قضايا وآراء
عاجل | ثرثرة فوق غزة

🚨 عاجل
📌 ملخص الخبر:
عاجل | ثرثرة فوق غزة
ثارت قبل أيام ثائرة بعض الكتّاب والمثقفين الفلسطينيين غضباً على «قول» انتشر عن الأديب والأسير المحرر باسم خندقجي، لأنه استخدم فيه تعبير «القربان» في قصد غزة.
الكلمة وردت في مأوضحة لخندقجي بعنوان «غزة كأس العالم كله» نشرها موقع «ألترا فلسطين»، واستخدمها صاحب رواية «قناع بلون السماء» الحائزة على جائزة البوكر العربية في وصف أهل غزة، من ضمن فقرات مليئة بالألم والحزن والقوة والهجوم على العالم الذي ترك غزة، وهذا من أول المأوضحة حتى آخرها.
ومع ذلك، كلمة «القربان»، بما تحمل من دلالات معروفة ومستخدمة، لم تكن موفقة، لكنها لمن قرأ مأوضح باسم، يتضح له فوراً أنها ليست مقصودة بما ذهب إليه البعض.
من انتقد الكلمة وأقام عليها رأيه وحجته عاش الإبادة في غزة على مر أكثر من عامين، وهنا بيت القصيد، فأهل غزة لديهم اليوم معاييرهم الخاصة في فهم الأمور، وهذا حقهم المطلق الذي لا ينازعهم عليه أحد. فما ذاقته غزة لا يمكن وضعه بميزان عادل فيتوازن.
قتل الاحتلال الشعب الفلسطيني في غزة على مرأى العالم، وظل كالصنم، باستثناء بعض التظاهرات هنا وهناك التي لم تؤثر في مسار الإبادة. كما أن الشعب الفلسطيني في كل أماكن وجوده لم يكن على قدر المسؤولية، علماً أنه ليس هناك تجمع فلسطيني في فلسطين أو خارجها إلا وأثخن جسده قتلاً وتدميراً وتجزيراً. لكن لم تصل الجريمة المستمرة بالفلسطينيين إلى الحد الذي وصلت إليه في غزة، حيث مورست إبادة كاملة، كأنها تتمة للنكبة. هذا الذي حدث في غزة، جعل أهلها أكثر حساسية من أي كلمة قد يشعر واحدهم أنها لا تعبر عنه أو تسيء إليه.
وفي هذه الكتابة، انتقاء الكلمات معضلة، والأعقد شعور القلق من أن يقرأها أحد من غزة ولا يعجبه، وهذا وارد، واحتمال حدوثه كبير، ولأهل غزة الحق بذلك. فالناس قتّلت، وفتكت أجسادها، وفي أحيان كثيرة لم تجد مكاناً لتدفن أولادها، هذا وغزة كلها حوّلها الاحتلال إلى مقبرة. ومعظم الناس في غزة، باستثناء قلة، تعيش في خيام ممزقة من تعاقب الفصول عليها وطول الاستخدام، تأكل أجسادهم الحشرات، والقوارض تتكفل بعضّهم ونشر الأمراض.
ما يحدث في غزة كارثة مستمرة منذ أكثر من عامين، لا يؤلم جرحها «إلا من كان به ألم». وما ألمّ بأهل غزة، لا ينطبق عليه الحديث الشريف «مثل المؤمنين في توادهم و تراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمّى»، إذ تركوا بلا سند، رغم أن البواكي على غزة كثر، لكن الناس في أماكن مختلفة في هذا العالم لا حول لها ولا قوة.
ومع ذلك، فأهل الخيام الذين لا يجدون طعاماً لأولادهم، لا يعبأون بكلام السياسة والسياسيين، كما أنهم غير معنيين بالمعارك الثقافية، أو النكايات والمعارك السياسية الصغيرة التي تستخدم فيها أوجاع الناس للنيل من أحدهم أو من آخرين.
نشر باسم خندقجي أول البارحة مأوضحة في الموقع ذاته الذي نشر فيه مأوضحته السابقة، والجديدة بعنوان «ما الذي تفعله بنا الإبادة؟»، يقول فيها: «ولا يغدو الخلاص جماعياً إلا عندما يدرك الفلسطيني أن الإبادة خلّفت به العديد من الجراح العميقة والندوب التي طاولت جوانبه النفسية واللغوية والثقافية ونظرته لذاته وللعالم أيضاً، والمتمثلة بالغضب، وهو غضب مشروع ضد كل من أدى بالفلسطيني نحو التشظي وهذا النفق المظلم.
وعلة هذا النفق هي نظام الأبارتهايد الكولونيالي الصهيوني، أما المعلول فهو نحن الفلسطينيون، نحن الذين بتنا بأمسّ الحاجة اليوم إلى توحيد خذلاننا وغضبنا وخيبتنا وأملنا في الوقت نفسه، لا بل توحيد الجماعات الفلسطينية المتعددة بجماعة واحدة، ألا وهي غزة. بلى، غزة هي فلسطين وفلسطين هي غزة التي كشفت مآلات المشروع الصهيوني القاضي بالإبادة الشاملة للفلسطينيين أينما وجدوا. فإذا كان لا مفر من هذا النفق المؤقت، فلنكن به جميعاً إذاً، لا غزة وحدها، إلى أن يبزغ الأمل من إرادتنا الجماعية المستعادة.
كاتب الكلمات السابقة خرج من الأسر في تشرين الأول 2025، بعملية تبادل بين الاحتلال و«كتائب القسام» في غزة، فأُبعد خارج فلسطين إلى مصر، وذلك بعد 21 عاماً قضاها أسيراً، بسبب اعتأوضحه في تشرين الثاني 2004، بعيد عملية تفجير في سوق الكرمل في تل أبيب مطلع الشهر ذاته الذي اعتقل فيه، فقتل فيها 3 إسرائيليين وجرح أكثر من 50 إسرائيلياً، لم يقم باسم بأي دور عسكري فيها. حكم خندقجي المولود سنة 1983 في نابلس، بثلاثة مؤبدات، وغرامة مالية قيمتها 11.6 مليون دولار كتعويض لعائلات الضحايا.
هذه المعركة الكلامية التي دارت، جددت أسئلة صعبة على الجميع، مرتبطة بوعي وفهم جديدين لفلسطين في ضوء مأساة غزة التي يجب أن تكون مأساة فلسطينية، يتحمل الكل الفلسطيني مسؤوليته فيها، من دون إغفال القضايا الأخرى كقضم وضم الضفة الغربية واللاجئين المطرودين من ديارهم في شمالها، وبقية اللاجئين في الداخل والخارج والأسرى والقدس بما فيها والعنصرية والقتل في داخل الداخل، وفوق كل القضايا معركة البقاء في الأرض. وضمن أسئلة الوعي الفلسطيني الجديد لفلسطين: هل من حق الفلسطينيين الحديث عن غزة، وعن ماذا تحديداً؟ أم أن حق الكلام هذا حكر على أهل غزة، تحديداً الذين كانوا تحت الإبادة؟
ايهم السهلي كاتب فلسطيني
25 حزيران 2026
المصدر: الاخبار
عاجل | ثرثرة فوق غزة
