قضايا وآراء
عاجل | لبنان بين فرنسا التي أنشأته وأميركا التي تصادر معناه

🚨 عاجل
📌 ملخص الخبر:
عاجل | لبنان بين فرنسا التي أنشأته وأميركا التي تصادر معناه
لم يولد لبنان، في صورته الكيانية الحديثة، من إرادة مارونية صافية، ولا من هندسة كنسية خالصة، كما يطيب لبعض السرديات الاختزالية أن تقول. وُلِد من تقاطعٍ معقّد بين حاجة محلية مارونية إلى كيان آمن، محدود، قابل للحياة، وبين طموح كولونيالي فرنسي أراد أن يجعل من هذا الكيان موطئ قدم دائم له في المشرق. لم تكن الكنيسة المارونية، في لحظة ما بعد الحرب العالمية الأولى، تطلب لبنان الكبير كما صار لاحقاً بكل حدوده الطائفية والاجتماعية والاقتصادية. كانت تخشى، بعد مجاعة 1914 وخراب الجبل وانكشافه أمام الحصار، أن تبقى المتصرفية كياناً جبلياً بلا مرفأ ولا سهل ولا موارد غذائية كافية. لذلك كان المطلوب، في التصور الأول، توسيع الجبل بما يكفي ليملك منفذاً بحرياً ومجالاً زراعياً يقيه تكرار الكارثة. أما أن يُضمّ إليه الساحل والجنوب والبقاع والشمال، وأن يصير كياناً متعدد الطوائف إلى هذا الحد، فذلك كان من عمل السياسة الفرنسية بقدر ما كان من عمل البطريرك الياس الحويك.
هنا بالذات ينبغي التذكير، بمناسبة تطويب البطريرك الحويك، بأن الرجل لا يُقرأ خارج لحظته التاريخية. لم يكن حويك صانع لبنان وحده، ولا كان لبنان الذي طلبه هو نفسه لبنان الذي صنعته فرنسا. ثمة فارق بين مطلب الحماية ومطلب السيطرة، بين طلب كيان قابل للعيش وبين إنشاء دولة يراد لها أن تكون قاعدة نفوذ.
الكنيسة المارونية نفسها لم تكن متحمسة لضم وادي النصارى في سوريا، لأن أكثريته أرثوذكسية، ولم تكن راغبة في إدخال مناطق كثيفة الشيعة في الجنوب والبقاع ضمن الكيان المقترح. كان هاجسها، في الجوهر، أن تُبقي للموارنة غلبة عددية وسياسية واضحة، مع بعض الإضافات الاقتصادية الضرورية. لكن فرنسا، بعلمانيتها الإمبراطورية لا بعاطفتها الدينية، نظرت إلى المسألة من زاوية أخرى: لبنان لا يكون مفيداً لها إن ظل محمية كنسية ضيقة، بل يكون مفيداً حين يتحول إلى كيان سياسي أوسع، متعدد، قابل لأن يحتاج دائماً إلى وسيط خارجي، وأن تبقى فرنسا، ما استطاعت، ذلك الوسيط.
لذلك فإن لبنان الكبير لم يكن ثمرة «محبة فرنسية» للموارنة فقط، بل ثمرة حساب استعماري أدرك أن الطائفة وحدها لا تصنع دولة قابلة للاستمرار، وأن الدولة الصغيرة المغلقة على جماعة واحدة قد تتحول إلى عبء لا إلى نفوذ. أرادت فرنسا لبناناً يحتاج إليها، لا لبناناً يستغني عنها. وأرادت له أن يكون مساحة نفوذ مشرقي، لا مجرد ملجأ جبلي.
ومن هنا جاءت المفارقة الأولى: إن الطموح الكولونيالي الفرنسي، لا التصور الكنسي وحده، هو الذي وسّع لبنان وجعله بلداً مركّباً، لكنه في الوقت نفسه وضع في أساسه تلك القابلية المزمنة للاستدعاء الخارجي، لأن الجماعات التي ضُمّت إليه لم تدخل كلها في معنى وطني واحد، بل دخلت في توازن قلق، ظل يتأرجح بين الشراكة والخوف، وبين المواطنة والارتهان.
ثم جاءت الحرب العالمية الثانية، واحتلال النازيين لفرنسا، فانكسر الحضور الفرنسي في المشرق كما انكسرت هيبة فرنسا في العالم. لم تعد فرنسا هي فرنسا الانتداب، ولا بقيت وحدها صاحبة الكلمة. دخل البريطانيون بقوة إلى المعادلة، ثم ما لبث الدور الأميركي أن بدأ بالصعود، بعد أن خرج العالم من الحرب إلى نظام دولي جديد، لم تعد فيه فرنسا إلا قوة متوسطة تحاول أن تحتفظ بصورة إمبراطورية فقدت مادتها. منذ ذلك الوقت بدأ لبنان ينتقل، شيئاً فشيئاً، من مدار فرنسي إلى مدار أوسع، بريطاني أولاً، ثم أميركي لاحقاً.
لكن أميركا لم تكن يوماً شديدة الحماسة للبنان كما كانت فرنسا. لم ترَ فيه ذاكرة ثقافية، ولا امتداداً لغوياً، ولا موقعاً عاطفياً في المخيال السياسي. رأته غالباً من زاوية وظيفية: موقع صغير في شرق متوسط مضطرب، أهميته تتحدد بقدر ما يخدم سياسة أوسع تجاه النفط، إسرائيل، سوريا، إيران، والمشرق العربي.
أما فرنسا، فرغم تراجعها، لم تكفّ عن محاولة العودة إلى لبنان. عادت تارة من بوابة الثقافة والفرنكوفونية، وتارة من بوابة المسيحيين، وتارة من بوابة التسويات الإقليمية، وتارة من بوابة الرئاسة والوساطات. دعمت ميشال عون في لحظة، ثم اشتغلت على تفاهمات نيسان 1996 في لحظة أخرى، وحاولت بعد كل حرب أو أزمة أن تذكّر الجميع بأن لها في لبنان «حصة معنوية» إن لم تكن لها حصة فعلية.
غير أن مشكلة فرنسا أنها كثيراً ما تريد دوراً أكبر من قدرتها، وتتوهم أن التاريخ يمنحها ما لم تعد السياسة قادرة على منحه. فهي لا تزال تتصرف أحياناً كأن الانتداب لم ينتهِ تماماً، لكنها تصطدم دائماً بحقيقة أن القرار الفعلي في لبنان والمنطقة صار أميركياً، وأن إسرائيل هي الحليف العضوي في الحساب الغربي، وأن فرنسا لا تستطيع أن تنافس واشنطن إلا إذا امتلكت هامشاً مستقلاً عنها.
وهذا الهامش هو لبّ المسألة. ففائدة الدور الفرنسي في لبنان لا تأتي من كونه فرنسياً في ذاته، ولا من حنين بعض اللبنانيين إلى باريس، ولا من اللغة ولا من المدارس ولا من الذاكرة. تأتي فائدته، حين تكون له فائدة، من قدرته على منع الانفراد الأميركي بالبلد. لبنان، بحكم ضعفه البنيوي وانقساماته، لا يحتمل أن يكون رهينة محور خارجي واحد، خصوصاً حين يكون ذلك المحور منحازاً بالكامل إلى إسرائيل. فإذا استطاعت فرنسا أن تكون قوة توازن، أو نافذة تخفف من قسوة الوصاية الأميركية، أو وسيطاً لا يساوي بين المعتدي والمعتدى عليه، كان لدورها معنى.
أما إذا تحولت إلى نسخة أقل قوة من السياسة الأميركية، وأخذت تخطب ودّ إسرائيل وتنتظر رضاها، فإنها تفقد كل قيمة مضافة. فما الحاجة إلى وسيط فرنسي يقول ما تقوله واشنطن بنبرة ألطف؟ وما الفائدة من دبلوماسية باريسية تكرر جوهر الانحياز الأميركي ثم تطلب من اللبنانيين أن يروها وسيطاً؟
لقد كشفت الحروب على لبنان هذه الحقيقة مراراً. في نيسان 1996، لم تستطع فرنسا أن تؤدي دوراً إلا لأن المقاومة فرضت واقعاً ميدانياً جعل التسوية ضرورية. وفي تموز 2006، لم يأتِ القرار الدولي من فراغ أخلاقي، بل من عجز إسرائيل عن تحقيق نصر حاسم، ومن صمود المقاومة والمجتمع الذي التفّ حولها، ومن إدراك القوى الدولية أن الحرب إذا تُركت بلا ضوابط ستنتج معادلة أكثر انفجاراً. الدور الفرنسي، في هاتين اللحظتين، لم يكن هبة فوقية من باريس، بل كان وظيفة سياسية أتاحتها موازين القوة. حين يضعف لبنان، يصبح الفرنسي ملحقاً بالأميركي. وحين يصمد لبنان، يجد الفرنسي مساحة يتحرك فيها.
اليوم، في ظل العدوان الأميركي الإسرائيلي المفتوح على المنطقة، أُزيح الفرنسيون إلى الهامش. يريدون دوراً، لكنهم لا يملكون شرطه. يتحدثون عن لبنان، لكن واشنطن وتل أبيب تتصرفان كأنهما وحدهما صاحبتا القرار. يحاولون خطب ودّ إسرائيل، فإذا بنتنياهو يتجاهلهم أو يعاقبهم أو يبتزهم، لأن إسرائيل لا تحترم إلا القوة ولا تحتاج إلى وسيط أوروبي متردد.
وهنا تبلغ المفارقة ذروتها: فرنسا التي صنعت لبنان الكبير كي تملك دوراً مشرقياً، تجد نفسها اليوم عاجزة عن حماية الحد الأدنى من هذا الدور لأنها لا تجرؤ على مخالفة الموقف الأميركي الإسرائيلي إلا في حدود الكلام. إنها تريد أن تكون وسيطاً، لكنها لا تريد أن تدفع ثمن الوساطة. تريد أن تُسمع في بيروت، لكنها لا تريد أن تغضب تل أبيب. تريد أن تبقى في المشرق، لكنها لا تريد أن تعترف بأن البقاء في المشرق لا يكون بالتماهي مع إسرائيل بل بفهم مجتمعاته وقواه الحية.
من هنا، لا تُستعاد الفاعلية الفرنسية في لبنان عبر البيانات، ولا عبر المبادرات الشكلية، ولا عبر زيارة موفد رئاسي يحمل لغة رمادية عن «ضبط النفس» و«منع التصعيد». تُستعاد، إن استعيدت، عندما تفهم باريس أن لبنان ليس تفصيلاً في أمن إسرائيل، وأن المقاومة ليست عارضاً طارئاً يمكن شطبه بضغط خارجي، وأن العدوان لا يزول بنزع قدرة المعتدى عليه على الدفاع عن نفسه. الفرصة الوحيدة لفرنسا كي يكون لها دور حقيقي هي أن ترى ما رأته عملياً في 1996 و2006: أن المقاومة حين تمنع إسرائيل من الانتصار، تفتح باب السياسة. أما حين تتوهم فرنسا أن الطريق إلى لبنان يمر عبر رضا إسرائيل، فإنها تغلق الباب على نفسها.
إن لبنان الذي أرادته الكنيسة المارونية ملجأً آمناً، وأرادته فرنسا قاعدة نفوذ، صار اليوم امتحاناً لقوى العالم كلّها. من يقاربه بوصفه هامشاً في الأمن الإسرائيلي يسقط أخلاقياً وسياسياً. ومن يقاربه بوصفه بلداً له حقه في السيادة والدفاع والحياة، يستطيع أن يكون له فيه دور. فرنسا أمام هذا الامتحان: إما أن تكون ظلاً لأميركا فيخسر ظلها معناه، وإما أن تفهم أن طريق العودة إلى بيروت لا تمر من تل أبيب، بل من الاعتراف بأن لبنان لا يقوم بالوصاية عليه، ولا بحشره في وظيفة أمنية عند حدود إسرائيل، بل بتركه يخرج من موقع الضحية الدائمة إلى موقع البلد القادر على ردع من يعتدي عليه.
الكاتب: كريم حداد
19 حزيران 2026
المصدر: الاخبار
عاجل | لبنان بين فرنسا التي أنشأته وأميركا التي تصادر معناه


