تتبّع حركة الملاحة البحرية وتحليلات مراكز الدراسات، استمر جزء من الصادرات الإيرانية عبر وضع ملصقات تعريفية جديدة على الشحنات، وعمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى، وأسطول الظل. وعليه، فإن «الحصار الكامل» يظل أقرب إلى ادعاء عملياتي منه إلى واقع مؤكّد. ويشكّل هذا التباين في الروايات جزءًا من ميدان الحرب بحد ذاته، إذ يؤثر في الرأي العام والضغوط الداخلية في الولايات المتحدة، ولا سيما قبيل انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر 2026.

حالياً، يمتلك قطاع النفط الإيراني ورقة ضغط تقوم على مستويين:

– الحدّ من الإمدادات الإقليمية والإبقاء على الأسعار عند مستويات مرتفعة؛

– الحفاظ على الحد الأدنى من الإيرادات عبر المسارات البديلة أو المعاملات غير الرسمية.

وفقًا لتقارير السوق، ارتفع سعر خام برنت من نحو 70 دولارًا قبل الحرب إلى ما يتراوح بين 110 و117 دولارًا للبرميل. وقد انعكست هذه الزيادة على معدلات التضخم في الولايات المتحدة، وتكاليف الوقود، وسلاسل الإمداد العالمية، مما زاد الضغوط السياسية على إدارة ترامب. وفي الوقت نفسه، عملت الولايات المتحدة على الحد من آثار هذا الاضطراب من خلال السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية، وتطوير المسارات البديلة، وزيادة الإنتاج المحلي والإنتاج في أمريكا اللاتينية. وتتيح الطاقة الاستيعابية لخط أنابيب الشرق–الغرب في السعودية وخط أنابيب حبشان–الفجيرة في الإمارات تحويل جزء من تدفقات النفط، لكنها لا تشكّل بديلًا كاملًا.

وبناءً على ذلك، تحوّل النفط إلى أداة للمساومة في المفاوضات وللتأثير في الحسابات الانتخابية. فإغلاق مضيق هرمز بالكامل أو استهداف منشآت الطاقة في دول الخليج التي تستضيف قواعد أمريكية يشكّل ورقة ضغط بيد طهران في أي مفاوضات محتملة. في المقابل، تسعى الولايات المتحدة، من خلال الحصار والتهديد بشنّ هجمات أوسع نطاقًا، إلى إرغام طهران على تقديم تنازلات. وتعكس تصريحات ترامب بشأن إمكانية «إنهاء الأمر» أو «ترك إيران تواجه انهيارًا تدريجيًا» حسابات سياسية قائمة على موازنة التكاليف والفوائد.

قد يؤدّي استمرار الحرب مع بقاء أسعار النفط عند مستويات مرتفعة إلى الإضرار بالجمهوريين في الانتخابات؛ إذ تستخدم إيران ورقة النفط للتأثير في الجدول السياسي الأمريكي، من خلال تكثيف الهجمات قبيل موعد الانتخابات. وتستند الاستراتيجية الإيرانية إلى افتراض أن واشنطن حسّاسة تجاه التضخم واستياء الناخبين. وفي الوقت نفسه، تضرّرت الدول الخليجية المنتجة للنفط، والحليفة للولايات المتحدة، من الاضطرابات نفسها، مما يزيد من تعقيد التحالف الغربي.

في ضوء ذلك، يشكّل النفط ومضيق هرمز أداتين للردع غير المتكافئ الإيراني. فإيران لا تمتلك قوة بحرية تقليدية تمكّنها من المواجهة المباشرة مع الأسطول الأمريكي، لكنها تستطيع رفع كلفة المرور الآمن عبر الجمع بين الصواريخ المضادة للسفن، والطائرات المسيّرة، والألغام، وقوى المقاومة، ومنها حركة أنصار الله في باب المندب. وقد أظهرت الهجمات الدقيقة على البنى التحتية للطاقة المرتبطة بالولايات المتحدة في المنطقة أن طهران قادرة على إرباك الخطط العسكرية لواشنطن.

على الرغم من أن الولايات المتحدة أظهرت تفوقها العسكري التقليدي من خلال الحصار البحري والحضور العسكري المكثف، فإنها لم تتمكن من تحييد التهديد الإيراني بتعطيل تدفقات الطاقة بصورة كاملة. وقد أوجد هذا الوضع نوعًا من المأزق؛ إذ إن استمرار الضغوط الاقتصادية الأمريكية يترتب عليه تكاليف باهظة، في حين أن التصعيد العسكري قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات لا يمكن تحمّلها. ويتخذ الردع هنا طابعًا متبادلًا؛ فإيران، من خلال إظهار قدرتها على إحداث صدمة في أسواق الطاقة، تردع الولايات المتحدة عن اتخاذ خطوات أكثر هجومية، فيما تسعى واشنطن، عبر التهديد بتدمير القدرات التصديرية الإيرانية، إلى ثني طهران عن إغلاق مضيق هرمز بالكامل.

يُظهر التقييم الدقيق أن ورقة الضغط النفطية تؤدي دورًا على ثلاثة مستويات: اقتصادي وسياسي وعسكري، إلا أنها تواجه ثلاثة قيود رئيسية:

– الاستنزاف الاقتصادي الداخلي وتراجع المخزونات النفطية العائمة؛

– قدرة الولايات المتحدة وحلفائها على إيجاد بدائل جزئية للمسارات وإدارة الاحتياطيات الاستراتيجية؛

– خطر تشكيل تحالف ضد إيران في حال إغلاق مضيق هرمز بالكامل، بما قد يؤدي إلى تحوّل الموقف الدولي على نحو يضرّ بشرعية طهران.

يُظهر النجاح النسبي لإيران في الإبقاء على الأسعار عند مستويات مرتفعة مدى فاعلية هذه الاستراتيجية على المدى القصير، إلا أن استدامتها تعتمد على إدارة التكاليف الداخلية وتجنّب «الإغلاق الكامل». وبناءً على ذلك، تكون ورقة الضغط النفطية فعّالة بالنسبة إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية عندما تتحوّل إلى أداة لـ«إدارة التوتر» و«الردع»، لا إلى أداة لـ«الإغلاق الكامل» لمضيق هرمز. فالإغلاق الكامل، فضلًا عن إضراره باقتصادات الدول الآسيوية والصين، بوصفها الشريك الرئيسي، يوفّر ذريعة لتشكيل تحالف أوسع ضد طهران، ويؤدي إلى استنزاف المكاسب الدبلوماسية. في المقابل، فإن الحفاظ على «الغموض الاستراتيجي» والتهديد المحدود والموجّه يفرض كلفة سياسية على واشنطن، من دون المساس بشرعية إيران على المستوى الدولي. ويمكن أن يسهم تفعيل القناة العُمانية لإدارة التوتر البحري، وتعزيز المسارات البرية وممر الشمال–الجنوب، وتنويع العملاء النفطيين، واستخدام الأدوات المالية البديلة، في الحد من مواطن الضعف. وتتمثل الأولوية في تحويل مضيق هرمز من «ساحة للمواجهة» إلى «طاولة للمفاوضات»؛ فطالما ظلّ هذا الممر الحيوي في المرمى، سيبقى النفط أقوى أوراق إيران، لكن سوء استخدامه قد يحوّل هذه الورقة نفسها إلى «فخ استراتيجي».

تحليل ونظرية

تكتسب حرب المعلومات حول «أسباب ارتفاع أسعار النفط»، و«المسؤولية عن الاضطراب في مضيق هرمز»، و«نجاح الحصار أو فشله»، أهمية لا تقل عن أهمية الميدان العسكري. ويمكن للصياغة الدقيقة للروايات، والشفافية الانتقائية في نشر بيانات الملاحة البحرية والأسعار، والتنسيق بين الرسائل العسكرية والاقتصادية، أن تضاعف أثر ورقة الضغط النفطية أو تحيّده. وتؤدي التغطية الإعلامية لدى الطرفين دورًا حاسمًا في التأثير في سائر جوانب المواجهة؛ ويمكن تقييم التحركات الأسبوعية لترامب الرامية إلى التأثير في أسعار النفط في هذا الإطار. كما برز دور جماعات الضغط والجهات ذات المصالح في قطاع النفط، إذ إن استمرار نقل النفط عبر المسارات غير الرسمية أضرّ بمصداقية ورقة الضغط النفطية وقدرتها على التهديد. كذلك، ينبغي عدم إغفال دور الجهات الفاعلة الإقليمية التي يعتمد بقاؤها على بيع النفط. وبوجه عام، فإن الجمع بين «الغموض الاستراتيجي» و«إدارة التكاليف الداخلية» و«تنويع المسارات» يمثّل الخيار الأكثر استدامة أمام إيران.

من منظور الجمهورية الإسلامية الإيرانية، أظهرت تجربة الأشهر الثمانية من المواجهة أن الاعتماد الحصري على ورقة الضغط النفطية، من دون أن يقترن بإدارة ذكية للتكاليف الداخلية ودبلوماسية فاعلة، يؤدي إلى استنزاف القوة الوطنية. وينبغي لإيران أن تحوّل مضيق هرمز إلى أداة لـ«التفاوض» و«الردع»، لا إلى أداة لـ«الإغلاق الكامل». ويمكن أن يسهم تعزيز ممر الشمال–الجنوب، وتطوير المحطات النفطية الواقعة خارج نطاق الاستهداف، وتنويع العملاء، والاستفادة من قنوات الوساطة، مثل سلطنة عُمان، في الحد من مواطن الضعف.



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع “wakalanews”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

wakalanews.com — متابعة الخبر
المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى