عاجل عاجل | وزارة الاتصالات تطلق برنامج "كود ناين 66" لتمكين المواهب الوطنية في صناعة الألعاب الإلكترونية
قضايا وآراء

عاجل | بين الدولة والمقاومة: نقاش مع طارق متري

🚨 عاجل
📌 ملخص الخبر:
عاجل | بين الدولة والمقاومة: نقاش مع طارق متري
يصعب على قارئ ينتمي إلى البيئة الفكرية المؤيدة للمقاومة أن يقرأ مقابلة طارق متري الأخيرة (مع مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 147، صيف 2026) بعين واحدة. فمن السهل أن يكتفي البعض بتصنيفه في خانة «الدولة» في مقابل «المقاومة»، أو أن يتعامل مع كل ما يقوله بوصفه تعبيراً عن نزعة ليبرالية تقليدية تسعى إلى احتواء المقاومة ونزع خصوصيتها. لكن قراءة أكثر هدوءاً وإنصافاً تكشف أن الرجل لا يتحدث من موقع الخصومة مع المقاومة، بقدر ما يتحدث من موقع القلق على الدولة اللبنانية، وهو قلق مشروع حتى لو اختلفنا مع بعض نتائجه. في المقابلة، يرفض متري بوضوح أن تكون قضية سلاح حزب الله موضوعاً يُعالج بالتعاون مع إسرائيل، ويصرّ على أنها قضية لبنانية داخلية. وهذه ليست عبارة عابرة. ففي لحظة تتزايد فيها الضغوط الدولية والإقليمية لتوظيف نتائج الحرب في إعادة تشكيل الداخل اللبناني، يبدو هذا الموقف بمثابة خط أحمر سياسي وأخلاقي. فلبنان لا يمكنه أن يتفاوض مع عدوه على شكل توازناته الداخلية، لأن ذلك يعني عملياً الاعتراف بحق إسرائيل في تحديد طبيعة النظام السياسي اللبناني وحدود سيادته. من هذه الزاوية، يمكن القول إن متري يلتقي مع المقاومة في نقطة أساسية: رفض تحويل السلاح إلى بند تفاوضي إسرائيلي مباشر. لكن السؤال الذي يطرحه أنصار المقاومة يتجاوز ذلك: هل يكفي القول إن المسألة لبنانية فيما البلاد تتعرض لضغط عسكري غير مسبوق، وهل يمكن فعلاً فصل النقاش الداخلي عن ميزان القوى الذي تحاول إسرائيل فرضه بالقوة؟ لقد علّمتنا التجربة اللبنانية أن كل نقاش داخلي حول الخيارات الاستراتيجية يتأثر بموازين القوى الخارجية. بعد الاجتياح الإسرائيلي سنة 1982، لم يكن ممكناً فصل النقاش السياسي عن الاحتلال. وبعد التحرير سنة 2000، لم يكن ممكناً فصل الجدل حول المقاومة عن التحول الذي أحدثه انسحاب إسرائيل بلا قيد أو شرط. وبعد حرب تموز 2006، دخل القرار 1701 بوصفه إطاراً حاكماً لجزء كبير من النقاش الوطني. ولذلك، فإن القول بلبنانية القضية ينبغي أن يقترن برفض استثمار العدوان في فرض حلول داخلية لا تعبّر عن توافق وطني حقيقي. في المقابل، يصيب متري إصابة كبيرة عندما يشكك في الرواية الإسرائيلية المعلنة بشأن أهداف الحرب. فهو يلفت النظر إلى أن الحديث عن «القضاء على حزب الله» قد لا يكون سوى عنوان سياسي، فيما الهدف الفعلي هو خلق منطقة جنوبية مدمرة وخالية من سكانها، أشبه بما حدث في غزة. هذا التحليل ينسجم إلى حد بعيد مع القراءة التي تقدمها المقاومة نفسها. فإسرائيل لم تكن، في تاريخها، معنية فقط بإزالة التهديد العسكري المباشر، بل بإعادة تشكيل البيئة السياسية والجغرافية المحيطة بها. المنطقة العازلة، وإنتاج الوقائع الديموغرافية الجديدة، وتحويل الأرض إلى فضاء غير قابل للحياة، كلها أدوات استخدمت مراراً بأشكال مختلفة. ولذلك، فإن ما يجري لا يبدو مجرد محاولة لنزع سلاح، بل محاولة لإعادة تعريف الجنوب اللبناني نفسه: من فضاء مقاوم مأهول إلى هامش أمني خاضع للمراقبة الدائمة. غير أن الاختلاف الحقيقي بين متري والمقاومة يظهر في مقاربته لمسألة الدولة وقرار الحرب والسلم. فمتري ينطلق من مبدأ يبدو بديهياً: لا سيادة حقيقية من دون احتكار الدولة لاستخدام القوة. وهو مبدأ مستقر في الفكر السياسي الحديث. لكن المقاومة تطرح سؤالاً آخر لا يقل وجاهة: ماذا لو كانت الدولة عاجزة عن حماية حدودها، وماذا لو كانت السيادة القانونية بلا قدرة فعلية على الردع؟ لقد نشأت المقاومة اللبنانية في سياق انهيار وظائف الدولة الأساسية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. لم تولد من فائض قوة الدولة، بل من غيابها. ولم يكن مشروعها النظري، في بداياته على الأقل، إقامة دولة موازية، بل سدّ فراغٍ سياديٍّ قاتل. ومن هنا، فإن مطالبة المقاومة بالتخلي عن سلاحها قبل بناء قدرة دفاعية وطنية حقيقية تبدو، في نظر جمهورها، أشبه بالمطالبة بالتخلي عن مظلة الحماية قبل تشييد السقف البديل. وهنا ربما تكمن العقدة اللبنانية كلها. فالمشكلة ليست في مبدأ الدولة، ولا في مبدأ المقاومة، بل في العجز عن بناء معادلة تجمع بينهما. إذ تحوّل النقاش في كثير من الأحيان إلى ثنائية تبسيطية: إما دولة بلا مقاومة، أو مقاومة بلا دولة. بينما تشير التجارب التاريخية إلى إمكان البحث عن صيغ انتأوضحية أكثر تركيباً، تحفظ عناصر الردع من جهة، وتؤسس تدريجياً لاحتكار الدولة المنظم للقوة من جهة أخرى. ومن النقاط اللافتة أيضاً في حديث متري تحذيره من «وهم السلام» مع إسرائيل. فهو يعتبر أن الاعتقاد بأن مجرد توقيع اتفاق سلام سيجلب الازدهار إلى لبنان يعكس جهلاً بالتاريخ وبطبيعة المشروع الإسرائيلي. وهذا الموقف يستحق التأمل. فالمقاومة لا ترفض السلام بوصفه قيمة إنسانية، بل تشكك في طبيعة السلام المعروض. إذ إن التجربة العربية مع إسرائيل لم تقدّم نموذجاً لعلاقات متكافئة بين دول مستقلة، بقدر ما كشفت عن أنماط مختلفة من الاختلال في موازين القوى. فالسلام، حين يكون تعبيراً عن تفوق طرف على آخر، قد يتحول إلى إدارة للخضوع أكثر مما يكون تسوية عادلة. من هنا، لا يبدو التحذير من أوهام السلام بعيداً عن المزاج المقاوم، بل ربما يشكل أحد عناصر التقاطع النادرة بين متري وجمهور المقاومة. أما في ما يتعلق بالقانون الدولي الإنساني، فقد ينظر بعض أنصار المقاومة إلى الجهد الذي يقوده متري بعين الريبة، باعتبار أن المؤسسات الدولية أثبتت عجزها عن ردع إسرائيل أو محاسبتها. وهذه ملاحظة يصعب إنكارها. فكم من قرار أممي بقي حبراً على ورق؟ وكم من مجزرة مرّت بلا عقاب؟ لكن هذا لا يلغي أهمية العمل القانوني والتوثيقي. فالتوثيق ليس بديلاً من المقاومة، بل أحد أشكالها المدنية. إنه معركة على الذاكرة والمعنى. فالاحتلال لا يكتفي بتدمير البيوت، بل يسعى أيضاً إلى احتكار الرواية وتطبيع الجريمة. وحين تُجمع الشهادات والوثائق والصور وتُصاغ في ملفات قانونية، فإن ذلك يمنع تحويل الضحايا إلى أرقام عابرة، ويؤسس لذاكرة جماعية تقاوم النسيان حتى لو تأخرت العدالة. وفي حديثه عن فلسطين، يقدم متري ما سماه «المفارقة الفلسطينية»: فبينما يزداد الواقع المادي للفلسطينيين سوءاً، تبقى القضية حية في الضمير العالمي. هذه ملاحظة دقيقة، لكنها تحتاج إلى استكمال من منظور المقاومة. فالتعاطف العالمي، مهما اتسع، لا يتحول تلقائياً إلى فعل سياسي. وما كان للقضية الفلسطينية أن تستعيد حضورها الأخلاقي الكوني لولا صمود الفلسطينيين أنفسهم. إن الرأي العام لا يصنع التاريخ وحده؛ إنه يتأثر أيضاً بمن يرفض الاستسلام على الأرض. ولذلك، فإن المقاومة ليست نقيض التضامن العالمي، بل أحد الشروط التي تمنع هذا التضامن من التحول إلى تعاطف عابر مع ضحية مهزومة ومنسية. في النهاية، لا تبدو المسافة بين طارق متري والمقاومة بالاتساع الذي يتخيله كثيرون. فهو يعترف بخطورة المشروع الإسرائيلي، ويرفض معالجة قضية السلاح مع العدو، ويحذر من أوهام السلام السهل، ويتمسك بحيوية القضية الفلسطينية، ويؤكد ضرورة ألا يبقى لبنان مجرد ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. أما المقاومة، فتنطلق من سؤال مختلف: كيف يمكن الحديث عن دولة ذات سيادة كاملة فيما تتعرض هذه الدولة لاعتداءات متكررة ولا تملك الوسائل الكافية لردعها؟ بين هذين السؤالين يتحدد جوهر النقاش اللبناني اليوم. ليس النقاش بين من يحب الدولة ومن يكرهها، ولا بين دعاة الحرب ودعاة السلام، بل بين من يرى أن السيادة تُستعاد أولاً عبر بناء الدولة، ومن يرى أن بناء الدولة نفسه يحتاج، في ظروف استثنائية، إلى قوة مقاومة تمنع سقوط السيادة قبل اكتمال شروطها. ولعل التحدي الأكبر يكمن في منع هذا الاختلاف من التحول إلى انقسام وجودي بين اللبنانيين. فلبنان لا يحتمل حرباً أهلية جديدة باسم الدولة، كما لا يحتمل بقاء الانقسام إلى ما لا نهاية باسم المقاومة. وما يحتاج إليه فعلاً هو حوار وطني صريح يبحث في كيفية الجمع بين مقتضيات السلم الأهلي ومتطلبات الردع، وبين الدولة التي نحلم بها والقوة التي حالت، حتى الآن، دون أن يفرض العدو شروطه النهائية على هذا البلد الصغير. الكاتب: كريم حداد 23 حزيران 2026 المصدر: الاخبار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى