مضيق هرمز والانتخابات: طبقات الاستراتيجية الإيرانية في جنوب غرب آسيا

ما يُكتب في هذه المذكرة هو صورة مكثفة عن مرحلة انتقال استراتيجي في منطقة جنوب غرب آسيا؛ مرحلة تتشابك مع انتخابات الكنيست في إسرائيل وانتخابات الكونغرس في أمريكا، وفي الوقت نفسه، تحوّل مضيق هرمز إلى المركز الرئيسي لاختبار القوة والإرادة السياسية للفاعلين الرئيسيين في الصراع الجاري. من منظور صنّاع القرار الإيرانيين، هذه المرحلة ليست مجرد تهديد أمني، بل فرصة تاريخية لتثبيت المطالب الإيرانية، وإعادة تعريف النظام الأمني الإقليمي، وتقليص الوزن الجيوسياسي للكيان الصهيوني. في هذا الإطار، تُعدّ مجموعة الإجراءات الإيرانية في مضيق هرمز وتزامنها مع نشاط جماعات محور المقاومة، ولا سيما أنصار الله في اليمن، ليست مغامرة عسكرية، بل استراتيجية متعددة الطبقات لإدارة الأزمة، وخلق الردع، والتأثير على المعادلات السياسية لانتخابات أمريكا وإسرائيل.
الطبقة الأولى من هذه الاستراتيجية هي «الردع عبر السيطرة على مضيق هرمز». مضيق هرمز شريان الحياة لطاقة العالم، وأي تهديد أو إخلال فيه يخلق تكاليف اقتصادية وأمنية باهظة لأمريكا وأوروبا وحلفائهما الإقليميين. إيران، عبر إظهار قدراتها البحرية والصاروخية والطائرات المسيّرة في هذا الممر المائي، ترسل في الواقع رسالة مفادها أن أي مغامرة عسكرية ضد إيران يمكن أن تتحول إلى أزمة طاقة عالمية. هذا الإجراء، من جهة، يجعل إمكانية حرب واسعة جديدة أمام أعداء إيران محفوفة بالغموض والتحديات الكثيرة، ومن جهة أخرى، يعزز رافعة ضغط إيران في المفاوضات المستقبلية أو أي خاتمة أخرى في نهاية الأزمة الراهنة. يدرك صانع القرار الإيراني بشكل صحيح أن الحرب الشاملة، في الظروف الراهنة، ليست مرغوبة لإيران ولا لأمريكا؛ لذلك، يجب أن تكون إدارة التوتر في مضيق هرمز على نحو لا يؤدي إلى حرب شاملة ولا يضع إيران في موضع الانفعال. في الواقع، حالة «لا حرب ولا سلم» لا يمكن أن تكون حالة لا نهائية وغير محدودة، ويجب أن تصل في أقصر وقت ممكن إلى خاتمة واضحة.
الطبقة الثانية هي «تزامن إجراءات محور المقاومة». قبل عملية 7 أكتوبر، كان أنصار الله في اليمن، وحزب الله في لبنان، وجماعات المقاومة في العراق وسوريا، وحماس والجهاد الإسلامي في فلسطين، جميعهم يُعدّون جزءًا من شبكة استراتيجية كانت قادرة، في حال شن هجوم على إيران، على إنشاء جبهات متعددة. ورغم أن جزءًا كبيرًا من هذه الشبكة يواجه اليوم تحديات جمة، فإن قدراتها في بعض الجبهات ما زالت عنصرًا حاسمًا، كما هو الحال اليوم في اليمن. هذه القدرة المتزامنة تعقّد حسابات العدو في إجراءاته اللاحقة والمحتملة، وترفع كلفة أي هجوم بشكل غير قابل للحساب. من المنظور الإيراني، هذه الشبكة ليست أداة دفاعية فحسب، بل أداة مساومة سياسية أيضًا. هدف إيران هو أن تُبقي هذه الجبهات نشطة لتُجبر أمريكا وإسرائيل على التحرك، بدلًا من تصعيد التوتر، نحو قبول شروط إيران وإنهاء ظروف الحرب في جميع الجبهات. هذه الشروط، بما فيها ما ورد في مذكرة إسلام آباد، تشمل ضمانات أمنية، ورفع العقوبات، والاعتراف بالدور الإقليمي لإيران، وإنهاء الاحتلال.
الطبقة الثالثة هي «التأثير في الانتخابات الأمريكية». يدرك صنّاع القرار الإيرانيون جيدًا أن وصول الديمقراطيين إلى السلطة في الكونغرس يمكن أن يغيّر المناخ الدبلوماسي وقواعد السلوك داخل بنية السلطة في أمريكا. الديمقراطيون، تقليديًا، منتقدون لنهج ترامب ونتنياهو الأحادي، واحتمال الضغط من الداخل للعودة إلى مذكرة إسلام آباد أو اتفاق جديد مع إيران لديهم أكبر. لذلك، إيران في هذه المرحلة الحساسة لا تبحث عن الحرب فقط، بل تريد، عبر إظهار ضبط النفس الاستراتيجي مع الحفاظ في الوقت نفسه على روافع الضغط، أن تساعد على فوز الديمقراطيين. الإجراءات في مضيق هرمز مصممة بحيث تزيد الضغط على ترامب ولا تمنح ذريعة لهجوم عسكري على إيران. هذه اللعبة الدقيقة تتطلب دقة وانضباطًا استراتيجيًا عاليين جدًا.
الطبقة الرابعة هي «تحدي نتنياهو وخطر حرب انتخابية». يواجه نتنياهو في الانتخابات المقبلة خطر هزيمة حزب الليكود. وتُظهر استطلاعات الرأي أنه قد يفقد السلطة. في مثل هذه الظروف، أمامه مساران: الأول، تأجيل الانتخابات؛ والثاني، أمننة إسرائيل إلى أقصى حد قبل الانتخابات. وكلا الخيارين لا يتيسران إلا عبر تصعيد التوترات الأمنية. الحرب مع إيران يمكن أن تساعد نتنياهو على تشكيل حكومة وحدة وطنية، أو تأجيل الانتخابات وتمديد بقائه في السلطة. من هنا، فإن الخطر الرئيسي في هذه المرحلة هو عمل عسكري إسرائيلي بهدف انتخابي. في المقابل، حذّرت إيران صراحة أنها في حال بدء أي مغامرة جديدة، ستستخدم كل إمكاناتها لخلق ردع كامل. وإذا هاجمت إسرائيل، فإن رد إيران سيكون متصورًا ومتوقعًا في نطاق واسع من الأهداف الاستراتيجية في أنحاء المنطقة والأراضي المحتلة، لا سيما أن إيران أظهرت في أعقاب الحرب الأخيرة أنها تطلق تهديدات ذات مصداقية عالية.
الطبقة الخامسة هي «بناء نظام أمني جديد في جنوب غرب آسيا». تسعى إيران إلى استبدال النظام الأمني بقيادة أمريكا بترتيبات إقليمية جديدة.
في الختام، النهج القابل للدفاع لصنّاع القرار الإيرانيين في هذه المرحلة هو مزيج من «القوة والدبلوماسية». يجب على إيران أن تحافظ على قدرتها على الردع، لكن أن تتجنب تحويل التوتر إلى حرب شاملة. أما في حال أي إجراء عدواني، فعليها أن تخوض الحرب بكل قوة وبما يفرض على المعتدين تكاليف غير قابلة للرجوع. وعلى الدول المضيفة والمتعاونة مع الدول المعادية أن تواجه مرة واحدة وإلى الأبد هذه الحقيقة: إما الحياة والتجارة والهدوء والاستقرار للجميع، أو لا شيء لأحد.
هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة رأي الموقع
تنويه من موقع “wakalanews”:
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “wakalanews”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.





